استراحة البيان: موقعة الطرابيش الحمراء: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

من حسن حظ الأجيال الجديدة, وربما من سوئه في حالات معينة, اننا, معشر الجيل القديم, أقدر على فهمهم مما كان آباؤنا في الماضي بالنسبة لنا . فنحن نفهم ــ مثلا ــ لماذا يكون من الطبيعي جدا ان يختلف الأبناء مع الآباء. انهم يولدون, ويشبون عن الطوق في عالم مختلف. وهناك أشياء وعوامل لا حصر لها لم تكن موجودة حيث نشأتنا تتدخل اليوم في تكوينهم النفسي لكي تجعلهم ينمون على نحو مغاير جدا لما تعارف عليه آباؤهم وأجدادهم من ألوف السنين. ونحن ــ أي جيل الآباء ــ نتعامل مع هذا الخلاف بالصبر حينا, وبالغيظ المكتوم حينا, وبالاستسلام لقضاء الله وحكمته في معظم الأحيان. ولكن آباءنا لم يكونوا معنا كذلك, فأي اختلاف في الرأي, سواء في موضوع هايف أو مهم, انما هو تمرد وعصيان بل وعقوق يستحق الابن من أجله اللعنة إلى أبد الآبدين. أذكر ان أبي رحمه الله كان يحفظ عن ظهر قلب قصيدة لشاعر عربي قديم ينعي فيها لنفسه وللناس عقوق ولد عصاه, ويتوقف بنوع خاص عند بيت يقول: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وأذكر كم كان قلبي الفتي حينذاك يتقطع ألما وأنا ألمح دموعا تكاد تقفز من وجه أبي المكلوم على عقوق ولده, فإذا بي أنحني على يده أقبلها مستغفرا ومتنازلا عن كل قول لا يرضيه. ولعلني اليوم أدرك انني في ذلك الحين لم أكن أملك اللغة ولا الحجة التي أستطيع بها اقناع أبي ان ما يراه عقوقا مني ليس في الواقع تمردا عليه, ولا عصيانا لمشيئته, وانما هو مجرد رغبة طبيعية لدى أي جيل صاعد في نزع وصاية الجيل الأقدم عنه, والانطلاق لمواجهة الحياة المتجددة بمفاهيم جديدة. وهذه الرغبة الطبيعية قد تأخذ شكلا متطرفا حينا, وقد تظل مكبوتة حتى تنفجر على شكل ثورة عارمة حينا آخر, وقد تعبر عن نفسها بشكل رمزي في معظم الاحيان. وهذا بالتحديد ما كان في موقعة الطرابيش, التي لو أنصف المؤرخون لسجلوها باعتبارها احدى الارهاصات الاولى لثورة 23 يوليو!! قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: ــ وكيف كان ذلك؟ قال, زعموا يا مولاي ان الطربوش في عصر ما قبل الثورة كان له شنة ورنة دونها تاج الملكة, أو قبعة العم سام. كانوا يقولون ان على رأس الافندي أو ما فوقه من رتب, هو رمز الكرامة القومية وعنوان العزة ودليل الحس الوطني وقيمة الشخصية, حتى ان أعظم اهانة تلحق بالمرء ويعاقب عليها القانون كانت ان يطيح أحدهم بطربوش الافندي من فوق رأسه فيسقط على الارض معفرا بالتراب. وكانت هناك قصائد يحفظها التلاميذ لكبار الشعراء تتغنى بمآثر الطربوش وجلال لونه الأحمر ورشاقة زره الأسود وهو يتدلى مزهوا على جنب كأنه ريشة في ذيل الديك الرومي! ولكن الجيل الجديد المتمرد بطبعه لم يكن يرى في هذا الطربوش سوى انه علامة غير معقولة بالمرة على وصاية الجيل القديم, ولم يستطع احد ان يقنعه كيف تكون قصاري الزرع المقلوبة فوق الرؤوس رمزا للعزة وكرامته الوطنية لمجرد ان لونها أحمر, ويتدلى منها زر أسود! وواضح ان هؤلاء الفتيان كانوا صادقين جدا مع أنفسهم وهم يرون ان هذا الطربوش لا يقي رؤوسهم من برد الشتاء ولا قيظ الصيف, وان المستفيد الوحيد منه كان صاحب محل الطرابيش المجاور للمدرسة, والذي كان يتقاضى نصف قرش بالتمام والكمال في مقابل كي الطربوش الواحد. واذا كان هناك مستفيد آخر فهو ضابط المدرسة, الذي كان يستمتع جدا وهو يتفقد طابور الصباح ان يهوي بكفه الغليظة على طربوش اي تلميذ لا يعجبه شكله فيكبسه على رأسه, ولا يعود بعدها صالحا للارتداء الا بعد ان يعاد كيه من جديد. حتى كان ذات يوم, قرر أربعة من أصحاب الطرابيش المكبوسة ألا يكووها, وان يعودوا في صباح اليوم التالي للمدرسة بلا طرابيش. وكان منظر رؤوس الأربعة العارية وسط غابة الطرابيش ليس شديد الاثارة لزملائهم المعجبين, بقدر ما كان شديد الاستفزاز لضابط المدرسة الذي ساقهم فورا إلى حضرة الناظر, ومن هناك إلى خارج المدرسة مطرودين. وفي صباح اليوم التالي كان أكثر من نصف المدرسة عراة الرؤوس بدون طرابيش. ومع ان الجميع استمعوا في أدب الى خطبة حضرة الناظر التي بدأها مهددا متوعدا بالويل والثبور وعظائم الأمور وأنهاها ناصحا كأب رحيم, ومستنجدا بكل قيم الوطنية والاعتزاز القومي لكي يتوب المخالفون إلى رشدهم ويستعيدوا احترامهم للطربوش, الا ان طابور الصباح في اليوم التالي لم يشهد سوى طرابيش الأساتذة الكرام, وطربوشين أو ثلاثة في الفناء, كانت أشبه بعلامات الرسوب الحمراء في شهادة درجات امتحان نهاية العام. واستطرد بيدبا الفيلسوف. لا أعرف اذا كان حضرة الناظر قد راجع رؤساءه بالوزارة, ملتمسا منهم رأيهم فيما يجب ان يفعل. ولكن الذي حدث هو ان التلاميذ المطرودين عادوا للمدرسة. وان الجميع سعدوا جدا بانتهاء دولة الطرابيش, الأبناء والآباء, وحتى معظم المدرسين. وبالمناسبة, أذكر عندما بدأت الدراسة بجامعة القاهرة في العام التالي, لم يكن هناك في كليتي الآداب والحقوق المتجاورتين سوى طربوش واحد شديد الاحمرار يرتديه طالب ينتمي الى الحزب الوطني القديم. وقد ظل متمسكا به حتى بعد ان تخرج بسنوات, ربما كعلامة ينفرد بها دون العالمين, وحتى بعد ان أصبح زعيما لأحد أحزاب ما بعد الانفتاح.

تعليقات

تعليقات