استراحة البيان : والله(تستاهل)يا قلبي..!يكتبها اليوم- جلال عارف

كثيرة هي الاحتفالات بمشاهير الراحلين هذا العام, فبالصدفة كان عام 1898 عاما حافلا بالمواليد الموهوبين المبدعين الذين اثروا حياتنا الثقافية والفنية والفكرية , يكفي ان نذكر هنا توفيق الحكيم وام كلثوم ويوسف وهبي الذين تحتفل الدوائر الثقافية والفنية الآن بمرور مائة عام على ميلادهم. لكن احدا بالطبع لن يذكر هذا الشاعر البائس الذي ولد معهم في نفس العام ورحل في الاربعينات بعد حياة شاقة ومضطربة ذاق فيها الجوع والتشرد, ورثاه صديقه الشاعر كامل الشناوي بهذا الرثاء الشهير (اليوم مات شاعر تعرى واكتست الاضرحة, وجاع وشبعت الكلاب) ! لن يذكر احد هذا الشاعر المبدع عبدالحميد الديب, ولن تطبع دواوينه لانه لم يكن له يوما ديوان مطبوع, وكان هو يعرف ذلك حين قال: لقد جهلوا يومي ولن يكرموا غدي ويا حر قلبي من شقائي في امسي! كان شاعر البؤس (وهذا لقبه الذي اشتهر به) قد نشأ في اسرة ريفية بالغة الفقر, وكان من الممكن ان تنتهي حياته في قريته الفقيرة على نحو آخر, فقد الحقه ابوه ليعمل صبي جزار, لكن الفتى كان متمردا من صغره, وكان ذكيا متفوقا في دراسته التي بدأها بحفظ القرآن في كّـتـاب القرية, ومنها الى دراسة ازهرية في الاسكندرية ثم في القاهرة استطاع انهاءها رغم مشقة الفقر الشديد, ومن الازهر الى دار العلوم التي كانت توفر لطلبتها الغذاء وبعض المعونة المالية. كان الطريق الطبيعي يقوده لان يكون عالما ازهريا او مدرسا محترما للغة العربية, لكن القدر كان يخبىء له شيئا آخر, وكانت نفسه المضطربة تقوده الى طريق مختلف.. ليتحول في النهاية الى شاعر يبدد موهبته في استجداء الناس والشكوى من الزمن, بعد ان ادمن الخمر والكوكايين والصعلكة. ويقال انه التقى في بدايات تحوله مع عبقري الموسيقى سيد درويش وشاركه حياته البوهيمية, وكانت البداية حين كان سيد درويش يجلس في احد المقاهي (يدندن) بمطلع اغنيته الشهيرة (والله تستاهل ياقلبي) ولايستطيع اتمامها, فاذا بجاره يقترح عليه المطلع الشهير: والله تستاهل يا قلبي ليه تميل ما كنت خالي انت اسباب كل كربي وانت اسباب ما جرى لي ولم يكن الجار ــ كما تقول بعض الروايات ــ إلا عبد الحميد الديب الطالب وقتها في دار العلوم, وكانت صداقة التحق فيها الديب بسيد درويش الذي كان يغدق على أصحابه الى حد السفه, وعاش الديب سعيدا لأيام لم تطل, فقد اختطف الموت سيد درويش في عز شبابه وقمة إبداعه, ووجد الديب نفسه بلا مأوى ولا مورد, وبدلا من مواجهة الموقف, سار في طريق الضياع والصعلكة, وأخذه الإدمان إلى حيث أصبح أضحوكة في مجالس الشعراء والأعيان, يستجدي الطعام والشراب ويدفع الثمن من كرامته المذبوحة ويهدر طاقته الإبداعية في شعر ماجن يسترضى به الصحاب في السهرات: هات المدام فدين الله تيسير فأسعد الناس مخدور ومخمور هات المدام ولا تعرض لمتربتي مهما غلا العيش لم تغل القوارير ثم يصحو على مأساته, وبدلا من أن يثور على ضعفه, يبحث لنفسه عن الأعذار, ويوجه سهامه للدنيا والناس والظروف التعيسة: يقولون سكير .. فهل شربوا كأسي وهل شربوا البلوى كما شربت نفسي مضى الشعب عني غافلاً فجزيته على حسه الغافي بمختبل الحس وسكري صحو في بلاد أرى فيها حياتي لم تنجح على الطهر والرجس! وتستمر الدائرة لتطبق على الشاعر الموهوب, يهرب من بؤسه إلى الإدمان, ويقوده الإدمان الى حافة الجنون, ويدخل السجن أكثر من مرة .. بتهمة التشرد والصعلكة, أو السكر وشم الكوكايين, أو التهرب من الدائنين, ولكن السجن لا يردعه, ويدخله الصحاب الى مستشفى للأمراض العقلية ليعالج من إدمانه, ولكنه كان يرى السجن إنقاذا له من عالم يظلمه: له بفؤادي لذة ووجيب ومنه لقلبي بلسم وطبيب أما مستشفى الأمراض العقلية, فيعود له وعيه فيها ويسترد شيئًا من عافيته فينشد: رعاك الله (مارستان) مصر فإنك دار عقل لا جنون حويت الصابرين على البلايا ومن نزلوا على حكم السنين ويخرج من المستشفى أحسن حالاً, ويتزوج من أرملة, وتختلط المأساة بالملهاة في ليلة زفافه, فالحفل يقام في غرفته الخاوية, والمدعوون جاءوا للسخرية وليس للاحتفال, والبؤس يظلل الليلة, ومن الفرحة المسروقة يبكي: لقد حسدوني ليتني كنت دونهم فؤادا .. وأقضي بعض عمري منعما لكن البؤس يطارده, والصعلكة ترافقه, وينتهي الامر بالطلاق بعد ان كتب عدة قصائد رقيقة في زوجته التي احبها. ولا يبقى له الا التشرد, ويحاول البعض مساعدته, ويعمل مصححا في احدى الصحف مقابل طعامه ومأواه وتذكرة كوكايين كل يوم. وبعد ايام يلجأ اصحاب الصحيفة الى اعطائه ورقة بها جير بدلا من الكوكايين, ولا يدرك الفرق. ويظن اصحاب الصحيفة عندما استمر الحال على ذلك بعض الوقت ان مصارحته بالحقيقة سوف تجعله يبتعد عن هذا الداء الوبيل, ويصارحونه ولكنه يثور ويعتبر ما حدث خداعا له,ويترك العمل ويعود للشارع, ولكنه لا يترك الشعر ولا يتركه الشعر, فيقول قصيدته الشهيرة الماجنة: دع الشكوى وهات الكأس نسكر ودعك من الزمان اذا تنكر وهام بي الأسى والبؤس حتى كأني عبلة والبؤس عنتر كأني حائط كتبوا عليه هنا يا أيها المزنوق.. (طرطر) !! وتبلغ احواله من التردي ان يقبل العمل مساعدا لاحد الدجالين يندس بين الزبائن ليقوم بالدعاية له والابلاغ عن (كراماته) المزعومة, وكالعادة يترك العمل في أول فرصة. ويبتسم له الحظ مرة حين القى قصيدة في حفل كبير بمعهد الموسيقى حضره وزير الشؤون الاجتماعية, وهي الوزارة المشرفة على الفنون في ذلك الوقت, ويعجب الوزير بالقصيدة, ويلحقه بعمل في الوزارة, ويذهب فلا يجد مكتبا يجلس عليه ويكتب للوزير: بالامس كنت مشردا اهليا واليوم صرت مشردا رسميا ويصبح له مكتب, ولكنه لا يستمر كالعادة في عمله, ويعود للصعلكة وتتجاور القصص عن بؤسه وحاجته, مع قصص النوادر التي يصنعها بطيشه, فهو جاهز دائما بقصائد في الهجاء او المدح (حسب الطلب) . وهو شريك دائم في مجالس الظرفاء مع شاعر النيل حافظ ابراهيم وعبدالعزيز البشري وكامل الشناوي وامام العبد في مقهى الفيشاوي اوبار الانجلو او غيرها من الاماكن التي كانت تضم هؤلاء الساخرين العظام. لكن الديب بالطبع كان هو الطرف الاضعف يعبث به الاصدقاء فيغضب, ويسترضونه فيرضى. وكان كامل الشناوي يخرج من جيبه عشرة قروش ويقربها من الديب قائلا: ـ حضرتها.. عشرة صاغ! ثم يلتفت للورقة مشيرا الى الديب قائلا: ـ وحضرته الشاعر عبدالحميد الديب اي ان احدا منهما لم يسبق ان رأى الاخر من قبل! وكان الديب يرد هجاء مرا أو مديحا جريئا حسب الأحوال, ولكنه يحتبس في نفسه في كل الأحوال مرارة العلقم من الحياة والأصدقاء والظروف التي جعلته يبدد موهبته في الخمر والمخدرات والصعلكة. ولقد أعلن الديب توبته بعد ذلك, وبدا انه يتهيأ لحياة جديدة, ولكن القدر لم يمهله, ورحل دون أن يترك ديوانا واحدا, ولكنه ترك العشرات من الاسئلة التي لم يجب عنها النقد الأدبي عن هذا الشاعر البائس المظلوم, وهي اسئلة تستحق أن نقف عندها في حديث آخر, ولكن دعونا نروى لكم عن تلك الفرصة التي لاحت ذات مرة لكي يكون للديب ديوان مطبوع, حيث اتفق معه الكاتب الصحفي أحمد الصاوي محمد على طبع الديوان, وراح الديب يجمع ما يمكن نشره من شعره, ثم ساقته قدماه ذات ليلة الى بار (اللواء) حيث صحبه السياسي الساخر حفني محمود والد الفنانة رتيبة الحفني, وكان مشهورا بتدبير المقالب الطريفة, فطلب من الديب أن يهجو كامل الشناوي ــ وكان حاضرا ــ مقابل منحة سخية, ولم يتردد الديب فأنشد: بار (اللواء) لعنت بالشناوي وتلفت الديب حوله فوجد أحمد الصاوي قريبا منه, وبدون تردد أكمل البيت: ورزئت قبلا بالثقيل الصاوي! وغضب الصاوي وتساءل: لماذا تهجوني يا ديب؟ ورد الديب ببساطة وبين ضحكات الجالسين: انها القافية يا أستاذ, وأمري الى الله في طبع الديوان! وخسر الديب الديوان, وخسرناه نحن أيضا!! والحديث يطول عن هذا الموهوب الصعلوك الذي دمر نفسه, ولكني أقف بك أمام هذه الواقعة التي تصور جانبا من تمرد هذا الشاعر البائس الذي كان ينظم القصيدة مقابل أن يتعشى, فقد جاءوا اليه يطلبون منه قصيدة بمناسبة زواج الملك فاروق للمرة الأولى فيعلن ثورته في قصيدة لاذعة: أأصوغ في عرس المليك قصيدتي وأنا إلى الموت الرهيب زفافي وطويت عمري لم أفز بحليلة إلا حليلة عزتي وعفافي لو كنت من شعب المليك نظمتها من بهجتي وعواطفي وشفافي! رحم الله الديب, وغفر له... ولنا!

تعليقات

تعليقات