استراحة البيان: قليل من الوهم يصلح الوجدان: يكتبها اليوم - محمد الخولي

يقولون ان المسرح هو ابوالفنون, بمعنى انه حاصل كم وكيف لفنون اخرى ما بين فن القص أو الحكاية, وفن الحوار, وفن الديكور والملابس وفن الحركة ــ كوريغرافي ــ وفن الموسيقى المصاحبة ويتوج هذا كله في التمثيل , أو التشخيص كما كان يصفه وبحق ابناء الجيل الماضي في دنيا العرب. وسواء اخذنا بقولة شكسبير, أو مقولة يوسف بك وهي بان الدنيا ما هي إلا مسرح كبير. نقول ــ سواء اخذنا بكلام يوسف بك أو مشخصاتي الانجليز ويليام شكسبير, فما من شك ان ثمة مفاعلة أو مقاربة أو مرادفة (بفتح الدال) بين عالم الواقع وعالم المسرح بمعنى ان دنيا الحقيقة أو الشهادة هي مسرح الواقع وان عالم التمثيل أو التشخيص وفتح الستارة واسدالها هو بدوره صورة تحاكي الواقع المعاش وتجاربه وتعكس ابعاده ولكن بمنطق الموهبة والابداع الفني وبين العالمين الواقع والمسرح ثم جسر يربط بينهما اسمه الايهام وكان يسميه ابناء عصور سبقت في العربية باسم (التخييل) وقد اطلقوه يوما على (البابات) وهي مسرحيات خيال الظل التي انتشرت في مصر الايوبية وما بعدها ـ على حد علمنا ــ وكان اشهر صانعيها المعلم ابن دانيال الذي كان يتوسل بالاضواء والظلال وبأشكال مصنوعة تحاكي الحيوان والانسان فيما ينطق بالحوار المعلم ابن دانيال وتلاميذه من بعده. ولعل فن (خيال الظل) هو الجد الاعلى أو السلف الصالح والساذج ايضا لفن التخييل السينمائي الذي توصل اليه الاخوان لوميير في فرنسا مع مغيب القرن التاسع عشر وبواكير هذا القرن العشرين وخلع عليه الانجليز اسم (الصورة المتحركة) وعرفه الامريكان من بعد باسم السينما ثم استورده العرب وسرهم على عادتهم في استيراد ما (يجود) به الغرب من مخترعات واكتفوا ــ كعادتهم ايضا ــ بان توصلوا إلى اسم (دار الخيالة) وكم هنأوا انفسهم مرات ومرات على هذا المصطلح النحرير(!) وكم ضربنا معلمونا ــ سامحهم الله ـ كي نحفظ هذا المصطلح وان نكتبه في مواضيع الانشاء اذا اردنا ان نحكي عن مشاهدة فيلم لانور وجدي أو اسماعيل ياسين أو محمود المليجي وكم كنا يومها نشعر بازدواجية اللغة وشيزوفرانيا التعبير, أو هو النفاق اللغوي بين المدرسة والحياة, نكتب عن تجربتنا في دار الخيالة وعقولنا الصغيرة تدرك تماما اننا نتحدث عن السينما وعن دار السينما التي ارتدناها مساء الخميس تراودنا آمال عظام وتخايلنا الافيشات والاعلانات الضخمة الملونة ونروض اللسان والفؤاد على قراءة اسم اسماعيل ياسين أو محمود شكوكو أو شرفنطح (الاسم الفني للممثل القديم محمد كمال المصري) أو زينات صدقي (بنت البلد اللهلوبة) وساعتها ندرك ــ بيقين ــ انه تنتظرنا جرعات لا حولها من فيوض الضحك والفرفشة. مشكلتنا مع تلك الافلام لم تكن في ركاكة صناعتها بل كانت في ذلك الالم الذي كان يصيب العنق من تكرار مشاهدتها من مقاعد (الترسو) وهي الدرجة الثالثة كما لا يخفى عليك ولم تكن نقودنا لتبلغ بنا مبلغ تجاوز تلك الدرجة التي صنعت مقاعدها في الدرك الاول تحت الشاشة البيضاء مباشرة فأنت تجلس رافعا قامتك على مدى ثلاث ساعات كي تضحك على خفة دم شكوكو أو زينات صدقي ثم تخرج بعنق متصلب دع عنك رائحة مطهرات (الشل توكس) واحماض الفينيك التي تملأ الخياشيم وكان اصحاب دور السينما يرشونها فوق الارضيات لزوم التعقيم وحسب تعليمات وزارة الصحة العمومية في ذلك الزمان, اعناق متصلبة لا يهم, خياشيم مفعمة بأحماض التطهير, كله يهون في سبيل ان تفوز بجرعات الضحك البريء مستقاة من نبع التخييل والتشخيص ومستندة إلى الجذر التربيعي أو التكعيبي للفن كله وهو... الوهم والايهام. انك تستمتع بالمسرح وشخوصه وحواره وفصوله اذا ما كففت, راضيا ومختارا وبارادتك عن عدم التصديق, هكذا يقول لنا الشاعر ـ الناقد الانجليزي ـ صامويل تايلور كولردج (وقد اشرنا إلى طرف من حياته وشعره الرومانسي في حديث سبق على هذه الزاوية) وتلك هي (اوهام المسرح) كما وصفها يوما العالم والاديب الانجليزي ايضا فرانسيس بيكون. وكلما اجاد الممثلون, اندمج المشاهدون في تصديق ما يعرض امام عيونهم من مشاهد وسلوكيات ودوت قاعة المسرح بضحكات تجلجل من القلب في حالة الكوميديا, أو انسابت بل انهمرت شآبيب الدموع من مآقي المشاهدين في حالة التراجيديات, والويل كله اذا ما انكسر حاجز الايهام, هناك تتحول الكوميديا إلى مسخرة, وتتحول التراجيديا إلى ملهاة ممسوخة, ويفقد الناس متعة هذا الوهم الجميل اللذيذ. زمان.. كانت دار الاوبرا (الملكية) المصرية تقدم رائعة شكسبير الشهيرة (روميو وجولييت) وكانت البطلة هي دولت ابيض وكان روميو البطل هو الممثل الكلاسيكي القديم جورج ابيض الذي كان مشهورا عنه الاندماج في الدور إلى حد ان ينسى ما حوله وتكاد شخصيته الحقيقية تتلاشى أو تتلبسها الشخصية الممسرحة ويذوب الكائن المسمى جورج ابيض من الوجود ليحل محله أو يحل بين جوانحه كائنات اخرى مابين الكاردنيال ريشليو أو لويس السادس عشر أو البطل المغرم صبابه وهياما, روميو. قال الراوي: وظل الأستاذ جورج ابيض في حالة تسخين وهو يهم بدخول خشبة المسرح ليؤدي مع جولييت مشهد الشرفة الشهير في مسرحية شكسبير وكان المخرج قد اوقف البطلة ــ جولييت فوق شرفة مرسومة امام النظارة ومصنوعة من خيش أو قماش ملون سميك يوهم المشاهد انه جزء من بيت المحبوبة المحاط بفنون الزهر وناضر الرياحين, اما صاحبنا روميو الهمام فكان يرتدي بدلته على طراز ذلك العصر, موشاة بالقصب ومحلاة بازرار لامعة تخطف الانظار واذ دخل الممثل بجرمه الضخم واندماجه الكامل إلى المسرح, تصادف, والصدفة مؤسفة بالواقع. بطرف قماش الديكور وهكذا دخل روميو إلى حيث الشرفة الموعودة حاملا فوق كتفيه العريضين كل الديكور المنصوب وفوجىء المشاهدون في دار الاوبرا بالامر وقد انكشف امامهم, شاهدوا ما كان يستره ديكور القماش السميك الرخيص, عمال المسرح في مباذلهم, سلالم خشبية وجرادل الطلاء وحبال وقطة تنظر هنا وهناك وانكشفت جولييت الجميلة وقد وقفت فوق كرسي رخيص كان يستره الديكور ولم يكن ثمة زهر أو ريحان أو يحزنون. وتعالت الضحكات ممزوجة بدهشة السخرية ومخلوطة بزفرات من خيبة الامل راكبة قافلة من جمال, كل هذا والمحروس روميو ولا هو هنا: ولم يشعر جورج ابيض بالامر كله بل كان في غاية الاندماج, وكل همه ان يردد اشعار خالد الذكر شكسبير, واصفا جمال الليل وروعة النجوم في كبد السماء, ومتغزلا في سحر المحبوبة جولييت وقد استوت في كبرياء جمالها الساحر الاخاذ وسط هالات الزهر وباقات الريحان, وانكسر يومها حاجز الايهام وكانت حكاية رددتها يومها مجامع قاهرة ذلك الزمان الساذج الجميل, ومنهم لله, هؤلاء الذين جعلونا نكتب هذا الكلام, واصل الحكاية ان عرضت كبرى قنوات التلفزيون الامريكي مقابلة مصورة مع المخرج المتخصص في الاعيب الكومبيوتر (الحاسوب من فضلك) وانصتنا إلى الرجل وهو يشرح لنا كيف ان الحاسوب قد تدخل في صنع معظم المشاهد التي اخذت بجماع افئدتنا وحبسنا معها انفسنا في فيلم (تايتانيك) الذي شد انظار العالم, ولعله لايزال, وعرفنا اننا دفعنا نصيبنا في المليار وربع مليار من الدولارات, حين شاهدنا الفيلم في (دار الخيالة) في نيويورك, وعرفنا ايضا ان قمة مشاهد الفيلم وهو الذي يصور البطل وقد احاط بكتفي البطلة ووقفا عند اقصى مقدمة السفينة الفارهة مطلين على المحيط الاطلسي. ومندمجين في تشكيل بشري يسلب الالباب ومن حولهما تتردد الاغنية الشهيرة التي انشدتها سيلين ديلون ونالت عليها الاوسكار, ضمن الاوسكارات العديدة التي نالها الفيلم, عرفنا ان هذا كله لم يكن له من الحقيقة الرائعة اي نصيب, فلم يكن ثمة لا سفينة ولا بحر محيط ولا امواج مضطربة بل كان الامر لعبة مصغرة من العاب الكومبيوتر, وقف فيه الممثلان على شبه مرتفع ومن خلفهما ستارة وهم على شكل التيتانيك ومن حولهما موجات موهومة ايضا من صنع الحاسوب الذي كان له دوره, كما شاهدنا وبالامثلة في توليف ــ هل ـ نقول تزييف مشاهد الفيلم الكبير هنالك باخت الامور, وخبت الانوار, وتجرد السحر من اسراره اما نحن فقد عرفنا الفولة كما يقول المصريون, وكانت قد كلفتنا من عزيز الدولارات بضعة وعشرين فمن يردها اليها؟ أو بالاحرى, من يرد إلى ارواحنا ما تفاعلنا معه, في رحلة تيتانيك, ضروب الوهم الاخاذ.

تعليقات

تعليقات