استراحةالبيان: ثمة ضوء في آخر النفق، يكتبها اليوم: علي عبيد

ان تبدأ حياتك ناجحاً ثم تمضي من نجاح الى نجاح ذلك شيء رائع ولكنه مجلبة للحسد اكثر منه مدعاة للاعجاب, وان تولد وفي فمك ملعقة من ذهب فتلك امنية تداعب احلام الجميع ولكن التحدي الحقيقي في الحياة هو ان تحول الفشل الى نجاح وان تولد وسط المعاناة عملاقاً لا يزيدك الاخفاق الا إصراراً على العمل للوصول الى الهدف , فالذين لا يفشلون قط هم الذين لايعملون قط, والذين يصنعون من الاحجار التي تتساقط عليهم في رحلة الحياة تلة يقفون عليها لتصل هاماتهم الى عنان السماء هم غير اولئك الذين ينكفئون على وجوههم لتغطيهم تلك الاحجار وتتحول الى قبور لهم فتدوسهم الحياة في طريقها ولا يعود لهم بين الناس ذكر, ومادمنا قد رضينا بأن نكون جزءاً من حركة الكون فعلينا ان نؤمن بانه لا مستحيل في الحياة وان نضع نصب اعيننا دائماً القول النبوي الشريف (لو تعلقت همة احدكم بالثريا لنالها) . الا ترى ان اكثر الناس معاناة وتعرضاً للصد والبلاء هم الانبياء والرسل, وكان أشد الناس ايذاء لهم هم اقرب الناس اليهم من الزوجات والأبناء والعشيرة, ومع ذلك فان المولى عز وجل لم يشأ ان يكسر نواميس الكون وهو القادر على ذلك, بل اراد ان يرينا فيهم المثل والقدوة على عدم التسليم واليأس والاصرار على المضي نحو الهدف في إيمان لا يتزعزع بأن ثمة ضوءا يلوح في آخر النفق ليس الوصول اليه بالمستحيل طالت الرحلة ام قصرت. ولعل قائلا يقول بأن هؤلاء الرسل والانبياء ليسوا مقياساً نخضع له انفسنا فقد هيأتهم السماء لمهمة عظيمة تتعدى حدود الطموح الشخصي والقدرات البشرية فهم حملة رسالة لابد ان تصل الى الناس كي تستقيم امور الحياة وتعتدل موازينها, ولهؤلاء نقول: دعونا اذاً نتجه الى نماذج اخرى من البشر لا يتمتعون ـ في تصورنا ـ بذلك الدعم الالهي باعتبارهم بشراً عاديين ـ وان كان كل شيء بمشيئة الله وإرادته ـ ومع ذلك فقد استطاعوا بعزيمتهم واصرارهم تخطي الكثير من العوائق والتغلب على جوانب نظن انها عوامل نقص في قدراتهم لنستمع مثلاً الى روبرت.ج. اولمان الامريكي مكفوف البصر الذي درس الفلسفة ثم القانون واصبح محامياً ذائع الصيت في شركات التأمين يتحدث الينا عن تجربته فيقول: فقدت البصر في الرابعة من عمري وانا اليوم في الثانية والثلاثين, ولو ان الابصار عاد الي لكان ذلك حدثاً رائعاً, بيد ان كارثة ربما قدمت للناس ايادي بيضاء, حتى ليخيل لي ان حبي للحياة ربما قل لو لم اكن اعمى. انني اؤمن الآن بالحياة ايماناً عميقاً, ولست اعتقد بانه كان يسعني الايمان بها على هذا النحو لو انني لم اكن فاقد البصر. ولست اعني بذلك انني اجحد نعمة البصر, وانما اعني ان فقداني لها جعلني اقدر ما تبقى لي من نعم الحياة. كان اشق درس وجب علي تعلمه هو ان اؤمن بنفسي, ولم يكن في مقدوري ان اصنع ذلك, بل كان محتملا ان انهار وان اصبح قعيد كرسي متحرك امام باب البيت طوال ما تبقى لي من العمر. وعندما اتحدث عن الايمان بنفسي فانما اعني اليقين بأنني على الرغم من مظاهر عجزي امرؤ ايجابي وانه في هذا الخضم المتلاطم المتشابك من البشر يوجد مكان خاص بي استطيع ان اشغله بجدارة. وبكل تواضع اقول انني وجدت الراحة والهدوء في طموح الانسان الفاني ومحاولته الارتفاع والتسامي. وربما كان الرجل مسلوب البصر اقل عمى عن اهمية الاشياء المادية من المبصرين. كل ما اعرفه هو ان ايماناً بوجود غاية اسمى للبشر يكافحون في سبيل بلوغها كان وحياً اعانني اكثر من اي شيء اخر على صيانة حياتي وتماسكها. وها هو شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء (ابو العلاء المعري) اصيب بالجدري وهو في الثالثة من عمره فكف بصره الا ان تلك العاهة لم تعق تطلعه للنبوغ فتعلم على ابيه وغيره من ائمة زمانه وكان يحفظ كل ما يسمعه مرة واحدة وقال الشعر وعمره احدى عشرة سنة, وقد سجل فلسفته في الحياة من خلال شعره الذي بدا شاكياً متحيراً في حقيقة العالم والشرائع والمعبود حتى قيل انه احكم الشعراء بعد المتنبي. اما الاديبة الامريكية (هيلين كيلر) فهي نموذج رائع لقدرة الانسان على تحدي المستحيل والتغلب على الاعاقة, فقد كان عمرها تسعة عشر شهراً عندما مرضت بالدفتريا, ونجم عن المرض عدة مضاعفات تركتها عمياء وصماء, وبعد شهور قليلة فقدت القدرة على النطق واصبحت خرساء, اي ان صلتها بالعالم قد انقطعت ولم تعد تربطها به سوى حاسة اللمس. وعلى الرغم من ذلك فقد لمس والداها ما تتمتع به الطفلة من ذكاء خارق فعهدا بها الى السيدة (آن مانسفيلد سوليفان) التي كانت هي الاخرى عمياء متخرجة من مدرسة المكفوفين بمدينة بوسطن. وسرعان ما اعجبت آن سوليفان بذكاء الطفلة ورغبتها القوية في الثقافة فاتفقتا فيما بينهما على لغة خاصة باللمس, ثم ادخلتها مدرسة خاصة بالمصابين بالصمم لتنتهي هيلين كيلر من استيعاب منهج الدراسة في عام واحد مما اذهل الجميع, ثم التحقت بمدرسة اخرى في نيويورك انتهت فيها من دراستها الثانوية وكانت الاولى على الطلاب والطالبات لتدخل عام 1900 جامعة رادكليف وتحصل على اول دكتوراه لها في الآداب عام 1904. وقد ألفت كيلر عدداً كبيراً من الكتب القيمة الثمينة من اهمها كتاب (كيف خرجت من الظلام) و(يجب ان نؤمن برحمة الله) بالاضافة الى كتاب (التفاؤل) الذي يعتبر رسالة فلسفية عظيمة في تحليل اسباب اليأس والقنوط والوسائل النفسية التي يتذرع بها الانسان ليخرج من ظلمات اليأس الى نور الامل المتجدد. وقد كان اقبال الناس على شراء مؤلفاتها عظيماً فكونت ثروة طيبة خصصت جزءاً كبيراً منها لاعانة مدارس المصابين بالعمى والصمم. سئل جورج لي مالوري اعظم متسلقي الجبال الانجليز عن السر في رغبته الملحة وجهاده القوي كي يتسلق قمة افرست فلم يجب سوى بهاتين الكلمتين (لانها هناك) وحسب البعض ان اجابته هذه غامضة ولكنها تعني في الواقع التحدي, انها الرغبة في خوض الصعاب وعدم الاعتراف بالمستحيل وعدم التسليم بالعجز. وهي نفس الاسباب والدوافع التي جعلت (ماري اديسون) ترفض الاستسلام والتسليم بان ابنها ضعيف الذاكرة لا حظّ له من الذكاء بعد ان طرد من المدرسة الاولية التي ارسلته اليها ونصحوها بالحاقه بأي حانوت ليتعلم حرفة, ولكنها على الرغم من فقرها وكونها ارملة صممت على ان تكون هي استاذته وتمكنت بالصبر والمثابرة من تثقيفه وبث روح الطموح به فاذا به يلتهم العلم التهاماً وتظهر عبقريته رويداً رويداً حتى يصبح اعظم مخترع عرفته البشرية (توماس الفا اديسون) صاحب اكثر من الف وثلاثمائة اختراع, مخترع المصباح الكهربائي وآلة التصوير السينمائي والراديو والانابيب الالكترونية التي هي دعامة التلفزيون واشعة اكس والمطاط الصناعي ومئات المخترعات التي ينعم بها الجنس البشري اليوم. قالت له ابنته مرة: لقد قمت بالتجربة 120مرة وفشلت فقال لها: بل عرفت 120 طريقة لا توصل للنتيجة المطلوبة. اما مكسيم جوركي اشهر المؤلفين الروس فقد لاقى الامرين في طفولته اذ مات ابوه بالكوليرا وهو في الرابعة من عمره, وكان جده مجنوناً مات منفياً في سيبيريا وتزوجت امه بعد وفاة ابيه من رجل مستهتر أساء معاملته ولم يصفح جوركي عن امه ابداً لهذا الزواج, ثم تشرد بعد وفاة امه وعرف معنى الجوع ومرت عليه ايام كان لا يجد فيها ما يأكله الا بالبحث في صناديق القمامة واعترف في مذكراته انه كان يضطر للسرقة كي يعيش, ومارس كثيراً من الاعمال ليكسب قوته, ولكنه مع ذلك كله كافح في بطولة حتى اقنع احد الناشرين بطبع اول مجموعة قصصية له عام 1898 فلاقت نجاحاً منقطع النظير, ثم طاردته الدولة والقي به في السجن بتهمة اثارة الشغب بكتاباته وتوسط له الكاتب الروسي تولستوي فأفرج عنه, ووسط هذه المعاناة كلها الف قصته الشهيرة (الام) التي اعيد طبعها مئات المرات لتكرمه الدولة بعد ذلك في عيد ميلاده الستين وتطلق اسمه على القرية التي ولد فيها وتمنحه ارفع الاوسمة وتعينه عضواً بأكاديمية الآداب. وهكذا تمضي بنا الحياة في خط بياني لتشكل فيه حالات النجاح والفشل اهراماً معدولة واخرى مقلوبة, اما السهام التي نتلقاها خلال هذه الرحلة فعلينا ان نؤمن انها جزء من اقدارنا وان نتجاوزها تاركين للزمن مهمة تضميد جراحاتها متجهين بأنظارنا الى النصف المملوءة من الكأس غير عابئين بأن هناك نصفاً فارغة, اما الامل فهو النافذة الوحيدة والطاقة التي نبصر من خلالها قوافل النور تحمل الى نفوسنا مشاعل الفرح اذ ما اضيق العيش لولا فسحة الامل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات