استراحة البيان: علم نفسك بنفسك: يكتبها اليوم- محفوظ عبدالرحمن

لا اعرف اذا كانت هذه القصة قد حدثت فعلاً للماريشال بيتان ام لا؟! فهناك قصص كثيرة تنسب الى المشاهير حتى تبدو اكثر رونقاً, مثلما نفعل نحن في قصص عن جحا , فمعظم هذه القصص لم يسمع بها جحا في حياته, ان كان هناك فعلا شخص اسمه جحا. ولقد عاصرت اضفاء القصص الطريفة على احد ظرفاء العصر وهو الفنان الراحل عبدالعظيم عبدالحق وكيف كانت تحدث القصة لفلان فيرى ان نسبتها الى الظريف الاكبر سيعطيها قيمة اكبر فينسبها اليه. والماريشال بيتان الذي اقصده احد ابطال فرنسا في الحرب العالمية الاولى وكان قائد الجيوش الفرنسية في الحرب العالمية الثانية, فلما رأى الغزو النازي ادرك انه لا قبل لفرنسا به. وخشى على باريس من التدمير, فاستسلم وهكذا تحول بطل فرنسا الى رمز للخيانة. ولكن ليس هذا هو موضوعنا. قصتنا انه في الحرب العالمية الاولى ضاق الجند بأهداف الحرب وطول فترتها, وارادوا ان يعرفوا متى خاتمة هذه الايام القاسية, فلم يجدوا امامهم سوى (جورج) وجورج هذا كان سائق سيارة الماريشال بيتان, وطلبوا منه باسمهم جميعا ان يسأل الماريشال عن موعد انتهاء الحرب. ولم يكن السؤال سهلا فهذا الجورج مجرد سائق, وهذا القائد ماريشال فرنسا الاكبر, لذلك اخذ يتحين الفرصة المناسبة. ولكن الماريشال سبق سائقه عندما خرج من تفكير عميق, وسأله متنهداً: ــ جورج قل لي: متى تنتهي هذه الحرب؟! وانا من الذين يحسون احيانا بأنهم مثل الماريشال بيتان مع فارقين الاول في عبقريته العسكرية والثاني في استسلامه اقصد ان الناس يظنون انك اكثرهم علماً طالما انك تكتب واسمك يتردد على الشاشة وعلى الاثير وعلى صفحات الجرائد والمجلات. ولذلك يحملون ايضاً احيانا اسئلة لا تعرف كيف تجيب عليها, ويطلبون منك الاجابة ولقد انتهيت من هذه المشكلة منذ زمن عندما قررت الا اتحدث الا فيما اعرف, واجيب عما لا اعرف بأنني لا اعلم. لكن هذا ليس حلا للمشكلة فالناس عندما يسألونك لا يكون هذا اختباراً لمعلوماتك, ومن حقك ان تسقط كأي تلميذ, بل هم يتوقعون منك ان تكدح قبل ان يسألونك لتنوب عنهم في المعرفة. وانا من الذين يحاولون المعرفة, ولأنني نشأت منعزلاً عن معظم المصادر الثقافية, فلقد تعودت ان اعلم نفسي, فكلما اردت ان اعرف شيئاً, اتيت بما كتب عنه, واخذت استذكره كطالب نشيط ولذلك فانا مثلاً اعرف اللغات كتابة افضل منها نطقاً. واحيانا اذهب الى مكان لا تعلم فيه شيئاً ومن ذلك انني منذ سنوات طويلة ذهبت الى مكان حر لتعليم اللغة الانجليزية وفي هذا الوقت لم اكن قد اكتسبت معرفة هؤلاء القلة الذين يعرفونني الآن ومع ذلك شاء حظي النكد ان تكون الاستاذة زوجة لاحد المثقفين وتتعرف علي رغم انني لم يكن لي سوى نشاط ادبي محدود, وتقول لبقية الطلبة: ـ معنا في هذا الفصل كاتب مشهور! ولم يكن هذا صحيحاً واخذ الطلبة ينظرون اليّ في اكبار ويسألونني عما غمض عليهم, اما الاستاذة فكانت تلقي بالاسئلة التي يعجز الآخرون عن الاجابة عليها, على اعتبار انه لا يمكن لمثلي ان يجهل مثل هذه الاشياء. وبالطبع لم استطع ان استمر اكثر من يومين. وانا اكتب هذا الكلام اخوض ــ وبعد سنوات طويلة ــ تجربة مشابهة فلقد ذهبت الى احد مكاتب الحاسب الآلي, لادرس هذا الشيء الجديد في حياتنا, لعلي استخدمه, وكان اول ما فعلته انني غيرت اسمي وبالطبع لا يتوقعون في هذه الاماكن من رواده ان يزوروا اسماءهم كما زورت مهنتي وادعيت انني باحث في احد المعاهد التي تدرس التاريخ. ولسوء حظي انه في يومي الاول بث التلفزيون حديثا اجراه معي, خطأ مع انني حريص على الا اظهر كثيراً في التلفزيون بالطبع ليس السبب مكاتب الحاسب الآلي! وقال احدهم سعيداً: لقد رأيتك بالامس في التلفزيون. وانكرت انني نفس الشخص, رغم ان احدهم سانده في دعواه ولا ادري الى اي حد يمكنني الاستمرار في المقاومة وربما عدت الى نظرية, علم نفسك بنفسك. وهي النظرية التي سمعتها لاول مرة من عبدالرحمن الخميسي وهو واحد من اكبر كتاب الخمسينات والستينات والسبعينات سألني احدهم ذات مرة: ما اشهر كتبه؟ فقلت له: عبدالرحمن الخميسي! ذلك لان عبدالرحمن الخميسي كان اعظم (زورب) عرفه عصرنا عاش حياته بالطول والعرض تزوج مرات, وانجب الكثيرين من قبل انه ان يتوه في ابنائه, وهم الآن عناصر موهوبة جداً في مجالات مختلفة. وكان الخميسي كاتب قصة وشاعرا وكاتب مقالة ومخرجاً اذاعياً ومسرحياً وسينمائياً وموسيقيا واظن انني نسيت بعض صفاته والبعض يجب ان يذكره بانه هو الذي اكتشف سعاد حسني ومحرم فؤاد وقدمهما لأول مرة في فيلم (حسن ونعيمة) . وكان عبدالرحمن الخميسي ابناً لاسرة ريفية استنكرت حبه لعالم الغناء والموسيقى. فهرب الى هذا العالم وهو مازال تلميذا في المدرسة. ولم يعد الى البيت بعد ذلك. وبعد ان تنقل بين مهن مختلفة وصل الى مهنة الكتابة. وادرك ان عدم اتمام دراسته يمثل عائقا في كثير من المعارف فاخذ يدرس هذه المعارف وحده حتى اصبح يجيد عدة لغات. واصبح واحدا من اكبر الكتاب, واستاذا لاجيال. وعبدالرحمن الخميسي هو صاحب اشهر واعمق كلمات يرددها المبدعون دائما: (انا لا اعزف على قيثارتي لانني ادافع عنها) . فالمبدعون مشغولون بمعارف كثيرة, وضغوط عنيفة بحيث لا يتفرغون لابداعهم. او هذا واقعهم العربي! ولكن نظرية عبدالرحمن الخميسي (علم نفسك بنفسك) ليست دائما سهلة. تأخذ وقتا طويلا وجهدا كبيرا واحيانا تبدو مستحيلة. وفي الفترة الاخيرة بدأت اعاني من متابعة كتاب القصة والرواية. عندما بدأت القراءة, قرأت الرواد: محمود تيمور, ومحمد حسنين هيكل, وفريد ابوحريد وغيرهم. ثم تابعت قراءة نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وعبدالحليم عبدالله, ثم بدأت نهضة روائية في السبعينات تمثلت في سليمان فياض وابوالمعاطي ابوالنجا وابراهيم اصلان وابراهيم عبدالمجيد واحمد الشيخ وصنع الله ابراهيم وغيرهم وتابعتهم. ثم بدأ سيل من الروائيين والقصاصين تاهوا مني وتهت فيهم حتى اصبحت لا استطيع متابعتهم. ذهبت الى (اتحاد الكتاب) وطلبت ان يساعدني احد في التعرف الى هؤلاء الكتاب وتصنيفهم مقابل أجر لكن الجميع رفضوا الاجر, والجميع تطوعوا ليدلوني على ما أريد. فلان هذا يارجل بلا قيمة. وعلان هذا صناعة الترجمة الفرنسية اذا اردت ان تقرأ حقاً لاحد فهي فلانة انها عبقرية. اما ترتان فهي افضل من يعبر عن الهامشيين. من قال ان فلانا بلا قيمة, من قال لك ذلك جاهل او مغرض. فلان يا استاذ ترجم الى ثماني لغات اجنبية, اما فلانة هذه فلقد اكتسبت قيمتها من الناقد الكونت ــ فلان انه مولع بحبها. ياصديقي هذه كلها اسماء وهمية, الكتاب الجدد بحق هم فلان وفلان وفلان اما اذا سألتني عن افضلهم فهو فلان, فقصته كذا افضل قصة كتبت باللغة العربية. اما فلان فلا يكتب الا عن الشذوذ والعاهات. وفلانة لا تكتب بل يكتبون لها. واغمضت عيني, وتذكرت القديس وهو اسم الشهرة لعبدالرحمن الخميسي وتذكرت قاعدته العظيمة: (علم نفسك بنفسك) . وضحكت... وسألني صاحبي لماذا أضحك. ولم أقل له انني فكرت في مدرس يدرس لي القضية الكردية, فلقد احترت فيها, وقررت ان اختصر الطريق, وادخل بكل ما لدي عن القضية الكردية الى الخلوة واذاكر كل ما اقرأه لعلي اعرف! وما اصعب المعرفة في هذا العصر المزدحم.

تعليقات

تعليقات