بسبب الحرائق وتعدي المستوطنات البشرية: سلالة قردة انسان الغاب مهددة بالانقراض

تقول الدكتورة بيروت جالديكاس(ان سلالة القردة الضخمة (المعروفة بانسان الغاب لقرب الشبه بينه وبين الانسان) توشك على الفناء الى الأبد, وثمة أمل ضعيف جداً في امكان انقاذها . والدكتورة جالديكاس تعد احدى أبرز العلماء في مجال علم سلالات الحيوان, وهي تلميذة لعالم الأجناس الكيني الشهير لويس ليكي (1903 ــ 1972) وقد نشطت جالديكاس في مجال الحفاظ على البيئة منذ العام 1971, وهي تتخذ من حديقة تانجونج بيوتينج الوطنية الواقعة في الشطر الاندونيسي من جزيرة بورنيو مقرا لها. والحقيقة ان حقيقة تانجونج بيوتينج الممتدة على مساحة أربعمائة الف هكتار (988 الف فدان) ليست مخصصة فقط للحفاظ على الأنواع النادرة من الحيوانات البرية, وانما هي ايضاً مركز رئيسي لاستعادة القردة الضخمة من فصيلة انسان الغاب التي اصطادها البعض بوسائل غير مشروعة بغرض تربيتها (كحيوانات أليفة) في المنازل, وتدريبها على حياة الغابة قبل فك أسرها واطلاقها في الغابات. وفي المؤتمر الدولي الثالث لبحث مصير إنسان الغاب الذي عقد مؤخراً في كوتشينج (الجزء الماليزي من جزيرة بورنيو الذي تعرض لحرائق رهيبة العام الماضي), ألقت الدكتورة بيروت جالديكاس محاضرة مؤثرة في حشد من الدارسين والمهتمين بشؤون البيئة, قالت فيها (ان الحرائق والجفاف وتعدي المستوطنات البشرية والزراعية (على الغابات الطبيعية) تهدد إنسان الغاب, بل إن انتشار المطاعم التي تقدم وجبات (اللحوم البرية) تجعل من هذا النوع المتميز من القرود مصدراً للتجارة وللطعام عند بني البشر) . وأضافت العالمة موضحة بنبرة حزينة (لعلكم تدركون ان عدد القردة من فصيلة انسان الغاب في سومطرة وبورنيو قد تقلص الى النصف خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة) . اما الباحث الامريكي انتوني روز الذي شارك في المؤتمر ممثلاً لمعهد كاليفورنيا لعلوم الأحياء, فقد استخدم كلمات أكثر حدة في انتقاد جهود جمعيات الحفاظ على البيئة التي تركز على الأنواع (المشهورة والثمينة) فقط من الحيوانات البدائية. وبرهن على صدق كلامه قائلاً (نجد على سبيل المثال, ان منظمات البيئة غير الحكومية بالغت في الاهتمام والترويج لستمائة غوريلا جبلية (اشتهرت بعد انتاج فيلم تم تصويره في مرتفعات الكونغو باسم (غوريلات في الضباب) فيما تجاهلت المنظمات نفسها ستين ألف غوريلا أخرى تعيش في حوض الكونغو) . وقد اتفق أغلب المتحدثين في هذا المؤتمر العلمي الفريد على أن توفير مكان الاقامة هو العامل الأهم في مساعي الحفاظ على أنواع الحيوانات النادرة من الانقراض وأوضح العلماء أن فيروس شلل الأطفال اصاب بعض القردة من فصيلة الشمبانزي, بينما يخشى ان يكون فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي قد تفشى بين القردة من فصيلة انسان الغاب في غرب كاليمنتان (الجزء الاندونيسي من جزيرة بورنيو). كما أن القردة من نفس هذه الفصيلة في الغابات الافريقية تعاني من أمراض نتيجة اتصالها بالسائحين الذين يتوافدون على الحدائق المفتوحة في القارة السوداء الغنية بثرواتها الحيوانية. ورغم ان حديقة تانجونج بيوتينج الوطنية في وسط بورنيو لا تضم النسبة الأكبر من تعداد قرود الاورانغوتاتن (أو إنسان الغاب) في العالم, لكنها تعد احدى اكثر المحميات الطبيعية أمانا لهذا النوع النادر. اذ ان السكان الاصليين للمنطقة (من قبائل الداياك) لا يأكلون لحومها, كما أنهم أقلعوا عن عادة قتلها انتقاماً لتلف محاصيلهم (بعد سنوات من توعيتهم عبر البرامج التعليمية). وخارج حدود الحديقة تفرض الحقائق الاقتصادية ضغوطاً متزايدة يومياً على الحياة الطبيعية للحيوانات. ففي ظل الكساد الاقتصادي الذي تعانيه دولة تنوء بسكانها كاندونيسيا, تبدو العناية بالبيئة والمحافظة على الطبيعة ترف لا محل له, وقد قام الرئيس الاندونيسي الجديد حبيبي بتعيين وزير لشؤون الغابات مؤخراً, وهو ايضاً وزير معني بشؤون النبات والزراعة.. مما يعني انه سيكون مكلفاً بتوفير الارض المطلوبة لزراعة النخيل الذي سيجعل من اندونيسيا اكبر منتج لزيت النخيل في العالم (حسبما اعلنت حكومة جاكرتا), مما سيأتي بلا شك على حساب المحميات الطبيعية للحيوانات البرية. وفي ظل الاوضاع الاقتصادية والضغوط الجديدة, قد لا ينظر المسؤولون الاندونيسيون كثيرا الى بورنيو وسومطرة على أنهما المحميتان الطبيعيتان الوحيدتان في البلاد لانسان الغاب. اذ سينصب الاهتمام على اقتطاع مساحات واسعة من الغابات لتصبح مزارع تنبت محاصيل يمكن تصديرها الى الخارج. وستتزايد معدلات قتل الحيوان بدعوى الحد من انتشار الآفات الزراعية, وسيحصل الصيادون على مكافآت عن كل رأس قرد يأتون به. وفي تانجونج بيوتينج تعمل الدكتورة جالديكاس في مجال استخلاص الجينات من الحيوانات واجراء التحاليل عليها معملياً ومحاولة اعادة تأهيل القرود الضخمة للتأقلم على ظروف الحياة في الغابة, وتبدي الدكتورة جالديكاس سعادتها الغامرة بقرار الحكومة الاندونيسية اضافة 76 الف هكتار من الغابات الى ادارة المحمية. وعلى الجانب الماليزي من الجزيرة ستفتتح حديقة وطنية جديدة في بورنيو الماليزية. لكن المؤسف حقاً ان الحكومات في الدول الآسيوية وفي غيرها من دول العالم النامي ــ حيث تعيش غالبية القرود من فصيلة انسان الغاب ــ لا تبدي اكتراثا حقيقيا بارسال طلابها الى الخارج لدراسة العلوم الخاصة بفصائل الحيوان وسبل المحافظة على هذه الأنواع النادرة من الانقراض. كوتشينج ــ هايدي مونان: خدمة و ن ل

طباعة Email
تعليقات

تعليقات