استراحة البيان: عندما تحدثت الجدران قبل 23 يوليو: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

السماوات في مدن البلدان النامية لم تعد تختلف كثيرا عنها في بلدان أوروبا, وأمريكا واليابان. فهي هنا مثلما هي هناك تتلالأ بالليل باضواء اعلانات النيون الثابتة والراقصة فوق قمم البنايات, وتبدو بالنهار كأنها غابة تتزاحم فيها أعواد الهوائيات مع اطباق التلفزيون . ولكنك عندما تنزل الى الأرض سترى الصورة مختلفة كل الاختلاف, والمقصود بالأرض هنا ليس الشوارع الرحبة العريضة المضاءة بالانوار على الجانبين او في الجزر الوسطى على امتداد ابسطة اسفلتية مصقولة كالحرير لكي تضعها موضع المقارنة مع الحارات والأزقة الملتوية كالثعابين والمثخنة بالندوب, والمطبات.. ولا حتى الناس السابحين, في الترف هنا او الغارقين في العرق هناك. وانما المقصود ما هو وراء ذلك وبالتحديد جدران المباني على الجانبين, وخصوصا اذا كانت ممتدة الى مسافات لا تقطعها الدكاكين والمقاصف. كالمدارس والمحاكم والنوادي, أو على امتداد اشرطة السكك الحديدية او مخازن النقل العام. فهنا ستجد الوانا جديدة من الفولكلور يندر ان ترى لها مثيلا في البلدان المتقدمة, على شكل شعارات او نداءات او اعلانات غير مدفوعة الأجر. وقد ترى على امتداد سور مدرسة حديثة الطلاء اعلانا بحروف سوداء كبيرة عن (فريق الاسد المرعب) أو (الاهلي حديد) وعلى ركن مجمع المحاكم اعلانا آخر عن (استوديو هوليوود للتصوير الفوري) , أو (حلاق النجوم) وآخر يقول (شربة الشيخ محمود لعلاج الصلع والدود) . وقد يصادفك اعلان ضخم يقول (بص شوف الفحل بيعمل ايه) . وفي ذيله سهم يشير الى طريق (مصانع الفحل الكبرى) , وتمشي مع السهم حتى تصل الى مصانع الفحل في آخر الحارة, فاذا بها ثلاثة براميل طرشي تفوح منها الروائح العطرية. ولا يخلو الأمر من شعارات سياسية مثل يسقط فلان ويحيا فلان, أو (نحن فداؤك يا فلسطين) .. أو (الموت للخونة) .. (أو الاسلام هو الحل) .. وما الى ذلك من الشعارات التي تعبر عن خيالات رجل الشارع وتداعب أمانيه. غير أن معظم هذه الاعلانات تكاد تختفي في مواسم الانتخابات حيث تحتل صور المرشحين كل مساحات الجدران.. وتحت كل صورة لقب (ابن الدايرة) .. كدعوة بريئة لان يتعصب الناخبون لابن دائرتهم.. لمجرد هذه الصفة, وبصرف النظر عن مدى صلاحيته للنيابة عنهم. وربما أضاف أحد الخبثاء الى لقب ابن الدايرة عبارة تقول (على حل شعرها) لتنقلب الصورة على صاحبها وتجيء بعكس المطلوب. كل هذا كان موجودا ومقبولا, اعتاد عليه المارة في الشوارع باعتباره علامة من علاماتها مثل اسلاك الترام والارصفة المزدحمة برواد المقاهي.. حتى كان ذات يوم في بدايات عام ,1952 عقب حريق القاهرة, حينما ظهر فجأة بين كل هذه الاعلانات والشعارات اعلان مكتوب بالجير بحروف كبيرة جدا بعرض نفق شبرا الذي تمر فوقه قطارات السكة الحديد المتجهة الى الصعيد. كان الاعلان من كلمتين لا غير.. شرم.. برم.. بتطويل مقصود في حرفي الشين, والباء, وبالضمة على كل الحروف. وفي البداية لم يثر الاعلان الجديد اهتماما يذكر. ولعل معظم الذين لفتت الكلمتان نظرهم عرضا تصوروا في البداية أنه مقدمة مبتكرة لنوع جديد من مساحيق الغسيل لا يلبث أن يظهر اسمه في السوق وحتى بعد أن تبين في اليوم التالي أن اعلان (النفق) قد تكرر أكثر من مرة في أماكن اخرى. غير أن المسألة مالبثت ان تحولت الى ظاهرة لا يمكن تجاهلها, وخصوصا من جانب سلطات الأمن التي لا يجوز ان يفوتها شيء, فلم يمر اسبوع واحد حتى اصبحت الكلمتان (شرم برم) ظاهرة على كل جدار. وعلى أبواب المباني واعمدة الانارة وجوانب المركبات العامة.. وامتدت الظاهرة من القاهرة الى الاسكندرية وسائر المدن والقرى والنجوع بل تحولت الى نوع من التحية بين أولاد البلد الذين اعتادوا السخرية من كل الغرائب. فإذا بالرجل يدخل على ندمائه بالمقهى مسلما بمساء (الشرم برم فيرد عليه الجالسون) (كل شرم برم وأنت طيب) . وجن جنون أجهزة الأمن, فهذه (الشرم برم) لابد وان يكون وراءها تنظيم.. والا فكيف انتشرت بهذه السرعة؟ ثم أن هذا التنظيم لابد وأن يكون معاديا للسلطة بالضرورة.. والا فلماذا هذه الشفرة السرية. وفي البداية اتجهت انظارهم الى المعتقلين الذين جمعوهم أفواجا إثر حريق القاهرة وضمن حملة اعتقالات الفدائيين الذين كانوا يمارسون العمل الفدائي ضد قوات الاحتلال البريطاني بحرية نسبية في ظل الحكومة السابقة التي أقيلت في مساء يوم الحريق, فوجهوا اليهم تهمة الانتماء الى تنظيم شرم برم.. ولقي اكثر المعتقلين اشكالا متنوعة من التعذيب حتى يعترفوا بأسرار التنظيم الغريب. ولما لم يفض التعذيب الى شيء قاموا بحملة اعتقالات اضافية شملت بضعة آلاف من الطلبة والعمال.. وكلما شددوا تدابير القمع ازداد انتشار (شرم برم) .. وازداد معها فرع السلطة المتحالفة مع المستعمرين.. ولم يخطر ببال أحدهم ابدا ان كلمتي (شرم برم) لا معنى لهما أبدا في اي معجم او قاموس للغات.. وان انتشارهما على هذا النحو انما هو مجرد تعبير تلقائي عن حجم (الخواء) و(اللا معنى) الذي اجتاح مشاعر المواطن العادي وهو يرى عاصمته تحترق, وحكومته تعتقل الفدائيين الوطنيين الذين يقاومون المحتل الاجنبي, وتتهمهم باحراق القاهرة!! ولم يدر بخلد هؤلاء العباقرة الذين استعانوا بخبراء محنكين من بلاد الانجليز ان أهم أسباب انتشار ظاهرة (شرم برم) كان ادراك المواطنين لحجم الازعاج, الذي تسببه للمحتلين وأجهزة الأمن العاملة في خدمتهم. مع أنها لم تكن اكثر من رد فعل تلقائي من شعب يعاني من القهر والاحباط. ولم يكن كل هذا سوى بعض المؤشرات على حقيقة ان النظام حينذاك, المتحالف مع المستعمرين, قد شاخ وأوغل في التخريف, ولم يعد هناك من سبيل الا أن يذهب الى الأبد. وبالفعل, لم تمض سوى بضعة شهور, حتى بزغ فجر 23 يوليو.

تعليقات

تعليقات