استراحة البيان، زمن جميل مضى، يكتبها اليوم: جابر عصفور

كنت من عشاق المشي, بل من كبار المشائين الذين يهيمون بشوارع وسط المدينة في القاهرة على وجه التحديد. وما أكثر ما كنت اركب الاتوبيس من ميدان الجيزة الى ميدان التحرير , وأترك نفسي أهيم بالساعات في الشوارع المتفرعة من ميدان التحرير الى العتبة, والمتفرعة من الميادين الواقعة بين الميدانين الكبيرين, ميدان طلعت حرب وميدان عابدين, أرقب المحلات, وأدخل المكتبات التي أنسى فيها نفسي وأنا أتصفح كتابا يشدني عنوانه, أو اتطلع الى ما يجاوره من كتب كتابا كتابا. والطريف انني عندما جئت من بلدتي المحلة الكبرى الى القاهرة لم أجد وسيلة سهلة في سرعة معرفة أسماء شوارع وسط المدينة الا بأسماء المكتبات الشهيرة الواقعة في هذه الشوارع, فقد كانت الكتب ـ ولاتزال ـ خير رفيق أعرفه في الحياة. ولم يكن يعدل متعة مطالعة واجهات المكتبات عندي سوى مطالعة طرز العمارة في شوارع سليمان باشا وقصر النيل وطلعت حرب وعماد الدين والالفي وعبدالخالق ثروت وعدلي وغيرها من الشوارع التي لاتزال تحتفظ الى اليوم ببقايا العمارة الجميلة التي لا تعرف الكتل الاسمنتية الشائهة القبيحة الموجودة في عمارة هذه السنوات. وأذكر انني كنت أسير في هذه الشوارع, قبل ان ينتهي بي المطاف الى سور الازبكية القديم لاقتناص ما يمكن اقتناصه من نوادر الكتب والمطبوعات. وهي هواية مازلت أمارسها الى اليوم بالحماسة القديمة نفسها. وكانت متعة السير تتزايد بهدوء هذه الشوارع ونظافتها ونضارة الوجوه التي تسير فيها فضلا عن بهجة الازياء التي كانت سائدة. وكانت واجهات العمارات القديمة لوحات تشكيلية تجذب العين الباحثة عن الجمال, وتغري بالوقوف أمامها, والاستغراق في تفاصيلها, وتذوق ما فيها من جمال النظام أو نظام الجمال. دارت الأرض دورتها, وحملتنا الشواديف من هدأة الماضي الى غابة الحاضر الشرسة, وانقلب مشهد وسط المدينة رأسا على عقب. وفقدت دائرته الجغرافية أهميتها بعد ان تشكلت طبقات جديدة, حملت ثرواتها الوافدة الى مناطق سكنية جديدة, فانتقل مركز الثقل التجاري من قلب المدينة الى ضواحيها البعيدة, خصوصا مدينة نصر التي استقر فيها أغلب العائدين من أقطار النفط من الباحثين عن الاستثمار المربح في السكنى والتجارة, فأصبحت مدينة نصر رمزا لزمن جديد, وفضاء لحركة رأسمال مغاير في أهدافه ومطامحه وأساليبه. وضاقت شوارع المدينة القديمة بالسيارات التي خنقتها. وحل محل الهدوء الضجيج والصخب. وتلوث كل شيء بعادم السيارات. وأصبح المارة انفسهم أكثر اندفاعا الى العنف الذي يبدو استجابة طبيعية لكل ما حولهم. وهجر العشاق الصغار أماكنهم المعتادة في قلب المدينة الى الاطراف التي لاتزال تتميز ببعض الهدوء, وتركوا الشوارع المختنقة المكتظة لشباب من نوع مختلف, تتناقض ملامحهم وملابسهم التي تجمع ما بين جهامة الوجه الملتحي واستخفاف ملامح أصحاب الالقاب الجديدة من (الخرتية) وغيرهم. ولم يعد أحد يستطيع ان يسير في هدوء, أو أمان, أو