EMTC

ابن تاجر الخردوات الذي علّم البرازيليين البرتغالية: انطونيو حويص عاش 83 عاماً مدافعاً عن الثقافة الحقيقية

في السابع من شهر مارس الجاري ودعت مدينة ريودي جانيرو البرازيلية في موكب مهيب, الكاتب والمفكر واللغوي انطونيو حويص, أحد أشهر كتاب البرازيل المعاصرين, الذي توفي عن ثلاثة وثمانين عاما أمضاها في الدراسة والتدريس والأبحاث اللغوية . ولد حويص في ريودي جانيرو عام 1915 لأبوين لبنانيين هاجرا الى البرازيل في بداية القرن هما حبيب أسعد حويص ومالفينا فرج الله اللذين كانا يمتلكان متجرا بسيطا للخردوات يعتاشان من وارداته مع أطفالهما السبعة. وعندما بلغ انطونيو الثانية عشرة مرت البلاد بأزمة اقتصادية خانقة أثرت على العائلة مثلما أثرت على كافة ابناء الشعب البرازيلي, الأمر الذي جعل انطونيو الولد الوحيد بين اخوته القادر على متابعة تحصيله العلمي في المدارس البرازيلية, ثم تابع تحصيله العالي في مجالي الفلسفة واللغة وبرع فيهما, وتمكن في فترة قصيرة, وهو ابن العائلة اللبنانية المهاجرة ان يصبح المرجع الأول في اللغة البرتغالية في البرازيل. في عام 1971 تبوأ حويص عضوية المجمع الادبي البرازيلي, وصرح يومها: (ان أعطي أقل مما استحق من التقدير, أفضل بكثير من المبالغة في تقديري) . وعاش بقية حياته مخلصا لهذا القول, فقد (أعطى البرازيل أكثر مما أخذ منها) هكذا اعترفت جريدة (استادو دي سان باولو) .. كان حويص دبلوماسيا مدافعا عن حقوق الانسان ووزيرا للثقافة, ومترجما لكتاب جيمس جويس (أويسيس) ومشاركا في وضع ثلاث موسوعات هي (لاروس) و(ميرادور) و(الموسوعة البريطانية) , ومؤلفا لأكثر من خمسين كتابا في اللغة والفلسفة والتربية, من أهمها (ايحاءات لسياسة لغوية) ,1960 و(ستة شعراء ومشكلة واحدة) ,1960 و(مبادىء علم الحياة) ,1967 و(شعر واسلوب كارلوس درامونر) ,1968 اضافة الى دراسات عن كونسالفيس دياز, وسيلفيا الفرنيجا وليما باريتو وماشادو دي أسيس, وهؤلاء من أشهر كتاب البرازيل خلال هذا القرن, وبفضل هذه المؤلفات أصبح من الممكن دراسة اللغة والادب البرتغالي بشكل أفضل. وقد ارتكب حويص خطيئة واحدة في حياته, فقد ظل مقتنعا بأنه قادر على انجاز موسوعة لغوية لوحده, تتضمن ادخال أكثر من ألفي كلمة جديدة سنويا في بنك معلومات, ولكنه توفي قبل انجاز هذه المهمة بسبب عدم توفر السيولة المالية, ولكنه ـ وعلى الرغم من ذلك ــ تمكن من تجميع المعلومات ومفردات لغوية جديدة لم يتمكن أكبر كتاب البرازيل ماشادو دي أسيس من جمع عدد مقارب لها. كانت رسالة حويص للشعب البرازيلي من خلال كتبه واضحة, وهي ان الثقافة ليست تجميعا للأفكار والمعلومات, بل هي في تبادل وتفاعل المعلومات والافكار, وكان يرى ان مهمة الثقافة لا تنحصر في تغيير نظرتنا للعالم والواقع, بل يجب ان تتوسع لتساهم في تغيير الواقع المتخلف والسيىء, ومن هذا المنطلق حاول دائما الاجابة على السؤال الذي كان يطرحه باستمرار: * ماذا نعمل في عالم يضم الكثير من الأميين؟ ومن خلال حسه الانساني وانتمائه السياسي باعتباره عضوا في الحزب الاشتراكي البرازيلي, كانت الاجابة تتلخص بالدعوة الى المزيد من العدالة الاجتماعية, ونتيجة قناعاته هذه فقد تعايش حويص مع الجميع, مثقفون وأميون, فقراء وأغنياء, كان يجد نفسه في التعايش الانساني بغض النظر عن الانتماءات الاخرى, لذلك فقد كان يفضل وهو في سن المراهقة رفقة خياط مسن يتحدث معه على الجلوس مع اقرانه في حي كوبا كابانا لتناول كأس من الجعة والثرثرة دون فائدة, ومنذ تلك الأيام عرف بميله الى الحوار وتبادل الافكار واعترافه بضرورة افساح المجال للآخرين لعرض أفكارهم ووجهات نظرهم, لذلك فقد كان يكره ميل الانسان المعاصر الى التخصص, فبقي قدر الامكان بعيدا عن هذه الآفة التي (حولت الانسان المعاصر الى ما يشبه حيوان الخلد الذي لا يعرف ما يجري خارج نطاق جحره ــ اختصاصه) . ثقافة ... لاسياسة في عام 1993 عين انطونيو حويص وزيرا للثقافة في الحكومة الفيدرالية البرازيلية, ومع انه دخل الوزارة كرئيس للحزب الاشتراكي, فإنه لم يتمكن من الاستمرار في منصبه أكثر من أشهر قليلة, لأنه دخل الوزارة بعقلية مثقف لا بعقلية سياسي. وبتعبير آخر, وحسب رأي الأغلبية, فإنه دخل الوزارة بعقلية تفتقد الميل الى المناورات, لذلك رأى البعض ان انسحابه السريع من الوزارة يرجع الى انه ـ كمثقف ــ بقي عاجزا عن التصرف ــ وكاشتراكي ــ بقي عاجزا عن الادارة, لكن الحقيقة لا تكمن في هذا التفسير أو ذاك, فحويص لم يكن مرتاحا لسياسة الحكومة في المجال الثقافي, ولا للموازنة التي رصدتها لوزارة الثقافة وقدرها ثلاثة بالألف من الموازنة العامة للدولة! إذ كان يرى ان هذه الميزانية مضحكة, قياسا لما يرصد للمناحي الأخرى, لذلك فقد انتقد بقسوة الممارسات التي تجعل الثقافة ضحية للمصالح والمناورات والمساومات السياسية. خلال حياته الحافلة عمل حويص دبلوماسيا في وزارة الخارجية البرازيلية بين عامي 1945 ــ ,1964 ولكنه لم يحظ برضى العسكريين البرازيليين, فقد حرموه من حقوقه السياسية خلال فترة حكمهم وكادره بسبب أفكاره الليبرالية. وقد تزوج عام 1942 من روث دي ساليس ودرّس الادب البرتغالي واللغة اللاتينية والبرتغالية بين عامي 1934 ــ ,1945 واشترك كدبلوماسي في لجنة العفو عن السجناء السياسيين في رواندا ودرس اضابير 1220 سجينا من الذين منحوا العفو من قبل هيئة الأمم المتحدة, وكان آخر منصب شغله هو رئاسة المجمع الأدبي البرازيلي عام 1995 حيث كان يبلغ الثمانين من عمره. وجه آخر للمهاجرين انطونيو حويص هو الوجه الآخر لواحد من أبناء المهاجرين العرب الذين وصلوا الى البرازيل في بدايات القرن الحالي بحثا عن الأمان والعيش الكريم, أقول: الوجه الآخر.. لأننا اعتدنا الحديث عن المهاجرين وأبنائهم من جهة واحدة, جهة الثروة والأموال التي جمعها ويجمعها المهاجرون العرب في بلاد المهجر دون ان نبحث أو نتحدث عن مساهمات هؤلاء في مجالات الادب والفن والابداع, صحيح اننا عرفنا جبران ونعيمة والقروي وفرحات, لكن ثمة أدبا عربيا آخر كتب بلغة اخرى ورفد بحار الابداع في الغرب, وجرى في اناقة ليساهم في صوغ ملحمة جديدة في الجانب الآخر من الأرض في الوجه الآخر للانسان! انطونيو حويص أحد هؤلاء العرب الذين تشربوا بالدم, ثقافة عربية أصيلة ليعيدوا انتاجها في أوطانهم الجديدة ابداعات اصيلة ايضا صيغت بلغات جديدة لشعوب جديدة تشاركنا في الهم الانساني المعاش. قالوا عنه.. * الرئيس البرازيلي فرناندو هنريكي كاردوزو: (كان انطونيو حويص مفكرا, قاتل في سبيل برازيل أكثر عدالة وتضامنا, ووقف حياته لدراسة اللغة البرتغالية, ودافع ــ كوزير للثقافة ــ عن حق الجميع في الوصول الى المعرفة, وبموته خسرت البرازيل واحدا من أشهر وأفضل أبنائها) . * أنطونيو كانديدو ــ كاتب: (لقد ترك انطونيو حويص بصماته في مختلف قطاعات الثقافة, مما يدل على طبيعته المرنة واللامعة والمثابرة, وكانت له مقدرة نادرة على العمل, وكان شجاعا وملتزما, لم يخف يوما عقائده في الوقت الذي كان من الصعب البوح بها, وعندما عاقبه العسكريون كان مثالا نادرا للمثقف الذي يعرف كيف يقوم بواجبه) . * ليجيا فاجونديس تيليس ــ كاتبة: (موته خسارة كبيرة, فهو أكثر انسان عرفته مغرما باللغة البرتغالية, وكان يعتبرها من أكثر اللغات غنى) . * ترسيسيو باويليلا ـ كاتب: (جمع الاستاذ الراحل بين ثقافة عميقة وحب قوي لبلده البرازيل, وبنى اسما من أشهر الأسماء وأكثرها تقديرا واحتراما في بلاده) . ريودي جانيرو ــ تميم دعبول

طباعة Email
تعليقات

تعليقات