في سبيل الحد من هجرة الريف والبطالة، سوريا تصنع الألبسة للأوروبيين بكلفة قليلة

بدأت مصانع الألبسة السورية منذ عقد التسعينات التعامل مع المبدأ الاوروبي(التصنيع لدى الغير)والذي يرمز له بحرف(C-M)أي(خياطة وقص)للملابس ضمن قوانين الادخال المؤقت في الدول المصنعة للغير.وتهدف الدول الاوروبية من تصنيع مختلف انواع الملابس بما فيها تلك التي تحمل أسماء عالمية لتخفيض تكاليف الانتاج بعد الارتفاع الشديد الذي طرأ على مستوى المعيشة لشعوبها والذي انعكس على كلفة ساعة العمل والمنتج بشكل عام. وفي دراسة شاملة أعدها قبل أيام رجل الصناعة السوري رياض سيف حول تصنيع الملابس عن طريق الادخال المؤقت في سوريا وجدوى هذا النوع من التصدير وعوائده والصعوبات التي تواجهه. تقول الدراسة ان هذا النوع من التصنيع والتصدير بدأ في سوريا لأول مرة عام 1990 بتصنيع قمصان رجالية لصالح احدى الشركات الالمانية بعد ان تدربت كوادر الشركة السورية المصنعة لاكتساب الخبرة في ألمانيا وتم انتاج القمصان حسب المواصفات المطلوبة. وبعد ذلك توسع هذا النوع من الصادرات بعد نجاح تلك التجربة على الرغم من اشتداد المنافسة وبعد سنوات قليلة من التصدير تراجع حجم الادخال المؤقت واعادة تصديره. وتحدد الدراسة أسباب هذا التراجع للصعوبات التالية: * ارتفاع تكاليف الانتاج وكثرة العرض في الدول الاخرى مما أدى الى هبوط أجور التصنيع. * البيروقراطية التي أدت الى طول الفترة اللازمة لعمليات التخليص الجمركي وارتفاع مبالغ الاتاوات, حيث باتت تشكل نسبة لا يستهان بها من مجمل ما يتقاضاه المصنع من أجور. * بعد المسافة بين سوريا والدول المتعاقدة في اوروبا قياسا بالدول المنافسة في أوروبا الشرقية وغلاء تكاليف الشحن. * عدم توفر المعاهد المتخصصة لتخريج العمال المهرة في صناعة الملابس. * الاعباء الضريبية الناتجة عن فرض نسبة ربح تبلغ 14% من مجمل ما يتقاضاه المصنع في سوريا, حيث تصل نسبة الضريبة الصافية 5.8% من قيمة عقود التصدير, اضافة الى الرسم القنصلي الذي يصل الى 3% من صافي اجور التصنيع الذي يتقاضاه المصنع السوري والتغريمات الناتجة عن ارتكاب الاخطاء للملابس التي تحمل اسماء عالمية. وتقدم الدراسة تحليل جدوى اقتصادية لعقد متوسط الحجم على سبيل لمثال ليظهر فيه التكاليف التي تزيد من عبء اجور التصنيع. ويؤكد صاحب الدراسة ان تطوير هذا النوع من الصادرات يمكن ان يحقق عوائد تصل الى 500 مليون دولار سنويا اذا توفرت الشروط اللازمة أسوة بما حققته دول مثل: تونس والمغرب ورومانيا. وفي الوقت الذي يؤكد فيه على الصعوبات والمخاطر التي تواجهه هذه الصناعة وما يتعرض له المصنعون من خسائر كبيرة وازمات مالية فإنه يوجد في المقابل مزايا كبيرة تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني ومن أهمها: توفير اعداد كبيرة من فرص العمل, واشتراكات التأمينات الاجتماعية, وضريبة الرواتب والاجور, وتوفير فرصة مناسبة لتطوير صناعة الملابس نتيجة نقل الخبرة من الشركات الاجنبية. وان هذه المزايا سوف تتضح أكثر عندما تبين الجدوى الاقتصادية الوطنية لحجم صادرات الادخال المؤقت (عائدات اجور التصنيع) عندما تصل الى 500 مليون دولار والذي يمكن تحقيقه في سوريا خلال فترة لا تتعدى بضع سنوات اذا توفرت الشروط التالية كما يراها الصناعي سيف وهي: 1ـ إنشاء مدارس فنية لصناعة الملابس. ونقل الصناعة, ونقل صناعة الملابس الى أماكن تواجد العمالة بعيدا عن دمشق وحلب. 2ـ ازالة جميع العقبات وتبسيط عمليات الادخال والاخراج للبضائع في الحرم الجمركي والغاء الرسم القنصلي كون المواد الأولية المرسلة للتصنيع ينطبق عليها حكم الترانزيت المعفي من هذا الرسم وتخفيض ضريبة الدخل الى 5.2% كحد اقصى. 3ـ توفير خطوط شحن منتظمة في البر والبحر والجو, مستفيدين من اشتراك سوريا وانضمامها الى منظمة (التير) العالمية. 4ـ تخصيص مناطق صناعية في أماكن تواجد العمالة في المحافظات الجنوبية وفي الساحل مما يخفض تكاليف الانتاج ويزيد مردود العامل بنسبة قد تصل الى 50% قياسا للوضع الراهن. 5ـ استخدام مواد أولية من لوازم الخياطة ومواد تعبئة وتغليف وأعمال يدوية, بحيث يمكن ان تصل الاضافات الى 40% من مجموع العقود. وتركز الدراسة على أهمية انشاء مصانع الالبسة في الريف السوري في سياق خطة وطنية لرفع المستوى المعيشي لكافة شرائح المجتمع, وخاصة الصناعات النسيجية التي تستوعب أكبر عدد من العمالة مما سينعكس ايجابا على تقليص حجم البطالة ووقف عمليات الهجرة من الريف الى المدينة عدا ان ايجاد موارد جديدة للفلاحين من جراء العمل في الصناعات النسيجية سيحسن من الانتاج الزراعي والحيواني نتيجة استخدام المكننة والطرق الحديثة في الري والزراعة وتربية الثروة الحيوانية. وتقدم الدراسة في هذا المجال تجربة رائدة تم تنفيذها في مدينة السلمية شرق حمص عندما تم اقامة مصنع للملابس المعدة للتصدير مستفيدة من قانون الاستثمار, وبدأ المصنع الانتاج عام 7991, فقد استطاع هذا المشروع نقل صناعة الملابس الى مدينة السلمية نتيجة جهود كبيرة بدأت بتدريب وتأهيل الكوادر التي لم يكن لها أية خبرة سابقة في هذه الصناعة. واستطاع بعد مضي سنتين توفير مئات فرص العمل وتوفير قطع أجنبي بملايين الدولارات, علما ان هذا المصنع يستورد الاقمشة القطنية من الهند وباكستان والفلبين ويدخلها الى سوريا مؤقتا بقصد التصنيع واعادة تصديرها, أي انه في حال توفر الغزول القطنية في سوريا, سوف يتحول الى استخدام الاقمشة القطنية السورية مما يضاعف من عائدات القطع والقيمة المضافة لمصلحة الاقتصاد الوطني. وتتوقع الدراسة ان يغلق هذا المصنع أبوابه بعد فترة الاعفاء من الضريبة المقررة في القانون رقم (10) وهي لمدة سبع سنوات وذلك بسبب ضغط عبء الضريبة حسب الانظمة النافذة حاليا والتي تزيد على 66% من مجمل عائدات اجور التصنيع التي تضاف الى الاعباء الأخرى التي يتحملها المصنع السوري. مصانع الالبسة بسوريا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات