استراحة(البيان)..رحلوا وتركوا العيد في القلوب، يكتبها اليوم : كامل يوسف

طارت ضفيرتاها السوداوان في الهواء عالياً, كأنها أغنيات مرحة تصافح الريح, وهي تركض خارجة من الدار, متواثبة حتى لتوشك أن ترقص, لتلحق بأبيها في العربة الصغيرة, وتأملت على نظارتها الأنيقة أشعة نوفمبر الخريفية الآسرة كأنها تشاركها فرحتها . في الطريق, الذي لايستغرق أكثر من15دقيقة بالسيارة بدت لهما شمس نوفمبر عروسا تتوج جبينها بطرحة من ضياء وهي تمضي الى ليلة العمر. لم يكن كل هذا الفرح من جانب الصغيرة أمراً غريباً ولا استثنائياً, فمرة أو مرتين كل عام, في أيام الجمعة ان شئت الدقة, يسرق أبوها من زمان ضنين سويعات ينطلقان فيها الى اكسبو الشارقة, ليرحلا في معرض عالم الشارقة للكتاب. ولأن الصغيرة, وهي صغيرة مقارنة بأختها الأكبر سناً ليس إلا, فهي في ربيعها الخامس عشر, تعرف ما تريد, فإنها تفرض خارطة الانطلاق في المعرض, وهي نفسها لا تتغير من عام إلى آخر, حيث ينطلقان من الباب الرئيسي, من دون انعطاف الى اليمين أو اليسار, ولو لإطلالة فضولية هنا أو هناك, إلى جناح دور العرض الأجنبية. كعادته كل عام, يبتسم صاحبنا صابرا ومحتسبا, فهو شأن العديد من الآباء في عالمنا العربي قد استسلم لواقع موجع, قوامه أن اللغة التي يقرأ بها الأبناء والبنات من الأجيال الشابة ويكتبون وأحيانا يتبادلون بها حديثهم اليوم هي لغة أجنبية, غالبا ما تكون الانجليزية أو الفرنسية, أما اللغة العربية فهي - شأن الفتى العربي - غريبة الوجه واللسان واليد وسقى الله أرضا ضم ثراها أبا الطيب المتنبي. تدخل الصغيرة الجناح الأجنبي بفرحة من يدخل كهف علي بابا, وإذا كان قد تعين على هذه الشخصية الاسطورية أن تبحث عن الغرارة التي تضع فيها الذهب والياقوت والمرجان, فإنه تعين على الصغيرة بالمثل أن تبحث عن الأكياس التي تضع فيها كتب الأساطير والتراجيديا والتاريخ والروايات التي تحبها. وبطريقتها الخاصة تقنعه بأن يمضي لتأمل كتب الفن التشكيلي الأثيرة عنده, لتمضي هي لانجاز جردة شاملة للروايات الجديدة في الجناح الأجنبي. يتوقف الأب طويلاً أمام كتاب عن المساجد في الأندلس كان قد توقف عنده في العام الماضي, ولم يشتره بسبب الارتفاع المبالغ فيه لسعره, وتمتد يده ليتأمل طويلاً كتاباً التقطه عند المساجد والعمارة الحديثة, ويتذكر - بغير قليل من المرارة - أنه في العام الماضي اشترى من المعرض, بل من هذا الجناح نفسه كتاب (المساجد) وكم كانت دهشته بعد أن اكتشف عقب انتهاء معرض العام الماضي أن الكتاب نفسه معروض في المكتبات العادية بأقل من السعر الذي اشتراه به في المعرض بحوالي 15% أي أن المعرض كان فرصة للعارض الذكي للبيع بالزيادة وليس بالتخفيض. ــ (ما علينا .. الله المستعان على ما تصفون) , هكذا غمغم صاحبنا محدثا نفسه, ورفع رأسه عن الكتاب الذي يقرأ فهرسه ومقدمته بتركيز شديد ليجد الصغيرة أمامه وقد انحسر عنها قدر غير قليل من فرحتها, وإن لم تفقد ابتسامتها وسط الزحام. كانت تحمل عددا من الكتب لايقترب من الحمل الثقيل الذي تخرج به كل عام من المؤلفات, فسألها صاحبنا مندهشا: - إيه الحكاية؟ - ما فيش جديد السنة دي, كفاية ان بتوع (ال .ايه. يو.سي) ما لهمش جناح بالمرة! ألم أقل لكم ان هذه الصغيرة تعرف ما تريد بالضبط, فمن وصفتهم بأنهم (بتوع إل ايه . يو . سي) ليسوا الا ممثلي مكتبة الجامعة الامريكية بالقاهرة, التي عقدت الصغيرة العزم على أن تشق الطريق إليها يوما, أسوة بأختها الكبرى. يغالبان شعورهما بخيبة الأمل, وينطلقان وسط الجموع الفرحة بعيد الكتاب الرائع والمتميز, ويغرق الوالد في تأملات كان لابد له من أن يبوح بها لأحد ولو لنفسه. جميل أن يحمل معرض الشارقة للكتاب صفة (الدولي) فهذا العرس الثقافي الرائع والمميز جدير بكل تقدير والجهد الذي يبذل فيه هو جهد كبير واستثنائي حقاً, ولكن صفة (الدولي) هذه تكليف قبل أن تكون تشريفاً. يعتقد صاحبنا أن اللجنة المنظمة عليها من الآن ان تقوم بما كان ينبغي القيام به قبل سنوات طويلة, وهو إعداد قائمة بدور النشر العالمية وفي مقدمتها اكسفورد وكامبردج وغيرهما من الدور الشهيرة للمشاركة مباشرة في المعرض ولو عبر أجنحة صغيرة في البداية. ينبغي أن يوازي هذا الجهد الترويج للجناح الأجنبي لدى القراء باللغات الأجنبية وهم كثيرون, وقدرتهم الشرائية لا يستهان بها لكنهم يعانون من أزمة ثقة بالمعرض, فالتجربة - المريرة غالبا - علمتهم أن ما يوجد بالجناح الأجنبي ليس إلا (الستوك) أو المخزون القديم الموجود في المكتبات المحلية, وهو حتى ليس مخزونا يجري تجديده بمناسبة المعرض, وإنما يجدد في نهاية كل عام مع تخلص دور النشر العالمية من مخزونها القديم بأسعار توشك أن تجعل الكتب مجانية تقريبا, ولكن المكتبات المحلية تجعل هامش أرباحها يتورم ويتضخم كل عام. مثل هذا المشروع يمكن أن يكون عمليا وقابلاً للتطبيق أي التنسيق مع دور النشر العالمية للمشاركة في المعرض مباشرة دون وسطاء, خاصة إذا جرى قبل ذلك التنسيق مع كبار المشترين مثل الجامعات وكليات التقنية والدوائر الحكومية والشركات الكبرى لتشجيع مثل هذا المشروع. لقد استطاعت اللجنة المنظمة الانطلاق من البداية المتواضعة للمعرض قبل سنوات طويلة تحويله الى عيد حقيقي, وحدث شديد التميز على امتداد الخليج, وليس تطوير الجناح الأجنبي بالأمر المستعصي عليها لو أنها وضعته من الآن في مقدمة المهام التي تتصدى للقيام بها استعدادا للدورة المقبلة للمعرض. في الأجنحة العربية كانت فرحة الجديد والمتميز من الكتب لاتوازيها الا فرحة اللقاء بأصدقاء قد لايراهم المرء إلا مرة كل عام. ويصافح الأب - بكثير من المودة والحب - د. يوسف عايدابي, ويهنئه على الجهد الذي تبذله اللجنة المنظمة في المعرض, وكم تمنى لو أتاح وقت هذا العربي الرائع من السودان أن يحدثه عن ضرورة تطوير الجناح الأجنبي, ولكنه لا يساوره شك في أن هذا التطوير جزء لا يتجزأ من هموم دكتور عايدابي ومن آماله ايضا. في جناح دار الآداب البيروتية يقف الأب والصغيرة طويلا ليصافحا صديقهما القديم نبيل نوفل مدير التوزيع بالدار, ويتحدثا عن الجديد في اصدارات الدار, ويحزن صاحبنا لأن الدار التي اشتهرت تقليديا بتقديم الروائع المترجمة عن الأدب العالمي لم تقدم عملاً واحدا مترجما منذ ,1996 وعلى وجه التحديد منذ لوح صاحبنا تلويحة الوداع للترجمة لأسباب ليس المجال رحبا لمناقشتها. وبالمحبة كلها يصافح صاحبنا صديقه الأديب محمد المر, وبينما يتجاذبان أطراف الحديث حول إصدار المر الجديد المندرج في ابداعات أدب الرحلات, لايملك إلا أن يطرح على نفسه السؤال القديم الجديد حول قدرة المر على تنظيم وقته, بما يتيح له مواصلة الابداع بانتظام في ظروف يبدو معها الاستمرار تحديا حقيقيا, ويسأل نفسه أليس من الملامح المضيئة لهذه القدرة على التنظيم أن المر يجد في زحام انشغاله الذي لايعرف الانتهاء بالدورة الراهنة لجائزة راشد الوقت ليشبع هوايته في التجوال في عالم الكتاب الأثير لديه؟ وتتعدد اللقاءات وتتوالى المصافحات, ولم لا, أليسوا في عيد اسمه معرض الشارقة الدولي للكتاب؟ والآن وبعد أن رحل الناشرون, وتركوا فرحة العيد في القلوب أليس من الطبيعي أن تحلق الأفئدة الى العيد المقبل؟ ويخرج الأب والصغيرة من تحت سقف إكسبو, وقد أسدل الظلام ستائره, لكن شمس نوفمبر الخريفية كانت لا تزال تتوهج - كعروس في ليلة عمرها - في قلبيهما, وسيظل وهجها في فؤاديهما, حتى نوفمبر المقبل.

تعليقات

تعليقات