استراحة البيان:الوسواسي عمره أطول!يكتبها اليوم- سعيد حمدان

الانسان الوسواسي الذي يخاف من كل شيء هو مريض, وسواسه هذا قد يدفعه الى التهلكة, وقد يموت كما يقولون قبل يومه . هذا طبعا في الزمن الماضي, اما في الحاضر فان الانسان غير الوسواسي هو المريض الذي يحتاج للعلاج, وعلاجه جرعة وسواس يفضل ان تكون مركزة وثقيلة, فهذا العصر المتطور جدا, المتقدم تكنولوجيا في العلوم والكيمياء والصناعات والزراعة والطب والهندسة وفن الابهار في كل شيء , تكمن مشكلته في الواقع, في تطوره وتقدمه, فهذه الثورة التي لم تترك مجالا او خيالا يمكن ان يوفر الرفاهية والحياة السعيدة للانسان ويحقق ما يحلم به وما لا يخطر على باله, الا وخاضته ونجحت فيه. هذه الثورة, على نعيمها الآني الذي تقدمه للانسان, تحمل وجها آخر, مكوناته أمراض فتاكة وبيئة معتلة وأوبئة وتعاسة انسانية لا حدود لها, تعال نحصي بعض سلبيات ومضار هذا النعيم الذي نعيشه, ولا يمكننا تصور استمرارية الحياة بدونه, نبدأ بالتلفزيون الذي نجلس اليه يوميا ونترك عنده اطفالنا طوال اليوم, حجم الاشعة التي تمتصها اجسامنا منه والضرر المباشر الذي يمكن ان يصيب اعيننا وآذاننا منه, ذبذبات جهاز الهاتف النقال الذي تحمله وتحمله زوجتك وسائقك وابنك, ولا يمكنك ان تجلسه ولو لساعة من الزمن بعيدا عنك, قنينة الماء البلاستيكية التي تشربها كل يوم ونوعية الحبيبات الكيماوية التي تدخل في تكوينها, المواد الملونة والاخرى الحافظة والمثبتة التي تدخل في اشكال العصائر والحليب والمأكولات المختلفة, خلطات الوجبات السريعة والمشروبات الغازية, المعلبات والمجمدات باشكالها وانواعها, الكيس البلاستيكي الذي تلف فيه خبزك الحار, اشعة الميكرويف الذي تسخن فيه الكيك والاوعية البلاستيكية الرقيقة او المقواة التي قد تستخدمها على مائدتك, احبار ورق الجريدة التي تتصفحها كل يوم وقد تفرشها وقت الغداء, مكونات المواد المنظفة التي تستخدمها في غسل جسمك وثيابك, وتستخدمها ايضا لبلاط وحمامات وسجاد بيتك. حبة الطماطم التي تأكلها مطبوخة أو في سلطة منوعة من الخيار واوراق الخس والنعناع, انواع واشكال الخضروات والفواكه التي تصلنا من المشرق والجنوب ومن جميع البلدان التي تسكن هذا العالم الكبير, ماذا عن مكونات التربة التي زرعت فيها والاشعة التي قد تكون تسربت اليها وسكنتها أو نوعية الاسمدة والمبيدات التي رشت بها, او الكيماويات التي اضيفت لقشرتها وباطنها لتحفظها لنا طازجة, نضرة في شكلها الخارجي. ما نأكله من لحوم, من دجاج واسماك, من لحم ابقار او خرفان, وما تحمله من امراض داخلية او ما تغذت عليه هذه الحيوانات من ملوثات في البحر او على اليابسة, او هرمونات فرضها جشع التاجر الانسان. الجو الذي نعيش فيه, اذا كنت تسكن قرب مصنع للاسمنت او المواد البلاستيكية او أي مصنع آخر, حجم الغبار الذي تستنشقه منه كل يوم, ايضا حجم السحابة التي تغطي مسكنك من ملوثات عوادم السيارات اذا كنت من ساكني المدن. الغاز الضار بالبيئة الذي يحرقه مكيف سيارتك او بيتك ليعطيك الهواء البارد, الذي لا يمكن ان تتحمل العالم ولو لدقيقة من دون نسماته. حتى مجال الطب الذي نطلب عنده الصحة والشفاء قد يزيد أوجاعك, فجرعة الدواء اذا زادت انقلبت الى داء, خطأ التشخيص قد يسبب لك مرضا عضال, طفلك الوليد قد يعطيه الطبيب ليريحك من صراخه مضادا حيويا لا يتقبل جسمه الصغير بعده أية جرعة أقل منه, وتصبح عنده مناعة لأي مضاد آخر, ولا يتجاوب للعلاج بسهولة, وداء الزكام البسيط قد يتحول الى مرض شديد يحتاج الى اسابيع طويلة ودرازن من علب الدواء التجريبية. الاشعة التقليدية او المتقدمة التي قد تجريها على رأسك أو رجلك او أي مكان آخر في جسمك قد تترك بعض الاثار في دواخلك تظهر علاماتها في المستقبل البعيد أو القريب. تكرار الاشعة التي تحتاجها المرأة الحبلى لتطمئن على مافي بطنها, قد يسبب تشوها لا علاج له للمخلوق الذي تحمله! انها ضريبة قاسية لهذا النعيم الذي نعيشه, ولو وسوسنا في كل ما نأكله ونشربه او يحيط بنا, لوجدنا اننا في حالة خطر دائمة وسنعيش حالة نفسية لا علاج لها من الخوف والقلق المتواصل. لكننا في المقابل بدون الوسوسة سنعيش من غير عقل في عالم مليء بالاخطار والكوارث التي تتربص بالبشرية انها معادلة صعبة بين الوسوسة واللا وسوسة. لكن لابد في النهاية من استخدام قليل منها لنضمن على الاقل استمرارية الحياة وجنس البشر. وعذرا على هذه الاستراحة الوسواسية المرضية, كتبتها متأثرا بقراءة كتاب عن القنبلة الذرية, سأحدثكم عنه في استراحة مقبلة!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات