حديث الذكريات:الحاج عبيد محمد سعيد الحفيتي… ارتباطي بالأرض والزراعة منعني من السفر والارتحال

ترتبط رحلة حياة الحاج عبيد محمد سعيد الحفيتي ارتباطا وثيقا ودائما بالأرض, وهو شديد الاعتزاز بهذه الرابطة التي مكنته من الوصول الى غاياته في استقرار حياته دون أن يغادر ــ كما فعل كثيرون غيره ــ الى مناطق أخرى سعيا وراء الرزق . الحاج عبيد يعترف في بداية حديثه عن الذكريات بأن فضل الله كان كبيرا على كل أبناء الامارات بعد أن من علينا سبحانه وتعالى بنعمة القيادة الحكيمة والرشيدة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة أطال الله عمره وأخيه فقيد الوطن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه, لأنهما معا عملا على إسعاد كل مواطني الدولة عندما أطلقا شعلة الاتحاد التي لا تزال متوهجة في كل ربوع بلادنا. ويمضي الحاج عبيد ليرصد ذكرياته منذ ولادته في نهاية عشرينات القرن الحالي فيقول: رحلتنا نحن أهل منطقة (القرية) بالفجيرة رحلة يجب أن تحكى فقد تحولت حياتنا كثيرا خلال سنوات (الاتحاد) , فقد خرجنا من العتمة إلى النور, ومن حياة الشظف والمعاناة الى عيشة اليسر والرفاهية التي يعيشها أبناؤنا وبناتنا, ونحن هنا في (القرية) ندرك جيدا معنى الوحدة ونعرف تماما أصحاب الفضل ونضعهم دائما في قلوبنا لأنهم (ما قصروا) ووفاؤنا لهم إنما هو رد للجميل. ويعود ضيفنا الى الأرض التي شهدت صباه وشبابه وتشاركه أيضاً كهولته, فالمزرعة التي أعطاها عمره وجهده وعرقه لايزال حبها ينبض في عروقه ويجري في دمه. الفلاحة مهنتي يقول الحاج عبيد ــ أمد الله في عمره ــ : لقد أمضيت صباي في فلاحة الأرض, وكنا في ذلك الوقت نقيم في منطقتنا القديمة غرب (القرية) الحالية, ولم تكن لدينا سوى الوسائل البدائية التي ساعدتنا في الزراعة, وأعانتنا على حفر الآبار وإن كنا لقينا في ذلك مشقة كبيرة لكن حياتنا وظروفنا في ذلك الوقت كانت ترغمنا على امتهان الفلاحة فالأرض صالحة ومصادر الرزق شحيحة, وفي الوقت نفسه لم نكن من الساعين للهجرة أو الارتحال, وكانت القناعة بالرزق المحدود هي شعارنا, ولم يكن البحر بقريب منا كما هو الآن بعد أن تحولنا باتجاه الشرق في مساكننا الحالية التي بنيت في نهاية السبعينات. ويضيف الحاج عبيد عن حياة المزارعين في الماضي فيقول: كانت صعبة, نعم صعبة, كان هذا قبل قيام الاتحاد, وكنا نشعر بالاسى لما يواجهنا حتى اعلان دولة الاتحاد فقد فاض الخير علينا, واستطعنا ان نطور مزارعنا البدائية التي لم يكن يزرع فيها اصحابها الا بعض الخضر التي لم يكن الناس يعرفون غيرها لنشترى بثمنها بعد البيع بعض حاجاتنا الضرورية, كالطحين والعيش واحيانا السكر. اما بعد قيام دولة الاتحاد فقد جاءتنا المكافأة الكبرى من قائد البلاد الذي عرفناه وعرفه العالم محبا للزراعة والذي استطاع ان يحول رمالنا الصفراء الى اراض خضراء تجود فيها احسن المحاصيل والمزروعات, مما جعلنا في مقدمة البلاد التي تهتم بالزراعة وترعى كل من يتخذها مهنة افضل رعاية. ويضيف: ان (زايد) اطال الله عمره علمنا ان فلاحة الارض هي الاصل في اعمار الارض وهي الاساس في التمسك بها والحفاظ عليها وذلك يعني ان الارض المخدومة ــ اي المزروعة والمثمرة ــ هي عنوان كبير للوطنية ولحب الناس والاهل وهذا ما فعله قائدنا جنبا الى جنب مع اقواله التي لا فرق بينها وبين افعاله, والجميع يشهد بما قدمه القائد للارض وما بذله للمزارعين, فاليوم كل مزارع يمتلك مزرعة وربما مزرعتين, ولديه من المعدات والوسائل الحديثة ما يعينه على زراعتها بمحاصيل تدر عائدا طيبا كما يحقق للاسر حياة مستقرة وهانئة, كما ان فتح مراكز لتسويق منتجات المزارع افادنا جميعا وزاد من دخولنا, وايضا تم فتح مراكز لجمع التمور من اصحاب النخيل لتكون العوائد اكبر والحياة افضل وايسر. الحياة عند سفح الجبل ويعود ضيفنا الى ذكرياته البعيدة في منطقته (القرية) التي شهد معها كل احداث حياته ولايزال. يقول وهو يشير الى الجبال العالية الواقعة خلف منزله الحالي: كنا وحتى عشرين عاما فقط نقيم هناك خلف الجبال وعند السفح في الموقع القريب من مزارعنا التي ورثناها عن الاجداد والآباء وتعهدناها بالرعاية وبذلنا فيها الجهد لتبقى خضراء وتزداد رقعتها مساحة من أجل الأبناء والأحفاد, وكانت بيوتنا ــ وهي خمسة بيوت للأهل ـ تبعد عن مساكن (القرية) القديمة حوالي كيلو متر واحد, وقد بنيت من الحصى والرمل وأحجامها صغيرة لكنها كانت فسيحة واسعة بما انتشر بيننا من محبة وتعاون وهدوء وشعور بالأمن والاستقرار فالكل يتعامل بأمانة وصدق, وعلى رأي رجل واحد عند وقوع المصاعب او مصادفة الطوارىء, ولم يكن لدينا في ذلك الوقت كهرباء وبالتالي لم نعرف الراديو او التلفزيون, وكان النوم المبكر والاستيقاظ المبكر من أهم عاداتنا وهذا ما تفتقده أجيال الحاضر, ولا تلتفت اليه كثيرا رغم أهميته. لذة الحياة في الكفاح والصبر ويواصل الحاج عبيد حديثه: لم أتحدث عن نقص الماء والمعاناة في الحصول عليه من آبار كنا نحفرها بأنفسنا لنشرب منها ونسقي (حلالنا) ونروي مزارعنا, لكننا رغم هذا كنا نشعر بطعم الحياة وطعم الكفاح ولذة الصبر عندما تمضي بنا الأيام على خير وفي أمان على عكس ما نشهده الآن من ضيق الشباب أمام أقل صعوبة تصادفهم في حياتهم, وليتهم يعرفون كم شقينا وتعبنا وعانينا قبل أن يأتي الخبر الوفير على أيدي زايد واخوانه الحكام. ويقول: أتذكر انني وفي صباي كنت أعمل مع أبي وجدي في المزرعة وكنت أتحمل المسؤولية تماما كرجل, بل وكنت اضافة الى ذلك أخرج للقنص وجمع العسل من أعالي الجبال, ومازلت اذكر خروجي للقنص وسعادتي بالعودة وأنا أحمل بين يدي غزالا أو غزالين أصيدهما ببندقية قديمة كنت امتلكها, فأقوم بتخصيص جزء للأهل والباقي أذهب لبيعه في سوق (مربح) القريبة منا او في سوق الفجيرة التي أذهب اليها مشيا على الاقدام فأقطع الطريق التي لا يزيد طولها على عشرة كيلو مترات في ساعتين ذهابا ومثلهما في الإياب, وبالمناسبة لم نكن نعرف الموازين بل كنا نبيع لحوم الغزلان بالقطعة, وكانت حصيلة بيع الغزال الواحد حوالي عشر روبيات وهي نفس حصيلة بيع أي (تيس) من الحلال فلم يكن أحد يفرق بين هذا وذاك في الثمن مادام اسمه لحماً. ويوجه كلامه للشباب قائلا: والحقيقة ان أسعدنا حالا في ذلك الوقت هو الذي يبذل جهداً أكبر لأن كل جهد فيه ثمرة تفيد الأهل جميعا بلا استثناء, ومهما كان العائد قليلا بالنسبة للجهد, الا ان الفائدة التي تعود على الأهل تعتبر كبيرة لأنها توفر لهم احتياجاتهم, وتغنيهم عن سؤال الآخرين, وتحفظ لهم كرامتهم وحياتهم, ولأن الحياة كانت رخيصة في ذلك الوقت, فإن ما نبيعه لم نكن ننفقه فيما لا فائدة فيه. أو في الاشياء المظهرية, بل كنا نشتري به لوازم البيت المعيشية كالعيش والسكر والطحين, وكانت الروبيات العشر تشتري ما يكفي لمدة أسبوع من هذه اللوازم, وهذا يعني ان علينا ان نعمل بجد كل اسبوع لتوفير احتياجات الاهل, واذا لم نجد في القنص أو جمع العسل أو المزرعة ما يوفر لنا ما نحتاج نلجأ الى الحلال فنبيع تيسا كل أسبوع لأننا نربي الحلال ونهتم به لأنه في ذلك الوقت مصدر للمال سواء ببيعه أو بيع منتجاته من (السمن) التي كانت النساء يقمن بصناعته في وقت لم تكن فيه المرأة تعرف الا عملها في بيتها ورعاية أبنائها وتوفير كل احتياجاتهم وتدبير شؤون أسرتها بكافة الطرق. ويأتي الحاج عبيد على ذكر العسل الذي كان يجمعه من أعالي الجبال فيقول: لن يصدق الناس اننا كنا نبيع العسل الذي نجمعه بروبية واحدة للكيلو, بينما سعره الآن بين 500 وألف درهم, رغم ان عسل زمان كان أنقى وأندر وأفيد. الزراعة .. مهنتي ومصدر فخري ويعود الحاج ثانية للحديث عن الزراعة, فيقول: أشعر بالفخر الزائد لأني بدأت حياتي بمهنة الزراعة, فهي الأصل لأنها ترتبط بالأرض, وأشهد الآن صادقا انها وفرت لنا ولأهلنا أيام الزمن الصعب حياة أفضل من الآخرين, فالأرض تمنح عطاءها لمن يخدمها ولمن يرعاها ولمن يتمسك بها, ويكفيني فخرا ان مزرعتي ــ التي ورثتها عن الأجداد والآباء ــ هي المزرعة رقم واحد في سجلات وزارة الزراعة التي تضم كل مزارع منطقتي, واذا كنا نقول دائما ان (الغنم بريكة) أي وجودها بركة وخير فإننا نقول ان الزراعة عطاء ونماء وخير ميراث نتركه للأبناء. وللتدليل على دور مزرعته وأثرها في حياته, يقول: في الخمسينات والستينات وفي ظل ظروف الناس الصعبة والقاسية رحل كثيرون الى السعودية وعملوا هناك لسنوات قبل ان ينتشر الخير في بلادنا, لكني لم أغادر مزرعتي لأني كنت أشعر ان عائدها يكفيني وأسرتي, وكانت القناعة موجودة والرضا بالرزق موجود, وحب الارض التي رويتها بعرقي جعلني أرفض مغادرة الحارة مهما كان العائد مجزيا. عاونت المهاجرين ولم أهاجر وبمناسبة الحديث عن الهجرة من اجل الرزق يقول: كان الناس يتعاونون لمساعدة من يرغب في السفر, كنا نعطيهم قرضا نجمعه من بعضنا البعض ليسددوه بعد عودتهم, ولم نكن بحاجة الى أوراق وضمانات, ولم يكن احد من المقترضين بحاجة لخسارة سمعته بين الناس من أجل حفنة (روبيات) , فقد كان الكل على نفس الشاكلة من الامانة والصدق والاخلاص وحب الخير للناس والتكافل في كل الامور وفي الاوقات, لقد شاركت في عون المهاجرين لكنني لم اهاجر, ولم اسافر مثلهم للسعودية الا للحج ثلاث مرات. ولأن الحديث عن الزراعة يطيب للحاج عبيد فقد استمر ليقول: كنا نزرع الفندال (البطاطا الحلوة) , والبصل, والقمح, والشعير, والذرة, وأحيانا التمباك أو الغليون, وكنا نبيع نتاج الارض من الحبوب المن (أربعة كيلوجرامات) بروبية واحدة, اما الغليون فقد كنا نبيعه في خورفكان لتجار يقومون بتصديره الى الكويت والبحرين وقطر وكان سعره أي الغليون حينذاك من 3 الى 10 روبيات. ويواصل: قلت ان المزرعة حمتنا من شظف العيش ورغم ان الجهد المبذول فيها كان كبيرا الا اننا لم نمل ولم نكل فالحياة كفاح, وكنا نستخدم الداس والمسحاة في ترتيب الارض, والقدر للحصول على الماء من البئر فلم تكن لدينا ماكينات كما هو حاصل الآن, وقد فكرت يوما وقبل اكثر من ثلاثين سنة في شراء ماكينة وبالفعل اشتريتها بحوالي الفي روبية وهي ثروة في ذلك الزمان وكانت صناعة هندية, واستخدمناها في السقاية لمزارعنا ومزارع الجماعة وخدمت الماكينة 13 مزرعة كنا نتقاضى عنها صرفية اي اجرة للري, اما الآن ومنذ قيام دولة الاتحاد فإن وزارة الزراعة وفرت لنا الماكينات الحديثة وأصبحت الزراعة مهنة اسهل من زمان والانتاج متنوع اكثر والعوائد منها عالية ووفيرة, كما زادت اعداد المزارع فالمواطن الآن عنده مزرعة او اكثر, والناس في عهد زايد لا تطلب شيئا لأن زايد اطال الله عمره يعطي الجميع بلا طلب لآنه يعتبر الجميع اهله ولا يفرق بين احد منهم. احتراف اصلاح الماكينات ويحكي الحاج عبيد عن احترافه لمهنة اصلاح ماكينات الري فيقول: عندما انتشرت هذه الماكينات في المزارع اعتمد أهل القرية على رجل من كلباء اسمه (حمد ميحد) كان يقوم باصلاح هذه الماكينات, وقد التقطت منه الصنعة حتى احدثها واصبحت اقوم بنفسي باصلاح كافة ماكينات المزارع في المنطقة وظللت امتهن هذه الحرفة لسنوات جنبا الى جنب مع الزراعة. وينتقل بنا الحاج عبيد الى واقعه الجميل الذي يعيشه الآن فيقول: اشعر بقيمة النعمة التي اسبغها الله عز وجل علينا نحن ابناء الامارات, فقد عشنا في ظل الاتحاد وقادته الكرام في عز ورفاهية, اولادنا تعلموا وتخرجوا في الجامعة, وشغلوا الوظائف وكونوا الاسر, ويعيشو ن حياة مستقرة هانئة, انني لن انسى ما حييت ان ابني الاكبر وهو البكر وصل الى سن التعليم لكنه لم يستطع الالتحاق بالمدرسة لانها لم تكن قد وجدت في منطقتنا بعد, وعندما بلغ الابن الثاني سن التعليم كانت المدرسة قد انشئت في منطقة (مربح) فدخلها الثاني قبل الاول لانني الحقته فيما بعد, وكنت قد بدأت اعلمه الزراعة قبل افتتاح المدرسة, والحمد لله الجميع من بنين وبنات درسوا وتخرجوا ولدي واحد من ابنائي يدرس الآن في كلية الزراعة بجامعة الامارات ليشارك اخوانه في نهضة الزراعة حبا بالوطن وتحقيقا لتوجيهات القائد زايد حفظه الله ورعاه. حوار - محمود علام

تعليقات

تعليقات