استراحة البيان: (روجيه الفرنسي) ... و(سيد) الاسكندراني: يكتبها اليوم- محمد الخولي

نعم.. أعظم الاناشيد الوطنية هو ما يولد في غمار المعارك التاريخية أو ما يكون تعبيرا عن ملاحم نضالات الشعب وكفاح الامة, تحقيقا لأحلامها القومية, المشروعة بطبيعة الحال , وهكذا ولد نشيد (المرسلييز) وسط المعارك التي تجمعت فيها قوات الفلاحين والحرفيين وصغار الكتبة والفقراء كي يدافعوا عن أرض فرنسا وقد هاجمتها بعد ثورتها الكبرى قوات متحالفة من عروش أوروبا في تسعينات القرن الثامن عشر. كان ذلك بالتحديد في عام 1792 وزحفت قوات حماية الثورة من ميناء مرسيليا.. كانت ملابسها بالية مهترئة وكان عتادها فقيرا وسلاحها متهافتا.. ولكن كانت عزيمتها في صلابة الفولاذ ــ كيف لا وقد ندبت شبابها للدفاع عن الوطن وعن أحلام فقرائه.. وهاهم الشباب يأتون من مرسيليا وعلى شفاههم انشودة طالما تغنوا بها واحتموا بكلماتها البسيطة ــ وكانت الاغنية تحمل عنوانا يقول: .. أنشودة الحرب لجيوش الرين. وقد كتبها (روجيه دي ليل) وسط لهيب المعارك وبدأ يتغنى بها لتقوية عزائم رفاقه المقاتلين واذ انتصرت قوات الثورة الفرنسية تحولت اغنية (دي ليل) بكلماتها وموسيقاها فأصبحت, كما هو معروف, النشيد الوطني لفرنسا. نفس الظروف, ظروف المعارك القومية التي تهز الوجدان الوطني وتحرك في أبناء الوطن كوامن الابداع.. وهو ابداع صادق جميل وأصيل, وُلد في غمارها نشيد (بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي) . ولا نحسب ان بالامكان تقصي اسم مؤلف هذا النشيد الذي كان يردده المصريون في غمار انتفاضتهم الشعبية الكبرى في عام 1919 ضد الاحتلال الانجليزي وقد وضع ألحانه الموسيقار سيد درويش.. ومن الباحثين في هذا المجال (صديقنا الدكتور فيكتور سحاب) من يكتفي في هذا المجال بقوله ان سيد درويش طلب وضع كلمات النشيد تأسيسا على قول مأثور لمصطفى كامل زعيم الوطنيين في مصر في مطلع القرن. وأيا كان الامر.. فقد ولد نشيد (بلادي بلادي) وسط مظاهرات ومعارك الشوارع التي شهدتها المدن والأرياف المصرية منذ اشتعال الثورة الكبرى في مارس من عام 1919 حيث سقط الشهداء وأصيب الجرحى وتعطلت مرافق الحياة.. وسرت شرارات روح التمرد والرفض الثوري الشعبي للاحتلال البريطاني.. وقد نقف هنا عند ملمح متألق .. يحمل بعض التواصل بين الأجيال والزعامات لقد قاد ثورة 1919 زعيم كان في عمر الشيخوخة اسمه سعد زغلول لكن ها هي ثورته تتمخض عن نشيد وطني يحيل الى زعيم سبق اسمه مصطفى كامل طلع على الحياة العامة في مصر مع مغيب القرن الماضي ومطالع هذا القرن العشرين استرعى الأقطار وشد اليه الأسماع وهو يرفض همود وفتور الروح الوطنية ويجهد في اذكاء روح المقاومة في نفوس مواطنيه من جديد, بعد ان نالت منها الأيام الكالحة الكئيبة التي تلت هزيمة زعيم أسبق اسمه أحمد عرابي في عام ,1882 لم يكن عجيبا أن تكون الخطابة والكتابة الصحفية هي وسيلة مصطفى كامل .. الحقوقي, النابه, الشاب, خريج فرنسا, لكي يعزز ويؤصل روح الانتماء في نفوس مواطنيه ــ ولم يكن عجيبا من ثم ان تحفل خطبه وكتاباته بنوع من الغزل الرومانسي في بلاده وفي مجالي حياتها, وخضرة ثراها, ونضارة أرضها, وعظمة نيلها .. فعلى قدر جمال الوطن تكون شحنة الغضب من أجله .. ولقد رحل الزعيم مصطفى كامل في الثلاثين ربيعه, ولكن اعوامه الثلاثين كانت كافية لان تجدد روح الوطنية في نفوس الناس .. وقد وصفها شاعر النيل حافظ ابراهيم في مرثية باذخة وجليلة قال فيها: ثلاثون عاما, بل ثلاثون دُرة وهكذا سرت كلمات مصطفى كامل بلادي بلادي .. لك حبي وفؤادي .. لك أملي وحياتي ــ ولا حياة الا بك .. الخ. فأصبحت من شعارات الحركة الوطنية واستوحاها واضعو النشيد البسيط في كلماته الى حد السذاجة, والأصيل في ألحانه الى حد الخطورة, وهي خطورة الابداع السدريشي في كل حال. ولقد كان المتصور ان تسدل الستور نسيانا أو جهلاً أو تجاهلاً على نشيد (بلادي بلادي) بعد ان رحل سيد درويش نفسه عن دنيا الاحياء, مثلما رحل مصطفى كامل. بل كان هذا هو مصير النشيد طيلة الأعوام الثلاثين التي فصلت بين رحيل سيد درويش ومولد ثورة 1952 - كان نشيد (بلادي) يحال اليه بوصفه عملا من تراث (سيد) وكان ينال من الثناء أو التقريظ ما قد تناله ايقونة أثرية من ابداع الماضي .. نستعيرها ونقلبها بين ايدينا أو في وجداننا, ونتعامل معها بمشاعر النوستالجيا حنينا الى ما سبق .. ثم لا نلبث ان نودعها متاحف الذكرى. لكن ها هي ثورة عبد الناصر تبث في نفوس الناس روحا جديدة تغازل الحلم الكبير الى الأفضل والأجدر .. وهو حلم قومي هذه المرة يتعدى حدود الوطن المصري الصغير فيشمل ببركاته وأشواقه اقليم الوطن العربي الأكبر .. وها هي احدى مؤسسات تلك الحقبة, واسمها منظمة الشباب ترنو الى نشيد أصيل يكون شعارا لها فلا تجد سوى (بلادي بلادي) فإذا بسيد درويش ماثل في الوجدان بقامته الفارهة وشقاوته الابداعية وتمرده البناء على التراث وعلى الظلم وعلى التقليد وعلى الانجليز وإذا بالنشيد الذي كان يردده ثوار 1919 يعود ليلج على شفاه احفادهم في منظمة الشباب في عقد الستينات, بل يتألق النشيد فيتردد صداه بعد تعديل بسيط في هذا الركن او ذاك من اركان الوطن العربي الكبير. على ان ثورة يوليو كان لها بدورها معاركها الوطنية الخاصة بها وفي غمار تلك المعارك واهمها معركة العدوان الثلاثي ــ السويس في عام 1956 ــ جاءت ولادة نشيد (الله اكبر) العظيم... كتبه الشاعر عبدالله شمس الدين ووضع الحانه الموسيقار محمود الشريف من وحي خطبة زعيم شاب هو جمال عبدالناصر (38 عاما وقتها) من فوق منبر الجامع الازهر. ونشيد والله زمان يا سلاحي اشتقت لك في كفاحي. انهض وقول انا صاحي يا حرب .. والله زمان وهي كلمات صلاح جاهين ولحن كمال الطويل وشدو ام كلثوم, وقد ظل لحن هذا النشيد هو السلام الوطني للعهد الناصري في مصر آية على قدرة شعب من شعوب العالم الثالث على ان يتصدى ــ حتى لا نقول يهزم, او يقهر ــ لاكبر امبراطوريتين في ذلك العصر. بيد ان نشيد (بلادي بلادي) كان له شأن آخر .. غريب وطريف .. ورحم الله انور السادات الذي ربما اراد (علم الله) ان يغير من رموز وشؤون العهد الناصري لعل الناس ينسوه وهيهات, او اراد ــ علم الله ــ ان يطمئن (صديقي العزيز بيجن) وبالطبع (صديقي ومستشاري كيسنجر) على ان حرب اكتوبر هي آخر الحروب ولذلك عمد او زين له مستشاروه الى تغيير نشيد والله زمان يا سلاحي.. يا حرب والله زمان ولكن من حسن الحظ ان استعاض السادات عنه بنشيد (بلادي بلادي) الذي انتقل من اركان منظمة الشباب التي قضى عليها السادات ليصبح نشيد مصر الوطني حتى كتابة هذه السطور. يومها, وعلى طريقة تفكير السادات (الكرنفالي) كما قد نسميه احالوا الى المرجعية الموسيقية محمد عبدالوهاب وخلعوا عليه رتبة اللواء وألبسوه بدلة العميد, ثم اوقفوه في مطار القاهرة امام حشد الفرقة العسكرية كان الاستاذ عبدالوهاب قد شارف الثمانين بجسد واهن وبصر كليل لكنه تحامل على نفسه وزم شفتيه ونقلوا صورته وهو يشوح للفرقة اذ تعزف النشيد القومي الجديد (بلادي بلادي) وكان السادات قد منحه من قبل ما اسموه بالدكتوراه الفخرية فأصبح اسمه الموسيقار الدكتور اللواء وكان مشهدا ومسمعاً له العجب ضحكت له مصر كلها وربما كان اول الضاحكين من عالم الخلود, رجل منكوش الشعر له قوام مصارع وروح طفل وابداع عبقري.. وضع نشيده ليكون اغنية للشارع.. فدار الزمن ستين عاما بعدها اصبح النشيد اغنية للوطن كله, رجل كان في غاية التكبر والشقاوة اسمه سيد درويش.

تعليقات

تعليقات