استراحة البيان: رائحة المسك في مئوية طه حسين: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

لم يكن فاروق الأول, ملك مصر من سنة 1936 حتى 26 يوليو 1952 يحب عميد الأدب العربي طه حسين. أما السبب في كراهيته للدكتور طه حسين فيقول العارفون انه في البداية لم يكن له علاقة بالسياسة , ولا بمواقف طه حسين من بعض القضايا الاجتماعية التي كان له فيها رأي واضح مخالف لما يراه جلالته, أو بمعنى أصح مخالف لما يراه مستشارو جلالته الذين كانوا في ذلك الحين أصحاب الكلمة النافذة فيما يعرفون وما لا يعرفون. ذلك ان الملك فاروق ــ رحمه الله وتجاوز عن سيئاته ــ كان مهموما بأشياء عديدة ليس منها مهام الملك وشؤون الدولة, فكانت هذه سداحا مداحا وأرضا مباحة للبطالة.. ابتداء من سائقه الخاص الذي يحمل لقب البيكوية ويسمى (قائد عام الركائب الملكية) , وانتهاء بحلاقه الايطالي الذي كان يقوم بخدمات خاصة جدا للملك المزهو بشبابه, بالاضافة إلى الحلاقة. وقصة الملك مع طه حسين, بدأت منذ ان كان الأول وليا للعهد يدرس في انجلترا ــ قبل وفاة أبيه الملك فؤاد ببضعة أشهر ــ وكان على رأس الوفد التربوي المرافق له عزيز المصري. وكان عزيز المصري هذا ثوريا عظيما. ووجدها فرصة لكي يجعل من الأمير الشاب الذي في عهدته حاكما وطنيا مثقفا تتجسد فيه أحلام الأمة بأسرها على غرار الحكام التاريخيين الذين أتيح لهم ان يقودوا شعوبهم من أجل الحرية والتقدم والرخاء. وفي اطار عملية الاعداد التي ألهبت خيال عزيز المصري, كان مهتما بنوع خاص بتعريب التكوين النفسي للأمير الشاب, وهو أمر كان ينقص أباه وجدوده من سلالة محمد علي ذي الأصل الألباني ــ الأرناؤوطي ــ القادم من قَوَلَة.. وذلك بأن يفتح له خزائن الأدب العربي ليغرف منها, ويتعلم.. ويتعرب. فكان من أول الكتب التي أهداها للأمير, وطلب منه ان يدرسها جيدا لأنه سوف يمتحنه فيها, كتاب (مع المتنبي) وهو كما نعرف دراسة نقدية بالغة التشويق, والعمق للشاعر العربي خالد الذكر, ومن أفضل مؤلفات الدكتور العميد. وللقارىء ان يتصور وقع هذا الكتاب لدى صبي مترف ــ ولي عهد مملكة ــ لا يحفظ بيتا واحدا من الشعر العربي.. وأغلب الظن انه لم يكن قد سمع باسم المتنبي وسط الحشد من المربين والمربيات الطلاينة الذين تربى معهم ولم يعرف الدنيا إلا من خلالهم. ولأن فاروق أصلا كان يضيق ذرعا براعيه عزيز المصري المتشدد دائما والذي يعامله معاملة ناظر المدرسة الحازم على طول الخط.. والذي لا يعترف بأبسط واجبات النفاق المعتاد لذوي المقامات العالية فوق جميع الرؤوس بحكم المولد, وبحكم المستقبل كصاحب العرش بعد عمر طويل أو قصير.. لذلك لم يطق لغة الكتاب الهدية, كما لم يطق اسم مهديه أو مؤلفه. ومنذ ذلك الحين أصبح اسم طه حسين كريها لدى الأمير الذي أصبح ملكا وهو صبي دون السادسة عشرة. ولمس أفراد البطانة كراهية الملك الشاب لطه حسين فزادوا من جرعاتها.. وأصبح لقبه المفضل في القصر (الشيوعي الأعمى) بعد ان وصفوا له كتاب (المعذبون في الأرض) الذي ألفه الدكتور العميد في أواخر الاربعينات بأنه نسخة عربية من البيان الشيوعي!! وطبعا, الملك لم يقرأ البيان الشيوعي, كما لم يقرأ (المعذبون في الأرض) .. ولكنه لم يكن يملك الا ان يصدق أقوال الحاشية, لسبب بسيط هو انه لا يرى ولا يسمع سواهم. ثم كانت الطامة الكبرى عندما قدم النحاس باشا اسم طه حسين للملك كوزير للمعارف (التربية والتعليم) في وزارته التي شكلها عقب انتصار حزب الوفد المدوي في آخر انتخابات برلمانية أجريت بمصر قبل الثورة. وقيل ان الملك هاج وماج وضرب بقبضة يده على المائدة حتى أسقط كوبا ــ أو كأسا ــ كان عليها, ولكن النحاس المؤيد بأكبر أغلبية برلمانية شهدها التاريخ (قبل برلمانات الــ 99 بالمائة).. تمسك بمرشحه واضطر الملك في النهاية الى الرضوخ.. واصبح طه حسين ــ الرجل الذي طرد من الجامعة في العشرينات بسبب كتابه (في الشعر الجاهلي) ــ وزيرا للتعليم قبل مضي 25 سنة من تاريخ الطرد. وفي أول تصريح له عقب توليه الوزارة قال قولته المشهورة, ان التعليم حق مشاع لكل المواطنين تماما مثل الماء والهواء. ولم يكن هذا مجرد كلام أو أسلوب بلاغي, ولكنه كان تعبيرا عن منهج وسياسة تجسدت في مشروع قانون قدم للبرلمان بفرض مجانية التعليم بمصر في كل مراحل ما قبل الجامعة. وقامت القيامة ضد الدكتور العميد ولم تقعد. الملك وأفراد حاشيته تذكروا أحقادهم القديمة ضد طه حسين, ووجدوا في مشروع مجانية التعليم قبل الجامعة دليلا مؤكدا على انه شيوعي!! ولكن الأدهى ان هذه الدعوة ــ رغم تأييد النحاس لها ــ وجدت معارضة عنيفة جدا من جانب قيادات الوفد ذاته, حتى ان مشروع قانون المجانية عندما عرض على مجلس الشيوخ حينذاك وبرغم الأغلبية الوفدية فيه, لم يستطع الدكتور انتزاع الموافقة عليه. وكان أعنف نقد وجه الى طه حسين على شكل صرخة احتجاج مدوية من جانب أحد باشوات ذلك الزمان. ــ ماذا يا دكتور؟.. هل أصبحت أعمى البصيرة مثلما انت أعمى البصر؟.. هل تريد مجانية التعليم لكي يتعلم أبناء الفلاحين؟ قال طه حسين: ــ هذا بالضبط ما أريد.. ان تتاح فرصة التعليم لأبناء الفلاحين. وهنا أدلى الباشا الفصيح بحجة المقاطعة: ــ ألم تسأل نفسك يا دكتور فصيح, من الذي سيزرع أرضنا اذا تعلم أولاد الفلاحين؟ أجاب طه حسين بقوله: ــ لا أدري سببا يشترط للزارع ان يكون أميا.. أو يفترض في الأمي ان يعمل في الزراعة. ولكن المجلس أرجأ الجلسة. ولم يتح أبدا لمجلس الشيوخ ان يصوت على مجانية التعليم لكي تصبح قانونا. ومع ذلك, فإن الوزير طه حسين استخدم سلطاته, فأصدر قرارا وزاريا يحرم على المدرسة ان تمنع طالبا من أداء الامتحان, أو تبعده عن فصول الدراسة بسبب عجزه عن سداد المصروفات المدرسية. وهكذا, لم يعد أحد مضطرا الى سداد المصروفات. وأصبح التعليم عمليا ــ مجانا ــ في الابتدائي والثانوي والمدارس الفنية المتوسطة. بل لقد امتد هذا القرار الى الجامعة والمعاهد العليا. ومع ان حكومات ما بعد الوفد ــ منذ اقالته في 26 يناير 1952 حتى اندلاع ثورة يوليو ــ حاولت التحايل على هذا القرار بمنع اعلان نتيجة امتحان الطالب الا بعد سداد المصروفات المتأخرة عليه, غير ان هذه المحاولة لم يقيض لها النجاح.. لأن الثورة اندلعت وأطاحت بالنظام كله قبل ظهور نتائج الامتحانات. ورحم الله طه حسين.

تعليقات

تعليقات