في ورشة الاسطورة والابداع: د. عصفور يحدد أربعة أشكال للدفاع عن حاجتنا للاسطورة، في عصر العلم والإنترنت الأعلام المؤدلج يخلق أساطيره الخاصة

ما زلنا بحاجة الى الاسطورة في حياتنا, وما زال الابداع بحاجة الى اسطورة تتجدد وتدفعه باتجاه الممكن الخرافي , وفي عصر الفضاء والأجهزة الرقمية وفي ظل العلم الذي يقف كمارد كبير في العصر الحالي والعصور المقبلة تبقى هناك حاجة كبيرة الى الفضاء الاسطوري الذي يطلق العنان للروح الانسانية كي تتجلى بعيدا عن جفاف الآلة والتقنية الحديثة, هذه الخلاصة قد تكون النتيجة التي توصلت اليها نقاشات الجلسة الثالثة في ورشة الاسطورة والابداع والتي تحولت إلى معمل بحثي خلال الأيام الماضية. الدكتور جابر عصفور المشرف العلمي على الورشة أجمل أربعة أشكال للدفاع عن الاسطورة وضرورتها للبقاء في زمن العلم, وخلاصة هذه الدفاعات الأربعة هي: ان الاسطورة ما زالت تمارس دورا روحيا يظل على علاقة وطيدة بالدين, تدعم مبادئه الروحية وتتماها معها, والاسطورة في تناولها لقضايا الوجود الكبرى تحاول أن تكشف عن أعماق النفس البشرية, وان هناك دائما في حياة الانسان مهما تقدمت ومهما أنجز العلم حاجة كبيرة إلى الكشف ولهذا يبقى للاسطورة هذا الدور المهم, وان الاسطورة في ذاتها تشيع نوعاً من المعتقدات وان هذه المعتقدات تتحول إلى اساطير وهناك الكثير من المفكرين ممن حاولوا البحث عن الاسطورة المعاصرة كلوران بارت. وأشار د. جابر عصفور الى انه لابد من وضع نقاط محددة ومنها ان الاسطورة المعاصرة تقوم بتصعيد العلامة أو الشخص وتحوله إلى نموذج مكتنز بالدلالة, واكد عصفور على اننا في العصر الحديث نشهد الكثير من محاولات ايجاد اساطير, وان الاعلام كرس نماذج وأشخاصا في هذا الاطار بناء على السياسة الايديولوجية التي يتبعها, مدللا بنماذج كأسطورة موت الأميرة ديانا, ومارلين مونرو في الأفلام السينمائية, والرجل الخارق في الأفلام, وكذلك رواد الفضاء الذي يصنع منهم الاعلام شخصيات اسطورية. وان الاسطورة المعاصرة تؤدي الى استباق الواقع واستشراف المستقبل والتنبؤ بما سيحدث كما اشار عصفور الى ان هناك نوعاً جديداً من الاسطورة خرج من الخيال العلمي وهو الاسطورة التي يتم بناؤها حول علاقة الأرض بالكواكب الأخرى وهناك مسلسل شهير هو مسلسل جلاكسي الذي اعتمد على اسطرة الكثير من الأحداث. الاسطورة والأدب وكانت وقائع الجلسة الثالثة لورشة الاسطورة والابداع قد بدأت أمس بمناقشة ورقة ليلى الجهني بعنوان (الاسطورة والأدب) والتي تناولت فيها تقطعات الادب بالاسطورة, حيث تقول في بداية ورقتها: لقد كانت الاسطورة نظاما فكريا متكاملاً, استوعب خلق الانسان وتوقه الابدي لكشف الغوامض التي يطرحها محيطه, والاحاجي التي يتحداه بها التنظيم الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه, كما كانت اسلوباً لجأ إليه الانسان ليصل من خلاله إلى المعرفة والحقائق, ويضع نظاما مفهوما معقولا للوجود يقتنع به, ويجد مكانه الحقيقي ضمنه ودوره الفعال فيه. وتضيف ليلى الجهني: وقد اقترنت الاسطورة بالغموض والسحر والاحلام والمخيلة واللاوعي والذهن البدائي والحدس المتجاوز للمنطق, وكانت قادرة على كشف حاجات الانسان ورغائبه وحل مشكلاته, كما انها كانت قادرة على التعبير عن حريته ومنحه مكانا ذا معنى في كون رحب مجهول موحش. وتؤكد ليلى على ان انسان اليوم تجرد من الاسطورة, وها هو يقف متضورا, معزولاً وسط أحقاب ماضية, وعليه البحث عن جذور, هكذا اعلن نيتشه في (ولادة التراجيديا) ولم يتردد نيتشه ان يقول ان كل ثقافة فقدت الأسطورة فقدت معها الابداع الطبيعي الصحي. ان خلق الاساطير ممارسة موروثة في سيرورة التفكير تلبي حاجة انسانية اساسية وتشكل الاساطير مصدر انبثاق الادب تاريخيا ونفسيا, ولذا فإن الحبكة والشخصية والموضوع والصورة الادبية ليست سوى مزج وتبديل لعناصر شبيهة موجودة في الاسطورة, والاسطورة قادرة ليس على تحفيز الفنان المبدع فحسب, بل تعدو ذلك إلى تأمين المفاهيم والنسق التي يمكن أن يستخدمها الناقد لتأويل أعمال أدبية محددة, وأخيرا ينبغي أن نقول ان قدرة الادب على تحريكنا بعمق مردها خاصيته الاسطورية وامتلاكه السلطة السحرية. وتشير ليلى الجهني الى انه يمكن القول ان الادب مطالب بمواصلة ما سعت الاسطورة لتحقيقه: خلق مكان ذي معنى للانسان في عالم مستهلك, مستهلك انطلاقا من اشتراك الاسطورة والادب في أشياء كثيرة. وكانت ورقة ليلى الجهني قد أثارت نقاشا حول حاجتنا إلى الاسطورة في عصر العلم, كما أشارت مداخلات حول تعايش الغرب مع الاسطورة في حين انه يتعاطى مع معطيات التقنية الحديثة وعصر العلم. تينسي ويليامز واسطورة أورفيوس الورقة الثانية في الجلسة الثالثة من ورشة الاسطورة والابداع كانت تحت عنوان (ثراء الاسطورة ومرونة تفسيرها في المسرح) لمحمود الورواري من مصر, وقد تناول فيها تجربة تنسي ويليامز ورحلته مع اسطورة اورفيوس, حيث يقول الورواري في هذا الصدد: لقد اخترت تينسي ويليامز الكاتب المسرحي الامريكي ليكون محل تطبيق عملي اثبت من خلاله ثراء ومرونة الاسطورة الواحدة لتكون منبع لاكثر من عمل مسرحي متكامل وغير متشابه وله ذاتيته, فقد تأثر باسطورة (أورفيوس) فكانت البذرة التي انبتت له ثلاث مسرحيات متتالية تدور حول دلالاتها وشخوصها ورموزها, وهذه المسرحية هي: معركة الملائكة, قطة فوق صفيحة ساخنة, اورفيوس يهبط. ويضيف الورواري: لقد ظل ويليامز قرابة سبعة عشر عاما مشغولاً بفكرة كتابة مسرحية تدور حول اسطورته المحببة (أورفيوس) هذه السنوات كانت الفترة بين ظهور مسرحيته (معركة الملائكة) والتي يصفها انها مسودة أولى لمسرحية لم يرض عنها بعد حتى نشر مسرحيته (اورفيوس يهبط) والتي حققت له حالة الرضى التي كان يريدها. ثم يعرض الورواري لاحداث الاسطورة ويعود الى مسرحيات ويليامز ليطابق بين تقاطعها بمسرحياته الثلاث, مما يؤكد على ان المبدع بامكانه الاستفادة من الاسطورة بطرق مختلفة مع الابقاء على وحدة الصراع. كتب - مرعي الحليان

تعليقات

تعليقات