يدين في (استعراض ترومان) تلاعب التلفزيون بالبشر: جيم كاري نزع (القناع) وبدأ العمل الجاد

وأخيرا تخلص النجم الكوميدي الهوليوودي جيم كاري من عقدة تقليد جيري لويس ونزع عن وجهه (القناع) الذي كان يجعل منه ممثلا باتجاه واحد مغلق, وفعل ذلك من خلال العمل مع مخرج كبير هو الاسترالي بيتر وير الذي قدم في مهرجان فينيسيا الأخير فيلمه الرائع (والخطير في آن) ــ استعراض ترومان ــ الذي يعرض مدى تدخل أجهزة الاعلام المرئية في تزييف الحقائق وفي خلق العوالم الافتراضية التي تجعل البشر الذين يعيشون في أجواء العولمة يحيون فيها, ولولا ومضة الانتباه التي تمر في خاطر ترومان بوربانك فإنه كان سيواصل العيش في الاستوديو الضخم الذي أنشئ ليعيش فيه ولتعرض شاشات التلفزيون الأمريكية حياته بالتفصيل الممل. فبعد تلك الومضة, التي تشحذ ذهنه, يكتشف ترومان ان ثمة أشياء وأحداث تقع كل يوم في الساعة نفسها وبالايقاع ذاته وشخصيات تتكرر تكرر أفعالها بشكل يومي, وتكفيه لحظة توقف عن الايقاع الذي فرض عليه وعلى حياته حتى تحدث الفوضى في ذلك الايقاع وذلك التمثيل الذي يحيط حياته, ليكتشف فيما بعد أن وراء البحر الاصطناعي الذي بني في الاستوديو الضخم سماء غير السماء المرسومة على العمق وأن الأفق أوسع مما رسم له ويكفيه قارب صغير ليحطم ذلك الجدار ويخترقه ليخرج إلى الفضاء الأوسع وليرى أن المطر الذي يهطل عليه ليس المطر الاصطناعي الذي توحي به أجهزة الانارة والمؤثرات الخاصة داخل الاستوديو. جيم كاري الذي شاهدناه في فينيسيا يبدو كأنه قرر أن يمنح حياته الفنية بعد فيلم (استعراض ترومان) نقلة نوعية, ولا يبدو آسفا على ذلك على الاطلاق سيما وانه كان على استعداد بالموافقة على أي أجر مقابل أداء هذا الدور وان المخرج بيتر وير رأى فيه الجانب الأكثر ابداعا وأدخله في هذه المغامرة الصعبة التي ستقوده خلال أسابيع إلى احتلال موقع المقدمة ضمن الأسماء التي سترشح للفوز بجائرة الأوسكار كأفضل تمثيل رجالي إلى جانب وارن بيتي (عن دوره في فيلم بولوورث الذي أخرجه بنفسه) وتوم هانكس (عن دوره في فيلم انقاذ الجندي رايان من اخراج ستيفن سبيلبيرج). وتبدو آثار مشاركة جيم كاري في فيلم (استعراض ترومان) واضحة من خلال دعوته للعمل مع مخرج كبير آخر هو ميلوش فورمان في فيلم (رجل فوق سطح القمر) الذي يتناول حياة أحد كبار الكوميديين الأمريكيين, وهو إيندي كاوفمان الذي توفي قبل بضعة أعوام بالسرطان, لذا نرى كاري وقد أطلق شعره وتلبس شخصية كاوفمان. كاري يبدو أبعد ما يكون عن النزق وهو في غاية اللباقة والأدب حين تتحدث معه حتى لكأنه يبالغ في ذلك, وحين تشير له بذلك يجيبك في الحال (إذا لم أكن مخطئا فإننا نتحدث عن فيلم جاد..) . واشارته إلى جدية الفيلم ليست عفوية إذا علمنا ان هذا النجم كندي الأصل راغب في احداث انعطافة جادة في حياته الفنية بعد أن أجبر الصحافة والنقد الأمريكي على الانتباه إليه من خلال عروض تلفزيونية مثل(ليفينج كولور) ومن خلال الحركات البهلوانية والقدرة على الايماء في فيلم (القناع), والذي استفاد في انجازه من تجربته العملية كممثل في (مسرح القسوة). (استعراض ترومان) يروي قصة ولد داخل ستوديو تلفزيوني ويعيش دون وعي منه في لجة عرض تلفزيوني متواصل من خلال بث عالمي تقوم به مجموعة لا نهائية من الكاميرات التي ترصد كل نأمة من حياته ويومه على مدى ساعات اليوم الـ24. في هذا الحوار الذي أجري معه في زاوية من زوايا فندق الاكسيلسيور في ليدو فينيسيا يحدثنا جيم كاري عن تجربته مع (ترومان بوربانك): - كاري, أكدت في بعض الحوارات التي أجريت معك ان بعض مواصفات ترومان بوربانك تنطبق عليك أيضا؟ ــ (كنت أعني بذلك, أن ترومان, مثلي ككائن بشري, يطمح أن يكون البشر سعداء, وأن لا يعلم أحد عندما يشعر بالآلام والحزن أو عندما تحدث له أمور سلبية. ترومان إنسان يشعر بالرغبة في العطاء للآخرين حتى دون أن يعلم السبب في تلك الرغبة. كنت مأخوذا ببراءته لان القصة تروي حياة إنسان بريء قذف في عالم من البصاصين الذين لا يشبعون من التلذذ بما يحدث له, وهذا ما يجعل الوضع أكثر قسوة وايلاما, فليس أمام ترومان أي خيار في أن يكون أو لا يكون شخصية عامة. أما أنا فلي جزء من هذا الخيار, وهو على الأقل أنني قررت أن أكون مشهورا وأعتقد أنني تمكنت من ذلك) . - تقول إن ترومان بريء وضحية في آن, فهل كان سهلا لك أن تروي ذلك على الشاشة؟ ــ (أنا أشعر الآن بشيء, من الخوف, لان حياتي الفنية تميزت بهجر الأشياء التي تعلقت بها, فقد بدأت حياتي الفنية من خلال تقليد الشخصيات الكبيرة وحققت نجاحا كبيرا, فليس من الصعب أن تثير أعجاب الناس وأنت تقلد كبيرا مثل هنري فوندا, فالناس يهتفون لك) أعد, أعد, أعد... (لكني بدأت أتساءل إلى أين يمكن أن يحملني كل هذا, وأدركت أن ذلك لم يكن الطريق الصحيح الذي عليّ أن أسير فيه وهكذا بدأت بالبحث عن شخصيات تنتمي إليّ أنا وقمت بإزالة التصنع, لكن هنا أيضا وفيما تزيل التصنع والرتوش ينتهي بك الأمر إلى تقديم نفسك, وهنا تساؤل عصيب آخر: ما الذي يحدث إذا رفضني الجمهور؟ الجمهور في هذه الحالة لا يرفض لك تقليدا أو نكتة ترويها أو دورا تؤديه, بل يرفض جزءا منك. كانت هذه المغامرة وقررت مواجهتها) . - كم هو صعب, إذن, لجيم كاري اليوم ألا يلعب الكوميديا (المضمونة)؟ ــ (بالنسبة لي الأمر سهل للغاية, لكنه صعب بشكل رهيب لشركة ترغب في استثمار نصف مليار دولار. أنا أدرك هوسهم الشديد في زيادة الربح والذهب, لذا فهم يتهافتون إلى اظهار كل الأمر كما لو كانت كوميديا في حين أن الواقع أبعد ما يكون عن الكوميديا) . روما ــ عرفان رشيد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات