استراحة البيان: الاعلامي ... والمهرج ... والعملة الرديئة،يكتبها اليوم: صلاح عويس

جاءني صوته الرخيم عبر أسلاك الهاتف وهو يسألني منفعلا: هل صحيح ان الاعلامي العربي يستطيع الاستغناء عن اجادة اللغة العربية في عمله؟وقلت له مستنكرا وبلا تردد: يستحيل ذلك.كان صاحب الصوت الرخيم اذاعيا شابا من المتدربين الذين سعدت بتدريبهم... وكان دائم السؤال والاستفسار... وهذا هو أول طريق المعرفة ... ولذلك كنت سعيدا به وبتقدمه السريع أثناء شهور التدريب الشاق. وحكيت له قصة وقعت اثناء عملي في اذاعة صوت العرب فقد قررنا ذات يوم ان نستعين ببعض الكتاب المشهورين اصحاب الاعمدة في الصحف وخصصنا لهم بعض الوقت يتحدثون خلاله الى مستمعي اذاعتنا... وهنا كانت الفضيحة, فقد أسفر بعضهم عن جهل مخجل باللغة العربية مما جعل احاديثهم سخيفة ومليئة بالاخطاء وبالتالي لم يستطيعوا التواصل بشكل جيد مع المستمعين وتبين لنا عندئذ ان البطل الحقيقي وراء مقالاتهم اليومية او الاسبوعية هو المصحح اللغوي الذي يتولى تصحيح لغتهم الركيكة... وفشلت تجربة الاستعانة بهم في الاذاعة عندما اختفى البطل الحقيقي... وارتاح بال الاعلامي الشاب واستمر في السؤال: ولكن ألا ترى انه من الممكن الاعتماد على الموهبة... وهل تراها متوفرة فينا نحن المتدربين؟ قلت له: استطيع ان أقول انه يوجد بين شباب هذا البلد العديد من اصحاب المواهب الخلاقة في حقول الاعلام المختلفة, وهي مواهب ما زالت تنتظر من يعمل على اكتشافها وصقلها واعدادها الاعداد السليم للانضمام الى قافلة الاعلاميين في الامارات. وأقول هذا من خلال تجربتي العملية في التدريس لبعض طلاب وطالبات الجامعة, وفي الدورات التدريبية التي قمت فيها بتدريب المذيعات والمذيعين والمتقدمين للعمل من المواطنين في اذاعة وتلفزيون الامارات العربية المتحدة من دبي. الموهبة وحدها لا تكفي غير انه لا يكفي بالنسبة للاعلامي العربي ان يكون صاحب موهبة فحسب, ذلك ان رجل الاعلام لابد ان يتمتع بثقافة عالية ومعرفة وثيقة بأحوال بلده ووطنه العربي الكبير وبالتطورات والقضايا المحلية والاقليمية والدولية, وهي أمور بديهية لا أريد ان أطيل بها على القارىء العزيز. ولكن يقفز الى سلم الاولويات ايضا موضوع يهمنا جميعا نحن أبناء الوطن العربي وهو ضرورة اجادة اللغة العربية اجادة تامة, فهي من أهم أدوات عمل الاعلامي العربي سواء كان صحفيا أو اذاعيا, بل وحتى بالنسبة لكل من يتصدى لصنعة الكتابة والكلام أديبا أو كاتبا أو خطيبا في مسجد أو في جمع من الناس, أو ممثلا على خشبة المسرح أو مذيعا في أجهزة الاعلام المرئية والمسموعة, أو سياسيا يتصدى للاتصال بالجماهير. واذا جاز ان نقول ان آلات الجراحة هي (عدة) الطبيب الجراح, وان أدوات الميكانيكا والنجارة هي (عدة) الميكانيكي والنجار, فان اللغة العربية هي من أهم أدوات رجل الاعلام العربي. وأذكر انني كنت أبدأ استكشاف مقدرة الاذاعيين المتدربين من المواطنين والمواطنات بأن أطلب منهم وضع علامة الاعراب الصحيح على الآية القرآنية الكريمة: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). وكان بعض من لهم دراية بالقرآن الكريم أو باللغة العربية أو بهما معا يضعون علامة الفتح على آخر اسم الجلالة (اللهَ) وعلامة الضم على آخر حرف من كلمة (العلماءُ) , أي ان العلماء هم الذين يخشون الله, وهو ما يستقيم مع المعنى الذي يفيد ان علم العلماء يزيدهم خشية للخالق عز وجل. أما أولئك الذين كان مستواهم متدنيا في اللغة العربية وفي الالمام بالقرآن الكريم, فقد كانوا يقعون في (الفخ) وينطقون اسم الجلالة الكريم مرفوعا, وهنا نقول لهم ان ذلك يقلب المعنى تماما ويخل به اخلالا خطيرا لا يجوز للمسلم ان يقع فيه, ذلك ان العباد هم الذين يخشون المعبود جل جلاله لا العكس. المتسللون ولعل هذا المثال هو من أفضل الأمثلة لافحام بعض المتشدقين بجهلهم في بعض وسائل الاعلام العربية والذين يستنكرون الاهتمام الكبير بسلامة اللغة العربية ونقائها كتابة ونطقا وذلك تغطية لجهلهم الفاضح بلغتنا العظيمة وأهمية اجادتها بالنسبة للعاملين في حقول الاعلام المختلفة, فبعض هؤلاء يقول: (وماذا يهم؟) والآخر يقول (وماذا سيحدث لو لم أعرف العربية الفصحى؟) وبعض ثالث منهم يتهمك بـ (الحذلقة) و(التقعر) وهو لا يعرف حتى المعنى الدقيق للكلمتين. ويكفينا هنا ان نشير الى المثل العربي الحكيم: (فاقد الشىء لايعطيه) فكيف يستطيع الجراح اجراء عملية جراحية اذا لم يكن يجيد استخدام ادوات الجراحة, وكيف يعبر الاعلامي العربي عن الافكار التي يود ان يوصلها الى جمهوره على صفحات جريدته او عبر الاثير المسموع او المرئي اذا لم يكن يجيد استخدام اللغة التي يخاطب بها الناس؟ ولقد عانى الاعلام العربي من الدخلاء والادعياء الذين تسللوا الى وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية, والمحزن ان اعدادهم في ازدياد هذه الايام. ... والمهرجون وزاد الطين بلة ان بعض هؤلاء من الرجال اخذ يغطي عجزه وجهله بحركات بهلوانية على الشاشة الصغيرة وكأنه مهرج في سيرك, والادهى من هذا ان بعض المتسللات اخذن يغطين عجزهن وجهلهن بأنواع مبتكرة من الملابس غير اللائقة والحركات الممجوجة حتى انني اذكر ان مذيعة جادة محترمة قالت لي منذ اسابيع قليلة انها بدأت تخجل من ان تحمل لقب (مذيعة) فقلت لها لا تدعي (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة) , ولا تدعي الحزن يعكر عليك صفو حياتك لانه اذا كانت هاتيك المتسللات لايخجلن مما يرتكبن علنا على بعض شاشات التلفزيون العربية (مجازا) فكيف تشعرين انت المذيعة الجادة الفاضلة بالخجل من عملك المرموق؟ ان عمل الاعلامي لايقل اهمية عن عمل المعلم المرشد ذلك ان كلا منهما موجه لجمهوره ومؤثر في سلوكه واسلوب حياته, وهو عمل شريف ومثمر ويدعو صاحبه للفخر به.

تعليقات

تعليقات