ذبحت ابنتها لتبعدها عن كوابيس الرق(سيث) شخصية سينمائية من مشاهد العبيد التاريخية

مشت ماجريت جارنر على جليد نهر أوهايو المتجمد وخرجت إلى اليابسة لكي تبدأ حياة جديدة, كانت تضم ابنتها سيليا إلى صدرها, وكان زوجها روبرت يحمل طفلتها ماري البالغة من العمر سنتين. وإلى جانب الزوجين كان يسير ابناهما توم وسام ووالدا روبرت. كان الوقت فجر يوم28 يناير,1856وكانت مارجريت(22 سنة)وعائلتها قد هربوا من المزارع في شمال ولاية كنتاكي حيث كانوا يعملون كعبيد, إلى ولاية أوهايو الحرة. غير ان ارتشبالد جاينز صاحب المزرعة التي استبعدت فيها مارجريت كان قد اكتشف فرار العائلة ويتعقبها وقد أصبح على بعد ساعات قليلة منها, وقد جمع عددا من الحراس للقبض على أفراد العائلة. ولحق مطارد العبيد بجارنر وعائلتها صبيحة ذلك اليوم ولكن مارجريت كانت ذبحت ابنتها بسكين قصاب لكي تضمن ألا تتعرض الطفلة لكوابيس حياة الرق التي تعرضت لها الأم. وكانت مارجريت تستعد أيضا لقتل أطفالها الآخرين عندما وصل الحراس إلى المنزل الذي اختبأت فيه العائلة في سينسناتي. وبين الذين واجههم ذلك المشهد الدامي كان جاينز الذي يعتقد انه الوالد الحقيقي للطفلة المذبوحة ماري. حادثة القتل هذه في يناير 1856 حولت ما كان يمكن أن يكون حادث فرار عبيد عادي إلى شرارة استقطبت الجماعات الناشطة في مناهضة الرق. ولفتت قضية مارجريت جارنر أنظار البلد الذي كان سكانه يستعدون لشن حرب على الرق وعلى أمور أخرى. وبعد عشرات السنين تحولت نقطة انطلاق للرواية التي حصلت عليها توني موريسون جائزة نوبل وهي رواية (محبوب) . الا ان النسيان طوى مارجريت جارنر التي ماتت في الرق بعد سنتين من محاولة الفرار المذكورة, وتحولت إلى (هامش أدبي) كما يقول ستيفن وايزنبرجر, أستاذ الأدب الأمريكي, و(ظلت نوعا من الكليشيه أو الأسطورة الصغيرة طيلة 130 سنة) . وفازت موريسون بجائزة (بوليتزر) سنة 1988 على رواية (محبوب) . وهي تقول ان الشخصية الرئيسية في الرواية, وهي صبية مستعبدة تدعى (سيث) مقتبسة من مارجريت جارنر. تلك الحقيقة التاريخية الصغيرة حفزت وايزنبرجر الذي يمارس التعليم في جامعة كنتاكي, على اجراء تحقيق حول حياة جارنر, وقد شعر منذ البداية ــ كما يقول ــ انه يتحمل مسؤولية معنوية ليروي قصة مارجريت. واليوم تعود جارنر إلى صفحات التاريخ بكتاب لوايزنبرجر بعنوان (ميديا العصرية) : قصة عائلة مستبعدة وقتل طفلة من الجنوب القديم) . وقد استغرقت أبحاث وايزنبرجر (49 سنة) وكتابة القصة عشر سنوات. ووصل الكتاب إلى المكتبات في نفس الوقت تقريبا مع بدء عرض النسخة السينمائية للرواية التي صنعتها أوبرا وينفري إلى الصالات, وهو فيلم (محبوب) الجديد. وقد خطرت لوايزنبرجر فكرة التحقيق في حادثة جارنر بعد ان قرأ رواية توني موريسون, وشاهد هذا العام 1988 معرضا فنيا لتوماس ساتروايت نوبل الذي تضمن منحوتة للفنان باسم (ميديا العصرية) اشتق منها وايزنبرجر اسم وغلاف كتابه. أما لقب (ميديا العصرية) فقد أطلقه على مارجريت جارنر دعاه الابقاء على نظام الرق ــ اشارة إلى أسطورة ميديا المرأة الاغريقية التي قتلت أطفالها. كما تحولت جارنر أيضا إلى رمز للداعين إلى الغاء نظام الرق الذين اعتبروها ضحية لما أسماه أحد هؤلاء الجحيم المستعر للرق الأمريكي. الغوص في الأحداث التي وقعت في أمريكا قبل الحرب الأهلية اضطر وايزنبرجر إلى اعادة تدريب نفسه كمؤرخ. ومع ان سرد وايزنبرجر هو سرد واقعي تاريخي الا انه لا يقل درامية عن الدراما النفسية في رواية موريسون. ومحور سرده هو طريق تهريب العبيد الذي سلكته عائلة جارنر. كذلك الجدل القائم بين دعاة ومعارضي الاحتفاظ بنظام الرق, حول ما إذا القانون الفيدرالي للعبيد الفارين لسنة 1850 ــ الذي يفرض عودة جارنر وعائلتها إلى مستعبديهم في كنتاكي ــ يجب أن يعطي الأولوية على تهمة القتل التي كان يمكن أن يفرض بقاء العائلة في أوهايو. ويقول وايزنبرجر: تبين, على صعيد التاريخ القانوني, ان القضية كانت بمثابة محاكمة تنطوي على كافة مسائل حقوق الولايات وتضارب القوانين. وهذه مسائل ستؤدي إلى اندلاع الحرب الأهلية بعد خمس سنوات. ويحاول وايزنبرجر أيضا سد بعض الثغرات الفارغة في التاريخ. ومع ان الحقيقة لا تزال غامضة, يقترح وايزنبرجر عدة أسباب لدعم مقولة ان جاينز كان يلتقي مع مارجريت جارنر, فقد كان جاينز الرجل الأبيض الوحيد في مزرعته عندما وضعت مارجريت أطفالها الفاتحي اللون. وكانت فترات حمل مارجريت على ايقاع مع فترات حمل زوجة جاينز, ابتداء من المرحلة التي يحتمل أن تكون جاينز حملت وانقطعت عن لقاء زوجها. أما مارجريت جاينز فقد أعيدت إلى حياة الرق في النهاية وبيعت لتاجر رقيق في الجنوب, ثم توفيت في مسيسبي في العام ,1858 على الأرجح اثر اصابتها بداء التتيفوئيد. ــ خدمة (أ.ب)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات