EMTC

استراحة البيان: يسقط (زاباتا) يكتبها اليوم: محفوظ عبدالرحمن

كما ان الفيديو هو جنون العصر, كانت السينما جنون عصرنا ولقد عرفت السينما لاول مرة عندما دخلت المدرسة الابتدائية ورأيت شاشة السينما الصيفية من سطوح بيت بعض المعارف ثم دخلت السينما لا أذكر مع من ولاكيف , لأشاهد فيلم (ليلى) ولقد شاهدته مرات فيما بعد لاعرف ان بطله هو حسين صدقي وكان نجم الاربعينات والخمسينات وكان يمثل دائما دور الشاب ذا الاخلاق الحميدة وكان يعشق اللون البنفسجي (الليلكي) ولذلك كان يختار كل شيء حوله بهذا اللون وحتى بيته في حي المعادي الذي كان سكنا للاغنياء طلاه بهذا اللون. ولم يكن حسين صدقي ممثلا بارعا لكنه كان نجما محبوبا ولذلك ما أن أتى انور وجدي الذي شاركه بطولة أهم أفلامه واهم افلام السينما المصرية (العزيمة) حتى ازاحه عن عرشه مع الاجيال التي تلت خاصة شكري سرحان وكمال الشناوي وعماد حمدي ويحيى شاهين. وعرفت فيما بعد ان هذه الفتاة الجميلة التي جعلتني ابكي ولا اعرف لبكائي سببا هي ليلى مراد التي كانت سندريلا الشاشة حتى فيلمها الكبير (شاطىء الغرام) . وبعد ذلك قرأت رواية (غادة الكاميليا) لالكسندر ديماس الابن وعرفت ان قصة الفيلم مقتبسة عن القصة الفرنسية وبالطبع لم يكن فيلمه (ليلى) عندما عرفته حديثا, اذ ان الافلام كانت تعرض عرضها الاول في العاصمة ثم تصدر الى الاقاليم بعد ذلك بوقت طويل وكان الفيلم يعاد مرات ومرات. المهم انني وقعت في حب السينما وكانت تلك مرحلة الصبابة الاولى اما المرحلة الثانية فقد كانت بعد ذلك بسنوات قليلة, عندما احببت (الحلقات) التي كانت تعرض قبل الافلام وفيها يقوم البطل بأعمال بطولية لثلث ساعة تنتهي بوضعه في مأزق لاخلاص منه كأن يقع في بئر او تسقط عليه صخرة او يدخل في ثلاجة... الخ, وعلينا ان ننتظر الى الاسبوع التالي حتى نرى كيف ينجو ومن يعرف اولا يتميز على اصدقائه. وكانت كل دور السينما تغير برنامجها يوم الاثنين الا هذه السينما فكانت تفعل ذلك يوم الجمعة, ولما كانت مدرستي آنئذ اجازتها الاحد كان هذا يعني حرماني من السبق الى حفلة العاشرة صباحا ورؤية الحلقة في اول عرض لها. لكنني لم اقبل الهزيمة فكنت أهرب من المدرسة لاشاهد حفلة العاشرة صباحا يوم الجمعة واتمنى الا يقرأ ان من اطفال العائلة هذا الكلام فيعرفون ان كبيرهم كان يهرب من المدرسة. والكارثة التي لم اكتشفها الا فيما بعد ان درس الجغرافيا الوحيد في الاسبوع كان يوم الجمعة ولذلك عندما حضرت الامتحان لم تكن الازمة في انني بلا معلومات في الجغرافيا, بل في انني لم اكن افهم معنى هذه الكلمة! وفترة العشق التالية كانت عندما دخلت الجامعة فها انا في العاصمة حيث عشرات وعشرات من دور السينما بعد ان كنت محصورا امام دار واحدة تعسة تعرض افلاما قديمة هنا الافلام الجديدة والقديمة ودور السينما الراقية والسيئة. ووضعت خطة لمشاهدة كل دور السينما في القاهرة وكان شريكي في خطتي عبدالله القويري الذي صار كاتبا مشهورا فيما بعد, ووزيرا في ليبيا بعد ثورة الفاتح. ولو اننا فكرنا في وضع كتاب عن دور السينما في ذلك الوقت لكان كتابا طريفا وايضا وثائقيا لعل الاجيال التالية: اي انتم تعرف كيف تتطور الحياة, مثلا كان الى جانب دور السينما الفخمة دور فقيرة تغري المشاهد بكل الطرق الى حد ان احداها كانت تضيف الى مشاهدة فيلمين (سندوتش) مقابل نفس البطاقة. وكان هذا إغراء كبيرا, لكنه لم يستمر طويلا, إذ كانت هذه السينما ــ ربما بالصدفة ــ مركزا للقاء بعض محترفي الإجرام, ولذلك كانت الشرطة تقف على باب الخروج وتقبض على كل الخارجين, ثم تفرزهم بعد ذلك. ولقد ترددت في الذهاب الى هذه السينما, ولكنني تجرأت ذات مرة وذهبت مع صديق هو الان من كبار نقاد المسرح وفعلا أمسكت بنا الشرطة ونحن خارجون, ووضعونا في السيارة التي كانت تسمى آنئذ (البوكس) , ولكن أحد الضباط لمحنا فسألنا عن مهنتنا فلما عرف أننا طالبان في كلية الأداب, أطلق سراحنا بعد أن حذرنا من دخول هذه السينما. ولم أدرك التناقض فيما قاله إلا فيما بعد, إذ كيف توافق الحكومة على فتح دار سينما, ثم يحذر رجالها المواطنين من دخولها. وانتهت تلك الفترة لتبدأ مرحلة عشق أخرى في أواخر الستينات قائمة على نضج أكبر. فلقد شاركت في إصدار مجلة سينمائية راقية, ربما كانت فريدة في نوعها, وكان يرأس مجلس إدارتها الدكتورة سهير القلماوي ويرأس تحريرها سعد الدين وهبة, وكنت سكرتير تحريرها. في تلك الفترة لم يكن هناك فيلم لم أره, ولا ممثل لا أعرفه, وأعرف أعماله. ولكن بعدها تغيرت الخريطة تماما فكثر عدد الممثلين والمخرجين والافلام, وتوارى نجومي المحبوبون, واختفت السينما من حياتي ومن حياة معظم الناس ليسود الفيديو ويسيطر على مشاعر الناس, وبعد أن كنت أتابع مهرجان الأوسكار بشغف شديد, بل وأتنبأ أحيانا بنتائجه, لم يعد يشغلني متى كان أوسكار هذا العام وحيث فاز بجائزته التقديرية المخرج إيليا كازان, فأسرعت أبحث في المحطات الفضائية عن حفل الختام, لعلي أحظى بصورة أحد نجومي القدامى. وأذكر في احدى مراحل العشق السابقة أنني كنت أمتحن يوما بعد يوم في الجامعة, فكنت أذهب الى فيلم (يحيا زاباتا) في اليوم الذي ليس فيه اختبار. فلقد أذهلني هذا الفيلم الجميل الذي يقدم (زاباتا) أحد ثوار أمريكا اللاتينية, ومثل دوره مارلون براندو في مقتبل عمره, ويحكي كيف استطاع هذا الشاب الفقير أن يستولى على السلطة, ويصبح قائدا لبلده لكنه ذات يوم يكتشف أنه يتصرف مثل الحكام الذين ثار عليهم, فيثور على نفسه, ويحمل السلاح ليحارب أعداء الثورة وأنصارها الذين يخونونها فتكون النتيجة خيانة الجميع له, ويلقى مصرعه, لكن فرسه يهرب في الجبال ليصنع أسطورة البطل الهائم في الجبال. ولم أكن أعرف إلا فيما بعد ان المخرج الثوري كان يبيع الثورة في نفس الوقت الذي كنت أشاهد فيه (يحيا زاباتا) , و(ذئاب الميناء) وغيرها من أفلامه الثورية, فلقد طغى السناتور مكارثي وأثار حربا على كل الأفكار التقدمية تحت شعار محاربة الشيوعية. وكان من نتائح المكارثية تهويد كثير من الكتاب والمخرجين والممثلين ومنع بعض من العمل ونفى بعضهم مثل أعظم نجوم السينما: شارلي شابلن, وضغطت لجان التحقيق على الفنانين ليشهدوا على زملائهم, ورفض معظمهم الضغوط وسقط بعضهم, وكان ممن سقطوا (إيليا كازان) ولذلك عندما صعد الى منصة الأوسكار ليحصل على جائزة الجوائز امتنع الكثيرون عن التصفيق له, وأصدر بعضهم أصوات استنكار. وأحسست أن قلبي يعتصر, هاهو رجل قد يكون أعظم سينمائي على قيد الحياة, يتلقى أكبر جائزة فنية, ومع ذلك يحس بالخزي في لحظات مجده. من قال أن الإبداع منفصل عن الأخلاق؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات