استراحة(البيان):نجاح الموجي معاناة فنان كوميدي:يكتبها اليوم- محفوظ عبدالرحمن

حدث هذا في بداية الثمانينات وكل شيء يتغير حولنا, وكأننا نعيش أمام كاميرا تلفزيونية تنقل لنا أخبار الدنيا التي لا نعرفها, وفي غالب الأمر لا نفهمها . في ذلك الوقت دعاني أحدهم, ولا أذكر للأسف من هو, وربما كان ممثلا, لحضور مسرحية اعتقد انه كان مشاركا فيها. واذكر انه كان معي في هذه الدعوة المخرج المتميز جدا عباس ارناؤوط ومن المحتمل انني مازلت أذكر صحبته لأن أحد صغار الممثلين عرف اننا نشاهد العرض فأتى ليتعرف علينا, اذ كنا ــ عباس وأنا ــ نقدم مسلسلات معا. ويبدو ان هذا الممثل كان من رأيه ان المخرج أهم من المؤلف على الاقل بالنسبة له. لذلك أتى مندفعا يرحب بالمخرج, لكن الخطأ الذي نجده دائما في مسرح (الفودغيل) وهو انه ظن انني عباس, ولذلك احتفى بي احتفاء شديدا, ولما أراد عباس ــ الذي من المفروض ــ ان يكون أنا بالنسبة له كان يتجاهله لحسابي وكان ذلك بالطبع موقفا لا ينسى. ولأننا كنا ــ عباس ارناؤوط وانا ــ مدعوين, اضطررنا للدخول الى الكواليس لتحية الممثل الذي دعانا وفي دهاليز الكواليس قابلت نجاح الموجي لأول مرة. وتوقف مصطنعا الغضب وقال لي: ماذا أتى بك الى هذه المسرحية؟! وكان يعني انها مسرحية من النوع الذي لا يعجبني. وكان نجاح الموجي آنئذ واحدا من مجموعة ممثلي الكوميديا في مرحلة ما بعد (مدرسة المشاغبين) مثل احمد بدير ومحمود القلعاوي والمنتصر بالله. وبدأنا نلتقي بالصدفة في أماكن مختلفة, وكان صالح فؤاد صديقا مشتركا. وكانت صورة نجاح الموجي في ذهني هي الصورة العامة انه شخص جاهل بذيء يتعاطى المخدرات. ربما أتت هذه الصورة من الادوار التي كان يمثلها. والغريب انها ظلت في وجدان بعض الناس حتى الآن. ولم يستطع ربع قرن من الشهرة ان يغير هذه الصورة في أذهان الناس, بل ربما حدث العكس. وتساقطت هذه الصورة شيئا فشيئا.. عرفت انه خريج المعهد العالي للخدمة الاجتماعية ورغم اسمه, الا انه بؤرة ثقافية دفينة. ومن خريجاته ليلى طاهر, وايضا الكاتب الكبير صلاح عيسى, والدكتور صبري حافظ الذي يعد واحدا من أهم نقاد الادب. ومن اساتذة هذا المعهد الذين شكلوا أجياله الدكتور سيد عويس عمدة اساتذة الاجتماع. وفي البداية توظف بشهادته الدراسية كما كان يفعل كل الفنانين في عصره, إذ كان طريق الفن غير مأمون, ولم يكن ايضا ميسورا بالنسبة لنجاح, فلقد بدأ بأعمال ادارية في المسرح مدفوعا بحبه للفن, ثم مثل أدوار الكومبارس لزمن طويل. وظل نجاح الموجي محتفظا بوظيفته حتى بعد ان نجح في عالم الفن, حتى صدر له قرار بالترقية الى وكيل. وكان سعيدا بهذه الترقية الى حد أدهش الكثيرين. وفي فترة يحمل القرار في جيبه لأن بعض الناس رفضوا ان يصدقوا ما يقال, بل وكانوا يظنون ــ مثلما كنت أظن في البداية ــ انه لا يحمل شهادة جامعية. وربما كان نجاح الموجي أشهر الخارجين عن النص في المسرح, ولكنني أشهد انه لم يقل أمامي في يوم من الايام كلمة بذيئة رغم انني عرفته عن قرب ولفترات طويلة. وحتى في مجالس الرجال حيث تزلف الألسنة بعبارات أو بكلمات. ولقد سافرت مع نجاح الموجي في رحلات عمل مختلفة الى الخارج والداخل, وسهرت معه في أماكن مختلفة, فلم أر انه يقترب من أي (مكيفات) على حسب ما يدعوها البعض. ومع ذلك فعندما سمعنا الخبر المفجع قال أحدهم بثقة: لابد انها جرعة زائدة!! وبعد سنة أو سنتين حدث أول تعارف حقيقي بيني وبين نجاح الموجي. عندما اكتشفت ان اسمه ليس نجاح الموجي. ومن هنا يبدو الأمر عاديا, فكثير من الممثلين غيروا أسماءهم لتصبح أيسر في التداول من صباح الى شادية الى نور الشريف, ولكن الغريب ان لنجاح أو (عبدالمعطي) أخا أكبر اسمه نجاح! أخذ نجاح أو (عبدالمعطي) اسم أخيه الأكبر اسما فنيا له, وكان الأخ الأكبر معوقا, لكن نجاح أو (عبدالمعطي) كان يحمله بنفسه أينما ذهب, وكان يأخذ رأيه في كل عمل يعرض عليه ويشركه في رحلاته ونزهاته وصداقاته. وعندما مات نجاح (الذي هو اسمه فعلا) رأيت نجاح أو (عبدالمعطي) في أسوأ حالات الحزن, والدلالة على ذلك انه اضطرب بعد ذلك, ومر بحالة اكتئاب, لولا حبه للفن ومساندة اصدقائه ومساندة أسرته الصغيرة التي أراها من أجمل الأسر التي رأيتها في حياتي وأكثرها تعانقا وصدقا ومحبة. قصة نجاح الموجي الأخ الأكبر لنجاح الموجي الذي نعرفه جعلتني التفت اليه بشدة وأتأمل نسيجا انسانيا صادقا. ولا أدري متى حدث انني وعباس ارناؤوط كنا نعد لمسلسل (مصرع المتنبي) , ولا أذكر من الذي اقترح ان يمثل نجاح الموجي دور (ضبة) الذي قيل ان المتنبي هجاه بقصيدة كانت سببا في مقتله. وأنكر محمود شاكر في كتابه الجليل عن المتنبي هذا الادعاء مشيرا الى سبب وجيه جدا وهو ان القصيدة لا ترقى الى أسلوب المتنبي. وكان ترشيح نجاح الموجي لهذا الدور مثيرا لدهشة الجميع, وحتى نجاح الموجي نفسه اتصل ليقول انه قد وصله عدد من الحلقات من مسلسل باللغة العربية. وأنه أدرك ان هذا خطأ أحد الموظفين. ولذلك فهو يسأل عن المكان الذي يعيده له, معتبرا هذا فألا حسنا. ولعله في يوم من الايام يكون في امكانه تمثيل شيء كهذا. ولم يصدق عندما قلت له انه لا خطأ فيما حدث. وفي أول (بروفة) دخل نجاح الى الصالة التي تجرى فيها البروفات فوجد امامه كما قال لي فيما بعد أمينة رزق وعبدالله غيث وغيرهما من نجوم المسرح القومي, فعاد متسللا الى الخارج لولا ان استرجعه بعضهم, ولولا ان امينة رزق رحبت به قائلة: الواد ده كويس, هو في دور ايه؟! قال لي نجاح الموجي ان كلمات امينة رزق كانت طوق النجاة. وعندما بدأوا القراءة. اذ به قد قرأ دوره جيدا. واستعان بخبير في اللغة لضبط التشكيل. وبدا لي ذلك طبيعيا في تجربة اولى. ولكنني عرفت فيما بعد انه يهتم بكل ما يمثله. وأنه يعد اعدادا طويلا قبل التصوير. وبعد عدة اعمال معا. تعرفت على اسرته: زوجة طيبة محبة, وايتن وهي مذيعة في التلفزيون وأسماء. وكان البيت قلعة نجاح على عكس كثير من الفنانين. وكانت العلاقة بين نجاح وأسرته علاقة مودة ومزاح رقيق ومحبة واضحة. ولقد تعرض نجاح لأزمة تبدو طريفة للكثيرين. فلقد تعرف على عالم الكمبيوتر, فوقع في غرامه, وأخذ يحبس نفسه معه في غرفته الصغيرة جدا حيث انت مضطر للوقوف في حالة دخول أو خروج احد. ووصل به الامر الى انه اخذ يعتذر عن العمل, وتدخل اصدقاؤه, وطلب من بعضهم التدخل, حتى خرج من هذه الحالة. وفي هذه الفترة كلما حدثت احدا عن مأساة تعلق نجاح الموجي بالكمبيوتر لم يصدق, فإذا هو انفجر ضاحكا. أعود وأقول ان الصورة على الشاشة قد تشوش على رؤيتك للصورة الحقيقية. كل ما كتبته حتى الآن كان مجرد مدخل لما أردت ان أحكيه لك عن نجاح الموجي. فلقد مرت به حالة اكتئاب وشجعتني السيدة زوجته على ان أتحدث اليه. وفتح قلبه. كان يبذل جهدا كبيرا جدا في عمله وتساءل متى يصل الى ما يحلم اليه؟ ولم يقل ما هو الذي يحلم به. ولكنني اعرف ان كل ممثلي الكوميديا بعد (مدرسة المشاغبين) يريدون الوصول الى مكانة عادل امام. وهذا في رأيي حلم عام مباح, بل ضروري. وكيف تزدهر الرواية اذا لم يزاحم عشرات الروائيين نجيب محفوظ؟ وكيف يكون لعادل امام ونجيب محفوظ اذا لم يحاول الآخرون الوصول اليها؟! وكنا مختلفين في اشياء كثيرة, خاصة في حرصه على العمل في مسرحيات كان يظن انها تختصر الطريق الى القمة. وقال لي أخيرا أشارك في مسرحية من التي ترضى عنها, وفي نفس الوقت استمتع بها. واعتذرت عن افتتاح المسرحية ولم احضرها لأنني سافرت الى شرق آسيا. ثم لأني سافرت الى الاسكندرية لحضور مهرجانها. وأخيرا فكرت في ان اتصل بنجاح لنذهب معا. وكان البيت مليئا بأطفال العائلة, وعندما كانت يدي على التليفون سمعت كلمة مات. فلما سألت من الذي مات قالوا لي: نجاح الموجي! حفر صخر الفن بأظافره ثلاثين عاما, وظنه الناس على غير حقيقته طول هذه السنين. وأعرف انه مع اللحظات الاخيرة كان يمد الطرف الى نهاية الطريق الذي حلم بها. ولم يعرف ان طريق الفن بلا نهاية. وانه وصل ولم يصل! هامش أخير: طوال السطور الماضية قاومت الدموع, فلا أظنه كان يحبنا ان نبكي! أما رعشة اليد فلن تلحظها يا عزيزي القارىء. وكم هي الاشياء التي لا نلحظها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات