جزيرة توتي السودانية تخرج من عزلتها

على مدى قرون ظل سكان جزيرة توتي يعيشون حياة منعزلة اذ تفصلهم مياه النيل الهادرة عن العاصمة السودانية الخرطوم . والان وبعد أن أقرت لجنة حكومية اقامة جسر يصلهم بالعاصمة وان لم يتوفر له التمويل بعد فان سكان الجزيرة يقولون ان هذا الجسر سيأتيهم بأفضل وأسوأ ما في القرن الحادي والعشرين. وقال عبد المنعم المقيم بالجزيرة التي تبلغ مساحتها 2500 فدان (نحن جميعا اسرة واحدة لذلك عندما يأتي أناس من خارج الجزيرة فسيتغير كل شي) . وشاركه العديد من سكان الجزيرة المخاوف من ان تكون اخر عبارة تصل جزيرتهم بالمدينة هي نهاية اسلوب حياتهم القديم. وتبعد جزيرة عن توتي مباني ودخان المدينة مسافة تقطعها العبارة في بضع دقائق فقط لكنها ما تزال اشبه بقرية. والهبوط على شاطئها يعني العودة بالزمن الى الوراء الى عربات تجرها الحمير وطرق ترابية تصل بين منازل متهالكة والرجال العائدين الى منازلهم بعد صلاة الظهر في الجامع بوسط الجزيرة بجلابيبهم البيضاء وعمائمهم الضخمة0 فليس هناك سوي 25 سيارة على الجزيرة التي يسكنها 30 الف شخص. والان فان الجسر قد يغير كل ذلك. قال عبد الله زكي الطبيب بالجزيرة (سكان الجزيرة لهم اصول عريقة نحن تاريخيا اول سكان لمنطقة الخرطوم) . ومع تزايد عدد السكان في المدينة وندرة الاراضي اختلطت هوية السكان الاوائل. ولكن ليس هناك شك في ان سكان توتي يقيمون بها منذ زمن بعيد فالكثير منهم يرجعون باصولهم الى قبيلة واحدة يقولون انها وصلت من شمال السودان منذ ستة قرون. والان تمتليء شوارع الجزيرة بوجوه أناس من كافة ارجاء السودان اغلبها تحمل ندوبا تفرق اصحابها عن سكان الجزيرة الاصليين. ورغم تنوعهم يهتم سكان الجزيرة بشدة بمشاعر القرابة والنسب. ويخشى بعضهم ان يمزق الجسر اواصر مجتمعهم عندما يأتي بغرباء الى جزيرتهم. ويقول المهندس المتقاعد قرشي عباس (الناس هنا تتكافل اذا لم يكن لدى جارك طعام تعطيه من طعامك اذا اقيم الجسر سيفكر كل شخص في نفسه فقط) . وفي الخرطوم يكافح اغلب السكان من اجل البقاء وسط مناخ اقتصادي صعب ولكن عبر مياه النيل الطينية في توتي لايزال ايقاع الحياة بطيئا وهادئا منذ قرون عديدة. يجتمع الرجال لتلاوة القرآن في ساحات في المواعيد نفسها التي كان يجتمع فيها اجدادهم ويتجمع المئات في الافراح وينفصل الرجال عن النساء وقت تناول الطعام. ويقول عبد المنعم (الان يأتي الفقراء ولكن الجسر سيأتي بالاغنياء) . وحتى الان حمي النيل الجزيرة من ضغوط الكثافة السكانية في الخرطوم التي يقدر عدد سكانها بنحو اربعة ملايين نسمة. ويعتقد سكان الجزيرة ان الجسر سيرفع اسعار الاراضي وسيأتي بناس من الخارج يحلون محل فقراء الجزيرة. وستقطع الاشجار وتنزع الخضرة التي تحميهم من ارتفاع درجات الحرارة من اجل بناء مساكن على الرغم من ان الفيضانات تهدد البناء على ضفاف النيل. ويقول حسين الفضل الضابط السابق بالجيش (قبل 40 عاما كانت تلك منطقة خضراء اعتقد ان المساكن ستمتد الى ضفاف النيل) . وكذلك ليس جميع سكان الجزيرة معارضين لاقامة الجسر الذي سيخفض اسعار السلع الاتية من العاصمة وسيصلهم بامدادات المياه. ويقول البعض انه قد يحمي الجزيرة بان يسهل استيراد مواد لبناء حواجز تمنع الفيضان من غمرها. ويتطلع اخرون الى انتهاء عزلتهم فالتلاميذ يشكون ضياع الوقت في الطريق وصولا الى مدارسهم في الخرطوم وقال عباس (اذا مرضت اثناء الليل لا يمكنك الوصول الى مستشفى) . وعند المغرب يعلو صوت المؤذن ويتجمع سكان الجزيرة للصلاة في صمت مفاجىء اذ ان ضجيج شوارع الخرطوم لا يكاد يصلهم في حين يلوح على الجانب الاخر من النيل فندق هيلتون الخرطوم وبالفعل تتوسط الان لوحة اعلانات ضخمة عن الكوكاكولا مرسي العبارة على الجزيرة. وحتى الان لا يزال مشروع الجسر مجرد حبر على ورق فتوتر علاقات السودان بالدول والجهات المانحة للمعونات وازمته الاقتصادية المزمنة قد تبقي الوضع على حاله لتبقى جزيرة توتي في عزلتها. وقال عباس (كل شيء معد لاقامة الجسر تحديد المواقع والرسوم لا ينقصه سوي ملياري دولار) . وتقف هياكل خرسانية غير مكتملة في ارجاء الخرطوم ويدل سكون حركة البناء في تلك المواقع على نقص الاموال فيما قد يعني ان يطول انتظار الجسر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات