قرن على ميلاد رائد الكاريكاتير المصري: الأرميني(صاروخان)رصيده عشرون ألف رسمة وانحيازه للبسطاء

الصدفة السعيدة وحدها هي التي جاءت بالفنان الأرميني (الكسندر صاروخانيان) الى مصر عام ,1924 حيث قابل اثناء دراسته بمعهد الفنون الجرافيكية في فيينا المثقف المصري الثري عبد القادر الشناوي الذي أدرك موهبة صاروخان المذهلة في الرسم , فاتفق معا ان يأتي الى القاهرة ليتولى صارخاون امداد المجلة التي ينوي عبد القادر إصدارها بالرسوم اللازمة. ولد صاروخان (في القاهرة اختصر اسمه الطويل صاروخانيان ليصير ذلك الاسم الشائع) في أول اكتوبر عام 1898 ببلدة أردانوش في أقصى شمال شرق تركيا لأب متوسط الحال يعمل تاجرا للأقمشة, ونظرا لانشغاله بالرسم منذ الصغر, فقد أصدر صاروخان مع أخيه الأصغر (ليفون) جريدة أسبوعية منزلية من أربع صفحات (من عام 1910 حتى عام 1912) تولى ليفون تحريرها كلها, أما صاروخان فكان يقوم برسم الصور الكاريكاتيرية! ومع مجيء الحرب العالمية الأولى عام ,1914 عانى العالم كله من أهوالها الفظيعة, فالأرمن الأتراك ــ الذي ينتمي اليهم صاروخان ــ تم تشريدهم (2.3 مليون) بالاضافة الى قتل 1.5 مليون آخرين, لذا وجد صاروخان نفسه مع أخيه وقلة من الطلاب والمعلمين الأرمن محبوسين داخل مدرسة الآباء المخيطاريين التي ترفع العلم النمساوي لمدة ثلاثة أعوام كاملة حتى انتهاء الحرب. ومنذ عام 1918 عمل صاروخان مترجما للغات الروسية والتركية والانجليزية بالجيش البريطاني, واستمر على ذلك حتى عام ,1921 وكان اثناء هذه الفترة يسعى لنشر رسومه الكاريكاتيرية في احدى الجرائد والمجلات الأرمينية, وما ان جاء عام 1922 وتحت ضغط الأحداث والاضطرابات السياسية الحادة التي شهدتها تركيا حتى قدر صاروخان ان يرحل الى النمسا ليلتحق بمعهد الفنون الجرافيكية بفيينا وفي فترة تقل عن عامين تمكن صاروخان من انجاز ما قد ينجزه آخرون من طلبة الفن خلال أربعة الى خمسة أعوام من الدراسة الاكاديمية المتواصلة, وهكذا تمكن من تعويض السنوات التي ضاعت من عمره سابقا. في فيينا التقى صاروخان مع المثقف المصري عبد القادر الشناوي الذي كان مولعا بالصحافة, وقد ذهب الى فيينا ليدرس فنون الطباعة, لانه يخطط لإنشاء مطبعة وإصدار جريدة أو مجلة فكاهية ساخرة بمصر, وكانت طموحات عبد القادر مؤسسة على ثروة جده التي كان يتصور انه سيرثها بعد وفاة الأخير, عموما تم الاتفاق في فيينا على أن يأتي صاروخان الى مصر ليرسم في المجلة المزعومة التي لم يصدر منها أي عدد على الإطلاق! عندما جاء صاروخان الى مصر عام 1924 عانى من قلة العمل حتى اضطر ان يلتحق بورشة للزنكوغراف يملكها أرميني, وبدأ يلهث من أجل نشر رسومه في بعض المجلات الأرمينية التي كانت تصدر في القاهرة, وفي عام 1926 قدر ان يقيم معرضاً لأعماله الفنية التي ضمت حوالي 90 لوحة مرسومة لشخصيات أرمينية شهيرة في مصر, وقد لفت هذا المعرض انتباه الأوساط الفنية والصحافية في مصر, مما دفع الكاتب الصحفي الراحل محمد التابعي رئيس تحرير روز اليوسف آنذاك الى اصطياد هذا الفنان صاحب الموهبة المتألقة, ليكون رسام المجلة الأول. وهكذا, التحق صاروخان بروزا اليوسف عام 1927 وظل يمدها بالرسوم الكاريكاتيرية التي تفضح مؤامرات أحزاب الأقلية وتخاذل السرايا وتندد بالاحتلال الانجليزية البغيض, وفي فترة قصيرة تعلم الرجل لغة أهل البلاد, وانحاز الى البسطاء, وأصبح وفدي الهوى. في عام 1934 ترك التابعي مجلة روز اليوسف, اثر خلاف حاد مع صاحبتها وقام بتأسيس مجلة (آخر ساعة) وبالطبع كان صاروخان هو نجم المجلة الجديدة بعد ان رسخ اسلوبه الكاريكاتيري الذي أصبح يعتمد على قوة الحظ, والتقاط الملامح الشخصية المميزة لوجوه المشاهير, علاوة على ابتكاره لشخصية (المصري أفندي) كتلخيص للشعب المصري كله, وقد كان صاروخان موفقا, عندما رسم (المصري) مرتديا نظارة دلالة على كونه مثقفا, ويمسك بيده مسبحة رمزا لحسه الديني فضلا عن ابتسامته الدائمة التي تعبر عن خفة ظل الشعب المصري. يعتبر عام 1946 عاما حاسما في حياة (صاروخان) حيث التحق بمؤسسة (أخبار اليوم) اثر افلاس (آخر ساعة) التي اشتراها مصطفى وعلي أمين ليلحقاها بمؤسستهما, ومن يومها لا يمكن ان تصدر جريدة الأخبار دون أن تزينها رسوم صاروخان. ومع مجيء ثورة يوليو 1952 انحاز صاروخان الى مبادئها الداعية للتحرر الوطني والقومية العربية واحتفى بقيادتها من خلال رسومه الكاريكاتيرية المتعددة. لم يترك صاروخان مجالا من مجالات التعبير, إلا وساهم فيه بنصيب وافر, ففي مجال الكاريكاتير السياسي أصدر صاروخان عام 1945 كتاباً بعنوان (هذه الحرب) قدم فيه رأيه الساخر واداناته الصريحة لويلات الحرب العالمية الثانية من خلال رسومه البديعة, خذ عندك مثلاً اللوحة التي رسمها وصور فيها (ستالين) الزعيم السوفييتي آنذاك, و(تشرشل) رئيس الوزراء البريطاني وبينهما يحترق الديكتاتور النازي هتلر مشعل الحرب بالنيران الصادرة من (بايب) الأول وسيجار الثاني. لاحظ هذه الدقة في التقاط الملامح وتحويرها لتلائم الحالة العامة للشخصية, دون ان يخل بالأسس السليمة لانضباط النسب التشريحية لوجه الانسان, كذلك جاء الوضع الذي رسم فيه الديكتاتور النازي معبراً تماماً عن حالة الذعر التي انتابت هتلر, وضآلة جسمه بعد ان هزمه تحالف ستالين وتشرشل. وفي مجال فن البورتريه, رسم صاروخان مئات الشخصيات الشهيرة في كل المجالات, فالبورتريه الذي رسمه لسيدة الغناء العربي أم كلثوم, يثبت براعة هذا الفنان في الإمساك بأدق ملامح الشخصية من خلال خطوط قوية جريئة, لينة أحياناً وحادة أحياناً أخرى, تبرز بشكل ساخر, علاقات أعضاء الوجه مع بعضها, وفي هذا العمل لم ينس صاروخان ان يرسم المنديل الذي كانت تمسك به أم كلثوم دائما عندما كانت تشرع في الشدو أمام الجمهور. يقول (هرانت كشيلشيان) مؤلف الكتاب الذي أصدرته جمعية القاهرة الخيرية الأرمينية والتي قامت بتنظيم معرض لصاروخان في بهو مؤسسة الأهرام بمناسبة مرور قرن على ميلاده: (ان أقل تقدير لعدد اللوحات التي أبدعها صاروخان يصل الى 20 ألف لوحة) . هذا, وقد قدرت الدولة المصرية الفنان الأرميني ومنحته الجنسية عام ,1955 وفي أول يناير عام 1977 رحل صاروخان عن عالمنا, بعد ان امتع مئات الآلاف من الناس يوميا برسومه الكاريكاتيرية الناصعة, في الوقت الذي لا يحظى فيه أهم فنان تشكيلي الآن بأكثر من مائة زائر لرؤية أعماله. القاهرة - (البيان) ناصر عراق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات