استراحة البيان: ذاك الفن القديم: يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

الدخول الى عالم الذات فن عرفه القدماء وابدعوا فيه, استشرفوا لغته ووطأوا اراضيه حتى اصبح طوع بنانهم فكانوا له وكان لهم . ذلك ان هذا الفن القديم الجديد بما يحمله من ثراء واتساع يرتدي البعض من البشر, يتلبسهم ويصبح من ملكاتهم وادواتهم ومفاتيحهم الخاصة التي يعجز عن اقتحامها اقوى الاقوياء. وفي هذا الاطار يقول الفيلسوف شوبنهور (يعيرنا الفنان ناظريه لنبصر بهما العالم) وهذا هو ما ينطبق على اصحاب هذه الملكة الالهية التي تجعل من هؤلاء رغم بساطتهم وعفويتهم وتعاملهم الاعتيادي اليومي وعدم درايتهم بذلك ثروة يجب المحافظة عليها. فعالمنا المترامي شرقا وغربا, شمالا وجنوبا بما يحمله من متناقضات يجبرنا على فك رموزه وشفراته السرية, وما اولئك الذين حباهم الله سبحانه وتعالى بتلك الميزة الا مفاتيح الابواب الموصدة, فهم يحملون الفراسة والذهن الواقد وقراءة الوجوه وما بين الكلام. قد يكون هذا المدخل وتلك المقدمة خطوة اولى للبحث عن امر لزلزلة كامنة في اقصى الذات انتشت وحاولت التعبير عن انطلاقتها, خاصة وبؤبؤ العين يصطدم يوميا بعشرات الوجوه العابرة التي لاتخلو من قصة وحكاية واسرار, فالامر دائما لايخلو من السؤال الثائر لماذا؟ وللاجابة عن هذا السؤال نقول ان المعرفة بمسافاتها وابعادها وعوالمها وبحورها وفصولها تبدأ من مكونات تلك الحروف الخمس ولكن الاختلاف يتمثل في ذواتنا فنحن الذين نحدد البعد الفاصل بين المسافة والنقطة, بين الدراية واللامبالاة, بين ماهو واجب علينا وماهو حق لنا, ونحن الذين نلغي اساس السؤال والحرف والنقطة والمحاولة العاشرة بعد المليون. ومن جديد اجدني ادخل الى اوراق قديمة لعلكم تستشفون من خلالها ما يجعل ابواب السؤال مشرعة على مصراعيها. فقد اوردت كتب التراث الحكاية التي قالها لها ابو عبد الله النميري, فقد اشار الى انه كان يوما برفقة المأمون وكان بالكوفة فركب الامير للصيد ومعه سرية من العسكر, وبينما هو سائر اذ لاحت له طريدة فاطلق عنان جواده فاشرف على نهر ماء الفرات, فاذاهو بجارية عربية جميلة اثارته بحسنها, وبيدها قربة ملأتها ماء وحملتها على كتفها وصعدت من حافة النهر, فانحل رباط القربة فصاحت الجارية برفيع صوتها: يا أبت ادرك فاها, قد غلبني فوها, لا طاقة لي بفيها, قال النميري: فعجب المأمون من فصاحتها ورمت الجارية القربة من يدها . فقال لها المأمون: ياجارية من اي العرب أنت؟ قالت: انا من بني كلاب, قال: وما الذي حملك ان تكوني من الكلاب! قالت: والله لست من الكلاب, وانما من قوم كرام, غير لئام يقرون الضيف, ويضربون بالسيف, ثم قالت: يافتى من اي الناس انت؟ فقال: او عندك علم بالانساب, قالت: نعم, قال لها: انا من مضر الحمراء , قالت: من اي مضر, قال: من اكرمها نسبا, واعظمها حسبا, وخيرها اما وابا, ممن تهابه مضر كلها. قالت: اظنك من كنانة, قال: انا من كنانة, قالت فمن اي كنانة. قال: من اكرمها مولدا واطولها في المكرمات يدا, ممن تهابه كنانة وتخافه . فقالت: اذن انت من قريش, قال: نعم, قالت من اي قريش قال: من اجملها ذكرا واعظمها فخرا, ممن تهابه قريش كلها وتخشاه قالت: انت والله من بني هاشم, قال: انا من بني هاشم, قالت: من اي هاشم, قال: من اعلاها منزلة واشرفها قبيلة, ممن تهابه هاشم وتخافه, قال النميري: عند ذلك قبلت الارض وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين, قال: فعجب المأمون وطرب طربا عظيما وقال: والله لاتزوجن بهذه الجارية لانها من اكبر الغنائم, ووقف حتى تلاقته العساكر فنزل هناك وانفذ خلف ابيها وخطبها منه فزوجه بها. وقيل ان جارية عرضت على الرشيد ليشتريها فتأملها وقال لمولاها, خذ جاريتك فلولا كلف بوجهها, وخنس بانفها لاشتريتها, فلما سمعت الجارية مقالة الرشيد قالت مبادرة: يا أمير المؤمنين, اسمع مني ما اقول, فقال: قولي, فانشدت: ما سلم الظبي على حسنه كلا ولا البدر الذي يوصف الظبي فيه خنس بين والبدر فيه كلف يعرف قال: فعجب من حضورها وفصاحتها وامر بشرائها. وهكذا تتعدد الصور والاشكال والنماذج في هذا الفن القديم الجديد, ويصبح من يتعاطاه ملكا بالابداع والتواصل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات