رغم عزوف التشكيليين عن مظاهر الحياة اليومية: محمد ناصر يستثمر خشونة الواقع في لوحات عذبة

شهد العقد الاخير من العشرين عزوفا مؤسفا من قبل الفنانين التشكيليين في مصر عن الاهتمام الواجب بالمدرسة الواقعية التي تحتفي بمظاهر الحياة اليومية وتفاصيلها, وتتعامل مع الواقع بكرم باعتباره المادة الخام الاولى التي يمدها دوما بالموضوعات والافكار من اجل اقتناص الجماليات المخبأة وتقديمها في صياغات تشكيلية مثيرة ويرجع هذا العزوف بشكل رئيسي الى علونبرة مايسمى بالحداثة ومابعدها على يد السلطة التشكيلية في مصر حيث اصبح الاحتفال بجمع نفايات الورش ووضعها في تشكيل مضجر ومحروم من الخيال هو الطريق المضمون لنيل الجوائز السخية, فضلا عن رضى المسؤولين!! لذا لا عجب ولا غرابة ان تشهد قاعات العرض طوال عشر سنوات اعمالا معظها يفتقد الحدود الدنيا من امتلاك الصنعة والمهارات المطلوبة وتتوارى للأسف تلك الاعمال الجادة التي تثبت ان وراءها فنانين امتلكوا التقنيات اللازمة بالاضافة الى شجاعة الخيال وانهمار الموهبة. ويعد الفنان محمد الناصر ــ 41 عاما ــ الذي يعمل رساما في مؤسسة الاهرام من ابرز الفنانين الذين انحازوا الى الاتجاه الواقعي ويبحر في خضم الحياة والناس من اجل اصطياد اللآلىء المكنونة والجواهر المدهشة وتقديمها لنا في لوحات عامرة بالجمال وفياضة بالاناقة. تخرج محمد الناصر من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة العام 1979م, قسم التصوير وكان ترتيبه الاول مع مرتبة الشرف. في نظرة فاحصة لما قدمه هذا الفنان في معرضه الذي اقيم مؤخرا بالبهو الرئيس لمؤسسة الاهرام نجد ان اول مايلفت الانتباه ان لوحات محمد الناصر برغم واقعيتها الشديدة الا انها لاتقع في مستنقع الفوتوغرافيا الفجة, حيث تسري في اللوحة دوما شحنة الاحساس الخاصة بالفنان ففي لوحة (مجذوب من الحسين) تدهشنا هذه المهارة في اصطياد الحالة النفسية للمجذوب, الذي زهد في فلذات الحياة وانطفأت في جسده الواهن ونظرته الشاردة اضواء الرغبات احتفل محمد الناصر بتحقيق (الفورم) التجسيم الذي لاح في تفاصيل الوجه وحركة اليدين وطيات الملابس الرثة, التي يرتديها ذلك المجذوب البائس والتزم التزاما شبه حرفي بألوان اللحم البشري, حيث ساد البني المحروق في المناطق الظاهرة من الجسم فضلا عن كتل الشعر الابيض في الرأس واللحية وقد اصاب الفنان عندما جعل اللون الازرق ودرجاته يستولي على مسطح اللوحة, سواء في الملابس او الخلفية حيث يشيع هذا اللون في نفس المتلقى الوانا من الحزن والشجن, وهذا يفسر لجوء فناني عصرالنهضة في اوروبا الى استخدامه بسخاء. يستقى محمد الناصر مادة لوحاته دوما من الواقع الخشن او من اصحاب المهن المهمشة وهو يقول عن ذلك (اشعر ان تفاصيل حياة هؤلاء الناس تحوي من الجمال المخبوء ما ينبغي علىّ ابرازه) . واذا كان الفنان في لوحة المجذوب قد صوره وحيدا في اللوحة محروما من وجود البشر او اي شيء يدل على المكان فربما ذلك من اجل اثارة التعاطف مع هذا المسكين صاحب الظهر المحني. الا انه في لوحة (العربجي) اثبت وجود الهرم في الخلفية ولكن بشكل طيفي حتى لايؤثر على الحضور القوي لبطلي اللوحة العربجي والحمار!! امتنص محمد الناصر زاوية فريدة ليرسم منها موضوعه تشبه الى حد كبير (لقطات او كادرات السينما) حيث يظهر العنصر او الكائن الموجود في المقدمة كبير الحجم جدا, في حين يلوح الرجل في الخلفية محدودا او صغير الحجم وهو يقول (ان التناقص في احجام العناصر يشعل الصورة بالحيوية والحركة) لم يتورع الفنان عن رسم الجزء الخلفي من الحمار فقط, مما قد يعطي احساسا بأنه قد اصاب التصميم او تكوين اللوحة بخلل ما, لكن الحقيقة ان هذا الجزء الذي يبرز ويؤكد الدقائق الصغيرة في الجسم والكسوة, قد اغنى عن الكل, وساهم في الاحساس بصدق وواقعية اللقطة. وبعكس المجذوب الحزين, جاء (العربجي) باسم الوجه.. يواجه المتلقى دون خجل من مهنته المتواضعة برغم ان العصابة التي وضعها فوق رأسه قد اخفت احدى عينيه! يستخدم محمد الناصر الوان (الاكولين) وهي عبارة عن احبار تخفف بالماء, تتميز هذه الالوان بالطزاجة او السخونة, فضلا عن ايقاعها الصداح. ومع ان الالوان التي تخفف بالماء عادة ما تكون مراوغة وعنيدة, الا ان الفنان استطاع ان يكبح جماحها ويخضعها لضرورات موضوعه متنقلا بها من ذروة الاشتعال كما في الوجه والكف حتى سفح الشفافية والشبحية كما في الهرم والجزء الظاهر من عربة (الكارو) مرورا بالعديد من الدرجات اللونية المتباينة. وفي لقطة سينمائية اخرى نجد الفنان في لوحة عامل القمامة ــ قد جنح نحو حشو اللوحة بالادوات الخاصة بالعامل مثل العربة الصغيرة و (المكنسة) لكنه مغرم دوما بالا يظهر العناصر والمفردات كاملة حيث تتوارى اجزاء خلف اجزاء حتى بطل اللوحة العجوز يدفع العربة بوهن وهي تخفي مساحة كبيرة من جسده!! وكعادته احتفى محمد الناصر بانضباط والنسب التشريحية للجسد الانساني, وحقق براعة مشهودة, في ابراز تعبير الوجه وحركة اليد, وقد وفق الفنان عندما جعل ادوات القمامة تحاصر الرجل العجوز وتعوق حركته حتى نرى مشاق المهنة ولان الفنان مهووس باللون الازرق على الدوام نجده هنا ايضا قد سمح له بالتواجد المتفرد في معظم مساحات اللوحة سواء في الخلفية او العربة, او حتى الملابس التحتية للرجل, بينما اكتست الملابس الخارجية درجة من البني الفاتح توافقت تماما مع نفوذ الازرق. ان تبجيل عنصر الحركة يتجلى في اعمال محمد الناصر بوضوح, ففي لوحة (العربجي) نشعر بحركة الحمار والعربة, وان المشهد مجرد لقطة عابرة وهنا ايضا لايمكن ان ننفلت من أسر متابعة جامع القمامة وهو يدفع العربة خارج اطار اللوحة!! ان هذا العنصر في اعمال الفنان هو الذي يمنح لوحاته سحر الواقعية وحيوية المشهد. محمد الناصر فنان دؤوب متمتع بخيال شجاع وجسور, امتلك اصول الصنعة بامتياز لم يلهث خلف مايروج له مسؤولو السلطة التشكيلية في مصر طوال عشر سنوات, وآثر ان يفتش عن لآلىء الجمال داخل كهوف الواقع الفظ, انحاز للبسطاء واصحاب المهن المنحطة وقدمهم لنا في لوحات تمتاز بفرادة التصميم وقوته فضلا عن براعة الاداء لوحات لاغربة فيها ولا اغراب عذبة رقراقة رغم خشونة الواقع!! القاهرة ـ مكتب البيان

تعليقات

تعليقات