دريد لحام في حوار لـ (البيان): لنقلة جاءت بعد الهزيمة واطرح قضايا الوطن من المحيط الى الخليج

لايزال دريد لحام هو الاسم الاول في عالم الفن بسوريا, قدم خلال مسيرته اعمالا مختلفة وبمستويات مختلفة واستطاع بذكاء نادر ان يجاري طموحات كل مرحلة عاشها فعندما كان الضحك بأبسط مفاهيمه سائدا قدم (دريد) مجموعة من الاعمال الطريفة التي صارت تراثا للكوميديا العربية وابتدع شخصية عرف بها مختلف بلدان الوطن العربي هي شخصية (غوار) ثم انتقل ليكون صوتا للمواطن العربي المطحون ومعبرا عن قضاياه وهمومه دون ان ينسى الهموم العامة والعريفة للعرب. في حواره لـ (البيان) يتحدث عن تجربته السينمائية وعن علاقة النجم بالسلطة وقدرته المتجددة على الحلم. كيف تكونت نجومية دريد لحام؟ ــ نبعت نجوميتي من البيئة, فعندما بدأ الارسال التلفزيوني عام 1960 قدمت شخصية اقرب الى الاسبانيين واسميت نفسي (كارلوس ميرندا) ولم يحبني الناس وجلست افكر كيف اترك التدريس بالجامعة وشهاداتي في العلوم واتفرغ للفن ثم افشل وكانت الصدمة كبيرة ولكن لم استغرق وقتا طويلا لانني اكتشفت ان الناس يتعاطفون مع تراثهم وفنونهم واهتديت الى شخصية من البيئة الشعبية واسميتها (غوار الطوشي) تتميز بالملابس القديمة الموجودة في الذاكرة العربية ومن هنا انطلقت الشخصية وبعد ذلك اعتبرت ان النص هو الاهم وان العمل الفني ترجمة لنبض الشارع. بعض الفنانين يقولون ان الشهرة الفنية في سوريا تنحصر في الذهاب الى مصر او العمل مع دريد لحام.. فما تعليقك؟ ــ اعتقد ان الجزء الثاني من السؤال فيه مبالغة كبيرة لان من يملك الموهبة والحضور سيجد الطريق سواء عبر الشقيقة مصراو عبر اخلاصه على الاقل في عمله وليس بالضرورة ان اكون الطرف الثالث في هذا الموضوع. هل هذا نوع من نكران الذات...؟ ــ الحقيقة ان الممثل الذي يعمل معي يشاركني حالة العمل بحماس واحاول ايجاد الدور الملائم للشخصية التي سيؤديها سواء بتكوين الشخصية او اختيار ملابسها او سلوكها وتصرفاتها والمهم فريق العمل المجسد للهارمونيا وتوافق الآداء حتى يشعر المشاهد بصدق الاحساس. هذه (الهارمونيا) هل تتطلب منك عملية النصح المباشر لمن يعمل معك؟ ــ اعتقد ان اهم شيء انه لا مستحيل على الكرة الارضية فهناك اشياء سهلة واخرى صعبة ولكن لايوجد مستحيل وغياب التصميم والارادة يجعل من المستحيل اسطورة والمهم ان يؤمن الانسان ويحسب الشيء الذي يعمله والا يكون عمله بالفن فرصة لانه لم يجد عملا اخر, فمن يحب الفن يتعلم من كل شيء ويتقبل النصح. نبض الشارع تحدثت عن اختيارك الممثل المناسب للشخصية المناسبة, فهل يعني ذلك تدخلك في عمل من يكتبون لك؟! ــ من خلال تجربتي مع العديد من المؤلفين مثل المرحوم (نهاد قلعي) ومحمد الماغوط لم احاول ابدا ان اكون مؤلفا لحدوته او اخترع قصة ولكني احاول مع الكتاب ان نأخذ بنبض الشارع واحاسيس حسن الناس ونحولها الى (مشهدية) التلفزيون او المسرح او السينما حتى تتطابق مع حس الناس وهذا هو السبب في ان اعمالي منتشرة, وعموما فإن الفن اما ان تتفرج عليه واما ان تتفاعل معه وفني ليس للفرجة انما للتفاعل. يشكو الكثير من فناني سوريا من وجود الشللية التي تسيطر على الساحة الفنية, فأين انت من هذه الشللية؟ ــ موضوع الشللية موجود في كل مكان فعندما يكون عندي عمل فني فإنني افضل التعاون مع ممثل صديق اقل موهبة موهبة من ممثل غير صديق وذلك لضرورة وجود الحد الادنى من علاقة المحبة والاقناع المشترك بين الممثل والممثل الاخر واذا اتيت بأفضل موهبتين ولكن ليس بينهما احترام او اقتناع فسوف يفشلون في الآداء تماما مثل المخرج الذي يتعاون مع ممثل يكرهه وغير مقتنع به وبالتالي فالعلاقة المشتركة حتي لو كانت صغيرة بين فريق العمل فهي مهمة وتفرض نوعا من الشللية. انت تتحدث عن فريق عمل, ولكني اقصد ان اللشلية تعني تبادل المنفعة؟ ــ انني لا اقول مسألة تبادل المنفعة اطلاقا, فلايمكن ان اعمل مع ممثل حتى ينتفع مني ثم اعود وانتفع منه ولكن اتعامل معه لانه صديق ولانني افضل في فريق العمل وجود الحالة العائلية والاسرية العمل الفني عمل جماعي وليس فرديا. احيانا يتساءل البعض لماذا استطاع دريد لحام في سوريا تحطيم حاجز العزلة والانطلاق الى الشهرة العربية عامة وفي مصر خاصة؟ ــ لاشك ان مصر هي قبلة الفنانين في كل الوطن العربي لانها ام الفنون والثقافة وتاريخها الفني عريق, والفنان العربي يبحث عن فرصة للذهاب الى مصر لانها تمنح الفرص وما حدث معي يرجع الى انني ممثل جيد فقط, ولكني ارى ان نجاح العمل الفني يبدأ من الورق المكتوب من الموضوع والفكرة فأفضل ممثل مع افضل مخرج لن يقدما شيئا من نص سيء ولكن النص الجيد يصل الى الناس بممثل ومخرج اقل موهبة, ولذلك اؤمن بأن النص هو البطل وهو المحرك الاساسي والعمود الفقري للنجاح, وقد انتقيت موضوعات تهم كل العالم العربي مثل مشكلة الحدود التي يشعر بها المصري والسوري والتونسي والعراقي. اي انها مشكلة عامة ومن هنا استطعت الوصول الى الناس هنا وهناك لانني اطرح قضايا تهم الوطن العربي من المحيط الى الخليج. لامانع من التهريج أعمالك تخطت مرحلة (التهريج) لتقترب من (الفلسفة) فما هي فلسفتك الكوميدية؟ ــ قبل التحدث عن فلسفتي اؤكد انه لامانع من ان (اهرج) اذا وجدت ان الابتسامة او الضحكة سوف تدخل السعادة الى قلوب الناس فمن الممكن ان (اهرج) للحظات, اما عن فلسفتي فأعتقد ان الفن ليس بوليسا وليس شرطيا يجبرك على تصرف معين او يمنعك عن سلوك ما, ولكن الفن قادر على تحريض فكرك نحو الافضل وقادر على ان يجعلك تفكر في الاشياء اكثر. ولكن ماهي النقلة التي غيرت مسيرتك من افلام الاضحاك الى الاعمال التي حاولت ان تقدم فيها هما عاما مرتبطا بحياة مجتمعك؟. ــ بدون شك هذه النقلة جاءت بعد حرب 1967 تحديدا نتيجة الهزيمة كان عمري في ذلك الوقت 33 عاما وجاءت الحرب فخطفت احلام 33 عاما في اربع ساعات, وهناكان عليّ ان اقف لا قول ان على الفن ان تكون له كلمته من قول الحقيقة, وربما لولا هزيمة 67 كنت لا ازال اقدم نفس الافلام وبنفس الاسلوب, لذلك ومن منطلق الارتباط بقضايا وهموم الوطن ولتفعيل دور الفن بدأت الاعمال الملتزمة عندي وعند غيري. ماهو السبب الذي جعلك تقوم بإخراج اعمالك؟ ــ لأنني احسست انني افهم نفسي اكثر مما يفهمني الاخرون هذه مشكلة في النوع الكوميدي, وكثير من الكوميديين في العالم يخرجون لانفسهم, بل وحتى يكتبون لانفسهم, ربما بسبب عدم عثورهم على من يستطيع فهم لغتهم وادواتهم في الكوميديا, فتقديم النكتة يحتاج الى تكنيك حتى تحصل على الابتسامة او الضحكة...تماما مثل الصياد الذي ينتظر نصف ساعة ليصطاد طائرا, لكنه عندما يطلق النار يطلق بجزء من الثانية, الضحكة هكذا, ربما يلزمك مشهدا طويلا, لكن في النهاية يجب ان تطلق بسرعة, اذ لوسبقك الجمهور الى النهاية سيدمر لك النكسة. الى اي حد يجب ان يتفق او يختلف الفنان مع السلطة؟ ــ كثير من الاحيان اصادف من يسألني لماذا لاتصبح سياسيا او مسؤولا فأجيبهم بأن الفن والسياسة لايلتقيان اطلاقا ربما يلتقيان لخدمة الوطن, لكنهما لايلتقيان من حيث الفعل او الاسلوب. تحت ام خارج السلطة هل تعتقد ان من الافضل للفنان ان يكون تحت جناح السلطة ام خارجها..؟ ــ الافضل ان تكون بينهما مصافحة, ان يصبح صديقا لدودا, وعندما اقول صديق اشتق الكلمة من الصدق, فأنت عندما تكون صديقا تصدق مع السلطة, لكنك مضطر ان تكون لدودا لان السلطة في بعض الاحيان لاتريد لك ان تكون صادقا معها, تريد منك مهادنتها مثلا. هل هناك فرق بين دريد لحام الفنان والانسان؟! ــ هما واحد, فالفنان دريد لحام يقدم ذاته كإنسان من خلال الافكار التي يقدمها في فنه ولافرق بين الاثنين اطلاقا. وماهي اسس مكوناتك الانسانية؟ ــ ارى ان الوطن السليم يبدأ بعائلة سليمة فلكي يكون الجدار متينا يجب ان تكون احجاره متينة واميل الى العناية بالمكونات الاصغر التي تشكل المجتمع الكبير ولذلك اعتبر الحياة العائلية حياة مقدسة واحبها كثيرا واسعد اوقاتي اقضيها في البيت بين اولادي واحفادي. بعد رحلتك الطويلة في عالم الفن كيف ترى المحصلة؟ ــ ارى انني مازلت في الخطوة الاولى ولن اعبرها لان هذا الكون فيه بدايات ولكن بلانهايات ومن يرى انه قد وصل الى النهاية (القمة) فمعنى ذلك انه انتهى. نلمس في حديثك قدرة متجددة على الحلم؟ ــ (ما أضيق العيش لولا فسحة الامل) فمازلت احلم بالوحدة العربية واطمع ان يكون لي مكان صغير في قلوب الناس. القاهرة ــ منيرة بركات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات