استراحة البيان: (بودي جارد)!يكتبها اليوم- جلال عارف

كان ذلك منذ أعوام.. اتصل بي صديق من رجال الصناعة البارزين وهو بادي الانزعاج, يسألني: هل تعرف فلانا ؟ و(فلان) هذا كان من العاملين في الاعلام, فأخبرته بما أعرفه عنه, وسألت عن السبب في السؤال, وحكى الرجل دون ان يفارقه الانزعاج. كان قد دعا بعض الاصدقاء الى العشاء في منزله, واتصل به أحد هؤلاء الاصدقاء يسأله اذا كان من الممكن ان يصطحب هذا الاعلامي معه على العشاء لأنه يرغب في التعرف على صاحب الدعوة. ورحب الرجل ووجه الدعوة للاعلامي. ثم كانت المفاجأة قبل الموعد بعدة ساعات, حينما دق جرس الباب واذا باثنين يسألان عن صاحب الدعوة ويخبرانه انهما من الحراس الخاصين للاعلامي, وانهما جاءا لتأمين (الموقع) قبل حضوره خشية ان يكون هناك ما يهدد سلامته! ووسط دهشة الرجل دخل الرجلان وفتشا أرجاء البيت, ثم انصرفا ليسرع الرجل مذعورا بالاتصال بي يسأل عما يحدث.. خاصة بعد ان عرف جيرانه ان الشرطة كانت تفتش منزله!! وضحكت وأنا أروي للرجل كيف أصبح لصديقنا الاعلامي حراسة خاصة أو (بودي جارد) قبل ان يصبح الأمر ظاهرة منتشرة في مصر. فقد كتب صاحبنا تحقيقا صحفيا عن الارهاب, وكان ذلك في بداية انتشار الظاهرة في مصر, ثم جعل بعض أعوانه يرسلون له خطابات تهديد, وبعدها طلب من الشرطة تأمين حياته, وحصل على الحراسة الخاصة التي حولها بشطارته الى سكرتارية خاصة استخدمها في فتح الأبواب المغلقة وتسهيل الصفقات, فأصبح مليونيرا في سنوات.. ومع ذلك لم تنفعه الملايين ولا الحراسة, فاختطفه الموت صغيرا وبصورة مأساوية! الآن.. أصبح (البودي جارد) أو الحراسة الخاصة, ظاهرة منتشرة, وبعد ان كان الأمر مقتصرا على المسؤولين وبعض الكتاب والصحفيين من الذين هددتهم الجماعات المتطرفة بالقتل, تحول الأمر الى نوع من الوجاهة للبعض أو تأمين القوة لارهاب الآخرين عند البعض الآخر. وبعد ان كانت الحراسة الخاصة رسمية تعينها الحكومة, أصبحت الآن ضمن نشاط القطاع الخاص. واتسع المجال ليضم فئات عديدة أصبحت لا تتحرك الا ومعها الــ (بودي جارد) .. من رجال الأعمال الى المطربين الى الممثلات والراقصات!! عادل امام وحده من الفنانين هو الذي عينت له الدولة حراسة خاصة بعد فيلمه عن الارهاب.. مثله مثل نجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله, لكن العشرات من الفنانين أصبح لهم (بودي جارد) يتولون حراستهم بسبب أو بدون سبب. في المقدمة من هؤلاء المطربون والمطربات, وبالطبع ليس هناك شيء يخشونه, ولكنها الوجاهة والحماية من المعجبين والمعجبات أثناء الحفلات!! ويبدو ان هناك احساسا فنيا لدى أهل الغناء هذه الأيام بأنهم يستحقون الضرب.. ولهذا يكثفون الحراسة الخاصة على أنفسهم خوفا من (المعجبين) ! والراقصات بالطبع لهن الــ (بودي جارد) الخاص بهن, وربما كان هذا هو المجال الوحيد الذي كانت تمارس فيه مهنة الحراسة الخاصة في المجال الفني. فقديما كان لكل راقصة (فتوة) أو أكثر يتولون حمايتها من الزبائن, وحراستها وهي تمارس عملها في الليل وترقص حتى الفجر, لكن الفارق الآن ان (الفتوة) اختفى, وظهر بدلا منه نوع جديد من الــ (بودي جارد) , معظمهم من خريجي كليات التربية الرياضية ولاعبي الكاراتيه, والبعض منهم مستوردون من الخارج, حيث يفضل رجال الأعمال بالذات التعامل مع (بودي جارد ) مستورد من أوروبا إيمانا منهم بــ (العولمة) ونظام السوق, ولأن هذا يساعدهم عند التنقل بين دول العالم, حيث يستطيع الـ (بودي جارد) الاجنبي التعامل مع الناس هناك. ولأنها أصبحت ظاهرة اجتماعية, فقد بدأت أخبارها تظهر في الصحف.. وللأسف فإن أخبار الـ (بودي جارد) لم تظهر حتى الآن الا في صفحات الحوادث, وان كانت أحيانا تظهر في الصفحات السياسية, كما حدث قبل فترة عندما بدأ رجال الأعمال الكبار يمارسون (الحوار) لتصفية خلافاتهم عن طريق الــ (بودي جارد) وخاصة في مجال الاستيلاء على أراضي البناء والاراضي الزراعية, واضطرت الدولة وقتها الى تحذير رجال الأعمال من هذا الاسلوب الذي يفتح الباب للبلطجة الاقتصادية وبالتالي السياسية , وهو ما لا تستطيع الدولة ان تقف ساكتة ازاءه. والكثير من ممارسات الـ (بودي جارد) تصل الآن للشرطة والمحاكم, ومنها ما فعله الــ (بودي جارد) الخاص للراقصة فيفي عبده, فقد اختلفوا يوما مع الأمن الخاص بالفندق الذي ترقص فيه, وكانت النتيجة تحطيم الاستقبال الخاص بالفندق وعدة اصابات استدعت النقل للمستشفى, ومحضرا في الشرطة, ثم تصالح قبل ان يقول القضاء كلمته. الشيء نفسه حدث مع (منولوجيست) كان يقلد الفنانين والفنانات, ولأمر ما قام بتقليد فيفي عبده بطريقة لم تعجبها.. وكانت النتيجة علقة ساخنة من الـ (بودي جارد) نقل بعدها للمستشفى, وتحقيق من الشرطة, ثم اعلان للصلح بعد ان اكتشف (المنولوجيست) ان ما فعله الــ (بودي جارد) به كان خير اعلان له, فقد ظهرت صوره للمرة الأولى في الصحف والمجلات, وعرف الناس اسمه, وبدأت الشهرة تعرف طريقها اليه! ومازالت القاهرة تتحدث عن الــ (بودي جارد) الخاص بأحد الاثرياء العرب الذين قاموا باحتجاز وتعذيب بعض العاملين المصريين لدى الثري الذي يقيم بصفة دائمة في أحد فنادق الدرجة الأولى بالقاهرة والتي تفجرت أخيرا بعد هروب اثنين من (المعتقلين) اللذين ألقيا بنفسيهما من الدور التاسع والعشرين هربا مما يحدث لهما على أيدي الــ (بودي جارد) المكون من أوروبيين وأمريكيين! ومع ذلك كله, تبقى الحقيقة وهي اننا في زمن الــ (بودي جارد) مازلنا أفضل من غيرنا بكثير, نحن نتحدث عن الظاهرة على انها شيء لا لزوم له, ومن يلجأون اليها في معظمهم يفعلون ذلك من باب (الوجاهة) أو (المنظرة) كما يقولون, ودون احتياج حقيقي, فالأمن ــ والحمد لله ــ مستقر, وبلادنا نستطيع ان نمشي فيها ليلا ونهارا دون خوف, ولا مقارنة بيننا وبين مدن لا يستطيع الانسان فيها ان يغادر المنزل أو الفندق اذا حل الظلام. نحن لسنا نيويورك أو العديد من العواصم الافريقية, حيث يبادرونك فور وصولك بألا تسير ومعك نقود أو أشياء ثمينة, وبألا تبتعد عن المنطقة السياحية, فهي الوحيدة التي يضمنون فيها الأمن الى حد ما, وفي النهار فقط, أما عندما يأتي المساء, فالأمن مسؤولية كل مواطن أو زائر. وكنا نظن ان هذه الظواهر ستختفي يوما ما, ولكن يبدو ان العكس هو الصحيح, واننا ــ في ظل النظام العالمي الجديد ــ سوف نجد معظم العالم الذي يدعي التقدم وهو يتحول الى غابة تعجز الدولة عن توفير الأمن فيها, وسوف يلجأ الاغنياء فيها الى الحراسة الخاصة, وتنتشر فيها طائفة الــ (بودي جارد) التي وصفها المسؤولون في روسيا قبل أيام بأنها (ميليشيات مسلحة غير معلنة يسيطر عليها عدد من رجال الأعمال المتواطئين مع المافيا! أما في أمريكا الآن حوالي 30 مليون مواطن (أي ما يزيد على عشر عدد السكان) حصنوا أنفسهم في أبنية وأحياء سكنية تحت الحراسة الخاصة, وفي أمريكا ايضا ينفق المواطنون الأمريكيون على الــ (بودي جارد) أو الحراسة الخاصة ضعف ما تنفق الدولة على جهاز الشرطة!! وفي ظل النظام العالمي الجديد, لن تكون هناك الجنة على الأرض الا للأقلية, أما الأغلبية فسوف تزداد معاناتها, سوف يكون هناك 15% يملكون الثروة والقوة والسلطة, ثم 15% يخدمونهم ويحرسونهم من غضب الأغلبية التي بدأت تعاني في الدول المتقدمة من البطالة والفقر والتفاوت الرهيب في الدخل. ونحن ــ والحمد لله ــ مازلنا بعيدا عن كل ذلك, لكننا ــ رغم كل شيء ــ لا نفتقد الطليعة التي تسبق زمنها حتى في ظاهرة الــ (بودي جارد) . وفي هذا المجال فلابد من الاعتراف بالفضل لأهله.. فها هي (الأخت) فيفي عبده تثبت لمن لديه نظر انها جزء من النظام العالمي الجديد.. وعلى واحدة ونص كمان!!

طباعة Email
#