اطمئنان, ليرقب المشغولات الحديدية للبلكونات أو الابواب, أو افاريز العمارات, أو المنحوتات التي تزين الاطواق, أو تتوسط الاقواس, أو تترأس الوحدات الزخرفية للواجهات. ولم تعد ملامح القباب الدائرية أو الابراج التي تتصدر البناء, أو المثلثات المستطيلة (القوصرات) التي تعلو الابواب, متناغمة مع الاعمدة المتوازية المشغولة بالوحدات الزخرفية المتكررة كأنها رجع لحن قديم, أقول لم يعد ذلك يشغل انتباه أحد, أو يثير اعجاب أحد, خصوصا بعد ان اقتحمت المكان الكتل الخرسانية البشعة, والمزيج الممل في تكراره من وحدات الحديد والزجاج, واختناق الزحام والغبار الذي لا يدع للعين سبيلا الى تأمل ذلك النحت البارز على هذه الواجهة أو تلك, أو ذاك التمثال الذي لايزال يقاوم القبح على طرف نافذة هذا المبنى أو ذاك. اختفى جمال العمارة القديمة مع طوفان الزمن الذي لم يعد يعرف من العمارة الا معنى الفائدة الخشنة, أو المنفعة العملية الفظة, ولم يعد يعرف من المباني الا استغلال كل سنتيمتر للتمليك أو الايجار, سعيا وراء الربح السريع المبالغ فيه, ولم يعد يدرك من وظيفة للشوارع الا انها مجرد مسالك تخلو من جمال البشر والحجر والنبات. ومازلت أشعر بالأسى عندما أقارن بين جمال العمارة في البنايات القديمة التي لاتزال تحيط بتمثال طلعت حرب أو تمثال مصطفى كامل, في وسط القاهرة العجوز, كما يحيط الحراس القدامى بالرموز العزيزة التي تظل شاهدا على عظمة ماكان حولها, وقبح العمارة الذي يصدم العين فيما اطلق عليه اسم مجمع التحرير, والذي يبدو كأنه إحدى البنايات الصارمة الجهمة التي بناها ستالين في مدينة موسكو رمزا لزمنه الذي لم يعرف معنى الحرية أو حق الاختلاف. ويحلو لي, كثيرا, ان استمع الى صديقة عزيزة, اتعلم منها محبة العمارة, والاستمتاع بتكويناتها الجمالية, وهي تحدثني عن التقابل المعماري بين مباني القاهرة القديمة ومبانيها الجديدة, وتقف بي على المعاني التي لم ألاحظها من قبل, ومن ذلك مثلا التقابل الذي حدثتني عنه بين مباني جامعة القاهرة في الجيزة ومباني جامعة عين شمس في العباسية. وتقرأ صديقتي في هذا التقابل الفارق بين العين الليبرالية التي ترى الجمال في التنوع, وترد الوحدة الجمالية الى التناسق الذي تفرضه بين المكونات التي تصل ميراث الماضي بتطلع الحاضر الى المستقبل الواعد, وبين العين الشمولية التي لاترى, ولايسمح لها ان ترى, التنوع في الوحدة, ولا الجمال في تجاوب المختلفات, ومن ثم لا ترى الا الوحدات الخرسانية المكرورة في تتابع جهم, تؤكده نوافذ زجاجية لاتختلف في دلالة تكرارها عن دلالة تكرار نوافذ سجن من السجون. وقد تعودت صديقتي عاشقة العمارة, ان تلفت انتباه عيني الى علاقة الكتلة بالفراغ في النوعين المتقابلين من العمارة, حيث تمرح العين في الفراغات المتسعة للخضرة التي تضيف الى معنى الامتداد في مباني جامعة القاهرة, مقابل الانحصار المكتوم المفروض على المكان قسرا, في مباني جامعة عين شمس, كأنه ترجيع لمسارات مقموعة سلفا. ولقد عادت هذه المعاني الى ذهني, وتفجرت ترابطاتها في ذاكرتي, عندما اهداني صديقي طارق حجي كتاب سنثيامونتي عن عمارة القاهرة في حقبتها الجميلة belle epoque وترجمة عنوان الكتاب المكتوب بالانجليزية (باريس على النيل) وقد تولت شركة (شل) للبترول ـ القاهرة ـ تمويل هذا الكتاب, حين كان يشرف على ادارتها (1986 ـ 1996) طارق حجي ضمن المشروعات الثقافية التي كانت تدعمها الشركة. وقد صدر الكتاب اخيرا عن مطبعة الجامعة الامريكية في القاهرة, في طبعة جميلة, مزودة بعشرات الصور من عمارة القاهرة القديمة, حيث تجولت عينا المؤلفة في افتتان لافت بشوارع القاهرة ومبانيها, متأملة جمال الابداع المعماري في ادق تفاصيله, ابتداء من دلالات الشوارع التي تؤكد الافق الكوزموبوليتاني المفتوح, مرورا بالمباني الحكومية الكبيرة ومباني السكنى الموازية, وانتهاء بتقنيات المشغولات الحديدية والابواب والقباب والاقواس (الحنيات) والبلكونات والدعامات والزخارف النباتية والحيوانية التي لاتخلو من صور الملائكة أو أبي الهول. وقد ظللت اطالع صور الكتاب بمتعة بالغة, وانا أقرأ ما فيه بنصف عقل. فقد كان النصف الآخر يستعيد ترابطات الذاكرة التي تثيرها كل صورة, واولاها الصورة التي تتصدر غلاف الكتاب, والتي نرى فيها ظهر تمثال طلعت حرب في الميدان المسمى باسمه, يواجه العمارة التي تقع على زاوية تقاطع شارع سليمان وشارع قصر النيل, كأنه علامة على زمن جميل مضى من العمارة التي ينبغي الحفاظ عليها, والتي لاينبغي تركها فريسة سهلة لانياب (البلدوزرات) وبراثن الكتل الاسمنتية القبيحة. لقد أعادني كتاب سنثيا مونتي الى ذكريات وسط المدينة في العهد الخلي, وظللت اتأمل صور المباني القديمة التي التقطتها عدستها اللماحة, من ميادين القاهرة وشوارعها, واقفة على تفاصيل العمارة الدالة, كاشفة عن تاريخها وسياقاتها الجمالية. وما أكثر ما عرفته من فصول الكتاب والتعليقات المصاحبة للصور الدالة, ابتداء من عمارات اسماعيل باشا التي لاتزال قائمة في شارع عماد الدين, مرورا بالمبنى الجميل لبنك مصر الدولي (وكان في الاصل مبنى لبنك فرنسي) الذي بنى في حوالي سنة 1880 وانتهاء بعشرات المباني التي تذكر المؤلفة اسماء مهندسيها المعماريين, متوقفة وقفات تفصيلية على اساليبهم الجمالية في العمارة التي اقترنت بحلم القاهرة القديم في ان تضارع عواصم اوروبا. اما كيف تم تشويه هذا الحلم واقتحامه بغيلان الكتل الاسمنتية, وانتهاكه بالبنايات العشوائية, فالاجابة عنه ماثلة في الصور التي تنطق الغوغائية المعمارية التي اغرقت فيها القاهرة عمدا, الصور التي تقتحم فيها المشهد سيارات من كل طراز, تنفث دخانا اسود يترك ظله على التنافر المعماري الذي استبدل القبح بالجمال, والفوضى بالنظام, وبالبشر الباحثين عن متعة العين, البشر المستبيحون والمستباحون الذين تتجدد رحلتهم كل صباح, بحثا عن الخبز والمؤونة, في مشهد يتربص به الموت من كل حدب وصوب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات