ما بين الشك واختلاف وجهات النظر: لماذا يقبل الغرب على ترجمة أدبنا العربي

في الوطن العربي لوثة اسمها الترجمة (المجانية) , ليس المهم ماذا نترجم أو لمن نترجم أو نتوجه بالترجمة, طالما ان بعض أدبائنا ومثقفينا لاهثون وراء الظهور بلغات أجنبية . في الماضي كان أبو حيان التوحيدي يرى ان الترجمة نشاط يعرب عن الصراع بين ثقافتين متمايزتين, ولهذا كتب تقريرا صحفيا (بلغة هذه الأيام) رصد فيه وقائع حوارية طريفة وممتعة تضمنها كتابه المعروف بـ (المقابسات) , وكان (السيرافي) بطل هذه الحوارية متمكنا من الأدب العربي, إلى الحد الذي أتاح له فرصة هزيمة (القنائي) المترجم الذي نقل بعض كتب تراث اليونان الفلسفي إلى العربية. أما اليوم فنشهد حركة ترجمة معاكسة من العربية إلى الانجليزية والفرنسية والاسبانية وغيرها, بعض ملامح هذه الحركة ايجابي يستهدف تقديم كتب مترجمة عن العربية قادرة على ان تجد القارئ الذي يتابعها ويطالعها, إلا ان تضخم هذه الظاهرة من حيث الكم على حساب النوع, يهدد بتحويل الترجمة إلى فعالية حيادية أشبه بنقل دليل الهاتف أو كتاب فن الطبخ من لغة إلى أخرى, فضلا عن الفوضى التي تتسم بها ساحة الترجمة, دون ان يدرك القائمون على هذا الأمر والمشاركون فيه ان الترجمة أداة خطيرة وعملية شديدة الحساسية بين الشعوب. ترى ماذا يجري للابداع العربي في الخارج, ولماذا يلهث بعض مبدعينا وراء الظهور بلغات أجنبية, وأي القضايا يهتم بها الأخر ويقبل عليها؟ ترجمات مشبوهة الروائي خيري شلبي يؤكد انه باستثناء الترجمات التي تمت لأعمال نجيب محفوظ, فإن ترجمات الابداعات المصرية في الخارج مشوهة, ويقول: رغم ترجمة بعض رواياتي مثل (الأوباش والوتر) , والمنحنى الخطر, وصاحب السعادة اللص) إلى الانجليزية والكورية والاردية والعبرية, إلا أنها ترجمت في مناخ آخر بمعنى أنه ترجمها معنيون بدراسة الأدب العربي دراسة جمالية اكاديمية, ومع ذلك فإنني أعتبر كل الترجمات التي تتم الآن لمبدعين مصريين, إنما هي ترجمات مشبوهة وغير مشرفة على الاطلاق, فهي لا تترجم لقيمتها الأدبية, وإنما لأنها تؤيد وجهة نظر الغرب في العقلية العربية والشخصية المصرية, وهي وجهة نظر عدائية غير منصفة, ولذلك فإن اختياراتهم للأعمال تعتبر اختيارات منقوصة وغير منصفة, فمجرد نظرة فاحصة للمترجمات في هذا المضمار تؤكد أنها تقدم صورة شائهة للمجتمعات العربية, وتبرز مناحي التخلف في هذه المجتمعات, خاصة وان كتاب هذه الروايات يفتقرون إلى فلسفة فن الكتابة, ولأنهم في معظمهم نتاج تيارات فكرية فوضوية عبثية مادية, فإنه يصعب ان نجد في أعمالهم ما يسمى بالرؤية الفنية المدروسة وإنما نجد ولعا بالتصوير الفوتوغرافي للبيئات المغرقة في الشعبية دون خلفية تحليلية واعية لهذه البيئات الشعبية دون دراسة حقيقية لقيمها وتراكيبها الاجتماعية, كما نجد ولعا بالشذوذ الجنسي المفرط, وتصوير النماذج الشاذة المريضة بوهم التحرر في التعبير وهو ما يعكس قصورا في فهم رسالة الأدب وفي أساليب معالجة الموضوعات خاصة ما كان منها حساسا. ومن ناحية أخرى يرى خيري شلبي ان هناك قصورا في الترجمة من جانب مؤسسات الدولة, ويطالب بضرورة تدخل الدولة تدخلا ايجابيا عادلا أمينا من خلال المجلس الأعلى للثقافة بلجانه المتعددة وحينئذ يمكننا القول بأن الأدب العربي يجد مكانه تحت الشمس. ترجمة القهر والانسحاق ويتفق الناقد فاروق عبد القادر مع خيري شلبي ويوضح بأن الذي يقوم بترجمات عربية إلى اللغة الألمانية ـ على سبيل المثال ــ معنى بالدرجة الأولى بتقديمها للقارئ الألماني, وهو في العادة يريد تقديم ما يرضي فضوله, وفي العادة هم غربيون, وهم الذين يتولون نشرها, وبالتالي فإنني أشك في تقييمهم للأدب المعاصر وانهم يختارون أفضل ما فيه لأنهم يضعون في اعتبارهم تحيزات القارئ الغربي ورؤيته للعوالم الأخرى, ولذلك نجدهم يرحبون بأي أعمال تؤكد قهر المرأة بحكم العادات والتقاليد وغير ذلك من القضايا, وينطبق ذلك أيضا على نجيب محفوظ, فأعماله لم تترجم بكثافة إلا بعد حصوله على جائزة نوبل, لأن هذه الجائزة أعطت له اعترافا عالميا. ويشير فاروق عبد القادر إلى ان نظرة وفكرة الغرب عن المجتمعات الشرقية تكاد تنحصر في (ألف ليلة وليلة) , ومن ثم فهم يبحثون عن الأعمال التي تجسد انسحاق العالم الثالث ومعاناة أفراده, ولهذا نجد أعمال نوال السعداوي ــ التي ترجمت لأكثر من لغة ـ تلقى قبولا كبيرا في الغرب لانها تعبر عن مشكلات المرأة العربية وتلخصها في الختان والاغتصاب. في حين ان الابداعات التي تؤكد على رؤية أخرى للواقع لا تلقى أدنى اهتمام في الغرب , ولا يهتم بها سوى المبدعين والنقاد والدارسين, فأدبنا لن يكون عالميا حين يترجم, ولكنه سيكون عالميا عندما يعبر عنا نحن أولا ويكشفه واقعنا وأحلامنا. نحن أكثر موضوعية الشاعر رفعت سلام يتفق مع هذه الرؤية أيضا ويقول ان قضية الترجمة شديدة التعقيد خاصة وان الغرب لم يقبل على ترجمة الأدب العربي, إلا بعد حصول نجيب محفوظ على نوبل ويضيف: في مقابل ذلك فنحن أكثر موضوعية لاننا نترجم لأهم الشعراء في الغرب مثل بودلير ورامبو وبريخت وجورج مور وكفافيس وشكسبير وغيرهم. والفرق هنا ــ وكما يوضحه رفعت سلام ــ انه لا توجد لدينا وجهة نظر مشوهة عن الغرب, وان كنا نواجه قصورا في الامكانات المادية تجعل معرفتنا بالادب الاوروبي تقف عند حدود فترة الستينات. غياب النقد أما الروائي محمد البساطي فيرى أن ترجمة الادب العربي الى اللغات الأجنبية لا ترقى للمستوى الذي نأمل تحقيق الانتشار له رغم وجود أعمال ابداعية أكثر أهمية. ويختلف البساطي مع الآراء السابقة ويقول: في البداية كان هناك اقبال على الأعمال التي تركز على سلوك الشرق وخصائصه, ولكن الغرب تحول بعد ذلك للأعمال التي تحمل قيمه فنية بذاتها. والمشكلة الحقيقية أن هذه الترجمات لاتواكبها حركة نقدية واعية, وذلك لانه لم يتكون حتى الان كادر نقدي إلى جانب الكادر الابداعي لقلة المجلات التي تهتم بالادب. ويخلص للقول بأن الغرب اتجه الى ترجمة الاعمال العربية الابداعية المتميزة والتي يسعى من خلالها لمعرفة مستوى الابداع والفكر العربي, فتراهم يترجمون لبهاء طاهر, وصنع الله ابراهيم وأمين معلوف ومحمود درويش كما ترجموا لي عدة قصص منها (كوب الشاي الأخير, بيوت وراء الأشجار) , وغيرهما. أحكام مسبقة الروائية السورية حميده نعنع التي تعيش حاليا في باريس تقول: من خلال اقامتي في الغرب ادركت ان هناك فروقا حضارية هائلة, وهناك أحكام مسبقة ذات بعد تاريخي وحضاري وسياسي. هذا الى حد كبير يحكم الاعمال الأدبية التي تترجم الى اللغات الأجنبية, لا أريد أن أقول عنصرية الغرب, ولكن هناك نظرة للعرب مازالت تساندها الكثير من الأحكام المسبقة والتي بدأت منذ العصور الوسطى وحتى الان. واعتقد ــ تقول نعنع ــ انه عندما تترجم أعمال الى حضارة أخرى يجب أن يكون وراء هذا الادب المترجم حضارة ايضا كبيرة تسانده مثل الموسيقى والرسم, وللأسف الشديد هذا غير متوفر في المرحلة الحالية في الحضارة العربية, وبالتالي فالعمل الادبي الذي يترجم للغات أخرى يبدو عاريا ليس له سند حضاري. من ناحية أخرى ــ تقول الأديبة ــ هناك اعداد كبيرة من المترجمين الذين يبحثون فقط عن كل ماهو مثير وغرائزي في أعمالنا, بمعنى انه يقوم بترجمة أعمال الكاتبات اللواتي يتحدثن عن ظلم المرأة في المجتمع العربي, وعن الطلاق وتعدد الزوجات, لان القارىء الغربي لديه أحكام مسبقة عن المجتمع الشرقي بأنه مجتمع متخلف واقطاعي.. الخ وعندما يصل الى عمل يؤكد قناعته يجد رواجا بعكس الأعمال الادبية ذات الطبيعة الفنية الجيدة فهي لاتجد من يقرؤها, ولقد قمت بترجمة عدد كبير من انتاجي الى عدة لغات أجنبية ولكن الكاتب الغربي لم يجد في كتاباتي ما يريده وما يبحث عنه في صورة الشرق, فأنا أكتب عن معاناة الانسان العربي من الهجرة والديكتاتورية ومن الغرب نفسه وهذا ما لا يريده. الترجمة هي الأساس أما المستشرق الأمريكي روجر الن استاذ الادب العربي بجامعة بنسلفانيا فيرى الترجمة هى العملية الأولى التي تتيح للادب العربي اقتحام السوق العالمية ويضيف بأنه يسعى من خلال ترجماته بالوصول بالادب العربي الى القارىء الأجنبي ويشير الى أن الادب العربي المعاصر لم يستطع أن يثبت وجوده على الساحة الأدبية الغربية, وانه لابد من ادخال الادب العربي الى المكتبات والمدارس والجامعات فإذا أخذنا أشهر المؤلفين على مستوى العالم في الثقافة الفرنسية والالمانية واليابانية وغيرهم نجدهم موجودين في انثربولوجيات وفي المجموعات الأدبية المستعملة بالمدارس والجامعات, لكن الادب العربي غير موجودين على هذه المستويات لأسباب ثقافية معروفة من العصور الوسطى. وإذا بحثنا عن نصوص الادب العربي نجد الموجود منها حاليا في المكتبات هي حكايات الف ليلة وليلة. أما الادب المعاصر للعالم العربي فلا أثر له في أي مكتبة واعتقد أن هذه القضية تحتاج إلى اهتمام ثقافي عربي. إهتمام كبير في حين يرى الدكتور رجائي مقار الباحث المصري ومدير مكتبة الشرق الأوسط بالولايات المتحدة الأمريكية ان دراسة الأدب العربي المترجم تلقى اهتماما كبيرا في الغرب ولم تعد مقصورة على الأدباء فقط, بل هي موضع اهتمام علماء الاجتماع والانثروبولوجيا ودراسات المرأة. ويؤكد مقار في دراسة قدمها لمكتبة القاهرة الكبرى ان اهتمام الغرب المتزايد بترجمة الأدب العربي ترجع لعدة عوامل منها: زيادة الاهتمام بالأدب العربي بشكل عام ككتلة ثقافية متميزة منذ أوائل السبعينات عقب أزمة البترول, وكذلك تطور واتساع دراسات وبرامج الشرق الأوسط في الجامعات الغربية, وزيادة عدد العاملين من أصل عربي في هذا المجال.. وأيضا زيادة وسائل الاتصال وتطورها كقنوات ثقافية بين الشعوب. ويقول انه من الملاحظ انه حتى عام 1972 لم يتجاوز عدد الروايات المترجمة إلى الانجليزية 12 رواية و100 قصة قصيرة. أما الآن فهناك مئات الروايات وآلاف القصائد المترجمة لمبدعين عرب. وحول اقبال المترجم الغربي على الأدب العربي يقول مدير مكتبة الشرق الأوسط انها صفة العالمية, وقد سار الأدب العربي الحديث في هذا الطريق منذ طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وغيرهم على المستوى العربي حتى تحققت له العالمية تماما بحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل.. مشيرا إلى انه لا خطر من اتساع الترجمات أيا كان نوعها, فالعالم الآن أصبح قرية صغيرة مفتوحة تماما. تحقيق: أحمد سيد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات