المفكر والسياسي اللبناني منح الصلح لـ البيان: أفضل الأدب ما يكتبه أشخاص ليسوا أدباء

عرف منح الصلح كمفكر لبناني وعربي انتج الكثير من الافكار والاجتهادات في الفكر القومي والعمل القومي على السواء وعلى مدى الثلاثين او الاربعين سنة الماضية كان لمنح الصلح حضوره الفكري المتميز في الساحة اللبنانية والساحة العربية ونجاحه على صعيد الفكر العربي القومي الذي اغناه الصلح وطوره واضاف اليه وبخاصة عبر كتابيه: (الاسلام وحركة التحرر العربي) و(مصر والعروبة) الصادرين عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. على ان منح الصلح الذي اشتهر كمفكر هو ايضا اديب وله آراء ادبية ودراسات ومقالات تدل على تمكنه من حرفة الادب دون احتراف لها, وفي الحوار التالي الذي اجريته مؤخرا معه في بيروت نتعرف الى وجهه الادبي ورحلته الادبية المكتومة منذ كان طالبا في المدارس الثانوية مرورا بمرحلته في جامعة بيروت الامريكية وصولا الى وقتنا الراهن وفي هذا الحوار يبدي الصلح رأيه في الحداثة, والابداع, والشعراء العرب المعاصرين والمحدثين الذين يحب شعرهم, كما يبدي رأيا في مدينة بيروت وما قدمته للعروبة وفلسطين والادب والنهضة ومن اطرف ما يقوله ان افضل الادب هو ما يكتبه اشخاص ليسوا ادباء اصلا كالسياسيين والاطباء والقضاة وما الى ذلك... قال الاستاذ منح الصلح : في احدى مسرحيات موليير الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير يسأل البورجوازي الراغب في التعلم استاذه عما هو الشعر فيقول الاستاذ ان الشعر هو ماجاء مقفى موزونا في الكلام. فيسأل البورجوازي: والنثر؟ فيجيبه: كل كلام خال من الوزن والقافية هو نثر. فقال: يعني كلامي هل يصنف نثرا؟ فقال له المعلم: نعم انه نثر... وهكذا ذهب في اللغة الفرنسية المثل السائد: (السيد جوردان يقوم باداء النثر دون ان يدري) . والواقع ان هذه المسرحية الموليرية الرائعة التي ورد فيها هذا المقطع الجميل عن الناثر الذي لا يعرف ان كلامه هو نثر, تشير الى حالة اصيلة عند قطاعات واسعة من المثقفين الذين قد يكون ما ينتجونه ادبا دون ان دروا هم كذلك انه ادب. فمن المثقفين قاص يتقصى الدقة في اعطاء حكم من الاحكام فتأتي دقته ذاتها لابسة لباس الادب. ومن المثقفين محام يهيىء مرافعة يلزم نفسه فيها بالمعنى المحكم واللفظ المؤدي فاذا المرافعة قطعة ادبية. ومن المثقفين مؤرخ او صحافي يسرد واقعه متوخيا التبليغ لا اكثر ولا اقل فاذا به ينشىء وهو لا يدري قطعة ادبية ومن المثقفين واعظ في مسجد, او محاضر في ناد, او قائد مظاهرة يصوغ عبارة او شعارا فتأتي العبارة والشعار مسبوكين سبكا هو من الصناعة الادبية في الصميم. ومن الممكن القول انه لو قارنا ادب الادباء بأدب غير الادباء اذا صح التعبير فما رجحت بالضرورة كفة الأدباء على غير الادباء في نصيبهم من استحقاق صفة الانتساب الى الادب بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة. سمات الأدب لادب غير الادباء هذا سمات يتميز بها في بعض الحالات عن ادب الادباء, فهو نادرا ما يتبرج ونادرا ما يفتعل ونادرا ما يصوغ المعنى بأكثر مما يتطلب من كلانا, بل ان ادب غير الادباء كثيرا ما يعكس احوالا في الواقع المعيشي ويتضمن نفحة نهضوية لا ينطوي عليها كثير من ادب الادباء وقد عاشرت في حياتي ادباء محترفين للادب وساسة محترفين للسياسة ومثقفين من كل لون وجنس واشهد انني ما كنت اشعر في اكثر الحالات بتفوق جماعات الاحتراف في الادب على غيرهم من المتعاطين في العلوم والاداب والمسالك الانسانية الاجتماعية بل بين الادباء وجماعة العلم الخالص الذين يحرصون في العادة على الباس المعنى الثوب الذي خلق من اجله. واعرف ان عددا كبيرا من العظماء في العلم والسياسة كانوا من كبار الادباء فتشرشل وديجول كانا من مفاخر ادب غير الادباء وكلود برنارد وباستور العالمان كانا ايضا من مفاخر ادب غير الادباء. والسياسة قد يخرج منها سياسي عظيم لا يتصف بصفة الادب وكأن هناك علاقة بين صنعة السياسي وصنعة الادب, فهو يتوجه بعمله الى الناس ويخاطب عقولهم وقلوبهم ويسبر اغوارهم ويدعوهم الى التسامي ووقفات, فهو بذلك يكون من غير شك اديبا. ان هذا الكلام لا ينطبق بالطبع على الافذاذ المعدودين من عباقرة الانتاج الادبي. فهؤلاء يسمون بانتاجهم عن انتاج سواهم من الناس ولكن هم قلة. اما القاعدة فهي ان معظم الادب ومعظم الانتاج المعنوي والكتابي الجيد يجب ان يطلب في ادب غير الادباء وليس في ادب الادباء. ماجستير عن السخرية في الأدب * وما الذي انتجته انت كمفكر تحت اسم الادب المحض؟ ـ انا شخصيا لم انتج فيما اذكر الا مقطوعات قليلة وقصيرة يمكن ادراجها تحت اسم الادب بالمعنى الذي يتعارف عليه النقاد, ولكن هذا لا يعني انني لم اكتب في النقد مثلا. اذكر على سبيل المثال انني كتبت اطروحتي لنيل الماجستير في الجامعة الامريكية ببيروت عن السخرية في الادب العربي: (السخرية في الادب العربي من العصر الجاهلي الى القرن الرابع) وقد قصرت الاطروحة على موضوع النثر وحده. وقد مهدت للاطروحة بدراسة حول معنى كلمة سخرية. وميزت بدقة بين ما تعنيه كلمة سخرية وما تعنيه كلمة تهكم وكلمة دعابة وكلمة هجاء وكلمة هزء واستنبطت من معنى هذه الكلمة المصطلح ومن معاني الحروف وايماءاتها التي تتشكل منها لفظة سخرية, ان السخرية هي ذلك الفن الذي يعبر عن نفسه تعبيرا تتوفر فيه شروط الاخفاء والاسرار والنقد فاذا توفر كل ذلك مجتمعا في عبارة او خاطرة يكون سخرية. وقد درست السخرية في القصص العربي وفي الامثال السائدة, ثم درستها عند بعض الكتاب والشخصيات الادبية البارزة, اذكر منهم على سبيل المثال بديع الزمان الهمذاني والجاحظ وابن شهيد والاخير عرفته ساخرا في رسالة التوابع والزوابع بينما كان بديع الزمان ساخرا في الكثير من مقاماته وكان الجاحظ رأس الساخرين في معظم ما انتج من النثر الفني وقد اعتبرت ابا العلاء المعري في رسالة الغفران من الساخرين وان لم ادرسه مطولا في اطروحتي. ومن المحاولات التي يمكن ادراجها تحت باب المحاولات الادبية الخفيفة زوايا يومية كنت اكتبها في جريدة النداء التي كان يصدرها حزب النداء القومي حيث كنت اكتب الى جانب افتتاحية الجريدة زاوية لها طابع ادبي او شبه ادبي. واثناء تتلمذي في الجامعة الامريكية في بيروت كنت احد المسؤولين عن اصدار مجلة العروة التي كانت تصدرها جمعية العروة الوثقى وكنت اكتب بعض المقالات ذات الصفة السياسية وذات الصفة الادبية احيانا اخرى, ومن المقالات التي كتبتها وكانت ذات صفة ادبية اثنتان كتبتهما بالاشتراك بيني وبين خليل حاوي هاجمنا بها متكافلين متضامنين الشاعر سعيد عقل وقد كان عملاق الشعر اللبناني بل العربي في ذلك الزمن وكان خليل حاوي يقول لي دائما انه يعتبر هاتين المقالتين اللتين كتبتهما انا واياه معا في مجلة العروة بمثابة انطلاقة لذوق شعري جديد وكنت ابتسم عندما كان يقول لي هذا الكلام واقول له انه يريد ان اقتسم معه مجد النظرية لينفرد هو بعد ذلك بمجد التطبيق للشعر الحديث الذي كان هو احد رواده وبادئيه. وقد جاء الى لبنان مرة رئيس تحرير مجلة العصبة الاندلسية جبران مسعود (هذا اسمه كما اظن الآن) فقدمته بكلمة شعرية عن المغترب فاعجبت هذه الكلمة استاذي انيس الخوري المقدسي الذي نوه بها في الصف وقد كنت في اخر سنواتي في الجامعة واعتبرها قطعة من الادب الحديث. وقبل ذلك كانت لي مقطوعات ادبية بدأت انتجها منذ وجودي في الثانوية بالقسم الفرنسي في الجامعة الامريكية وكان استاذي فؤاد سليمان يشجعني على ذلك مشيدا باتجاهي الادبي. الا ان افضل ما انتجت من ادب في رأيي هو ما بقي بلا توقيع وبعضه انتاج اهديته لتنظيمات واحزاب سياسية في السنوات المتعاقبة. وفي معرض الحديث عن الكتابة بلا توقيع احب ان اذكر حادثتين لطرافتهما لا للقيمة الادبية فيهما, فقد اصدر في يوم من الايام الصحافي اللبناني المعروف اسكندر الرياشي كتابا شيقا من التاريخ السياسي هو كتاب (قبل وبعد) فكتبت تعليقا على هذا الكتاب نسجت فيه على منواله في الكتابة ووقعت التعليق بـ: (م. ص) فاذا باسكندر الرياشي يطالعني في الاسبوع الذي يلي بمقالة في جريدة الصحافي التائه التي كان يصدرها يديرها كلها على ما يلي: (من هو هذا الميم صاد؟ ميم هي ملك الكلام الجميل والعبارات المنمقة. صياد المعاني الحسان الى آخره) . وبقي الى اعداد متتالية يشيد بالكاتب المجهول الذي كتب في كتابه اشياء اجمل من كتابه, حسب تعبيره. الحداثة والكلاسيكية * انت كمفكر حديث من وجهة ما, وكلاسيكي او تقليدي من وجهة اخرى, هل تحب ان توصف بالحداثة ام بالكلاسيكية؟ ـ احب ان اوصف بالحداثة وان كنت لا ارى الحداثة شيئا منفصلا عن التراث, بل انني اعرف ان افضل الحديث ما استحق ان يجري في النهاية وكأنه جزء من التقليد الثقافي للامة, الا ان ولائي يجب ان يكون أولا للعصر الذي انا فيه ولهموم هذا العصر وللغة الخاصة التي يبتكرها كل عصر للتعبير عن نفسه. * وكيف تشعر انك امام قطعة ادبية ابداعية لا امام قطعة ادبية عادية؟ ـ عندما اشعر ان قطعة ادبية ما قد دفعتني الى مستوى انساني اغنى وارقى وارهف من المستوى الذي اعيشه في العادة او في العادي من الايام ولابد في الشهادة لاثر ما بالابداعية من ان تثير هذا الاثر في نفسي السؤال الآتي: هل هذا المعنى هو معنى اسمعه للمرة الاولى؟ هل هذا العمل هو اول ابتداء من نوعه اعيشه؟ عندما ينعدم هذا السؤال لا تكون الحالة في نظري حالة ابداعية, فالابداع هو ان تساءل امام اثر ما, هل هذا الذي تسمعه آت من غيب تستكشفه انت للمرة الاولى؟ * مَن مِن شعراء العرب المعاصرين والمحدثين يلفت نظرك؟ من هم شعراؤك المفضلون؟ ـ احب شعر محمود درويش واعتبره حديثا يترقرق فيه ماء الشعور الانساني ويتوفر فيه جمال الاداء والانتماء لزمن الحلم والقلق والعذاب الذي نحن فيه. اما من الشعراء الآخرين, فانني احب شوقي وخليل مطران والسياب وخليل حاوي وطبعا بدوي الجبل وامين نخلة. شعراء الهجاء (البيارته) * ما الذي تعنيه لك مدينة بيروت ادبيا وفكريا؟ وهل هي شيء ولبنان شيء آخر؟ ـ ليس صحيحا ان بيروت مدينة بليدة الذهن والخيال, خصوصا في تراثها الادبي الساخر الذي بدأ مع بداية هذا القرن بشعراء الهجاء البيارتة المعروفين كمصباح رمضان وعلي العشي وصولا الى عمر الزعني ومرورا بعمر فاخوري وغيره. النكتة السياسية التي كانت شائعة ودارجة قبل العصر الحالي, كانت تقول ان العمل الوطني في لبنان هو مجموعة من الشيعة, يتقدمهم رف من المسيحيين, يسيرون في شارع سني, بشعارات فلسطينية. ولكن هذه النكتة لا توزع الحقوق بعدل فمدينة بيروت لم تكن ولا هي الآن مجرد شارع ومضافة لوطنيين من خارجها. صحيح ان عبدالناصر كان عملاقا, ولكنه يوم اطل على العالم العربي والعالم كان الى جانبه عملاق آخر هو مدينة بيروت. والعمل الفدائي هو الآخر عملاق, ولكن اشعاعه العربي والعالمي لم يكتمل الا لانه كان الى جانبه مدينة بيروت. والناس تقول الآن اين هو لبنان؟ ومن الحق ايضا ان يقولوا اين هي بيروت؟ فبدونها يكون كل شيء ناقصا في البلاد, فهي التي صنعت, لا المد الناصري والفلسطيني فقط, بل صنعت اكثر الاحزاب العربية, والمنظمات واطلقت اشد التيارات والكلمات اثرا في الحياة العربية الحديثة. لقد جاهد الشاعر سعيد عقل جهادا كبيرا حتى طارت كلمة بيروت وحلت محلها كلمة لبنان كان سعيد عقل ينزعج انزعاجا عظيما من كلمة بيروت لانها كانت دائما مدينة عربية. ان صحف بيروت منذ ايام العثمانيين اهم صحف في العالم العربي, من ايام (ثمرات القلوب) التي انشأها عبدالقادر القباني, الى (الاتحاد العثماني) وصاحبها الشهيد الشيخ احمد حسن طبارة, الى (المفيد) وصاحبها الشهيد عبدالغني العريسي, الى (الحقيقة) للشيخ احمد عباس, الى (نبراس) مصطفى الغلاييني, الى (النداء) و(بيروت) و(النهار) و(السفير) اذن هناك تراث بيروتي عربي قد لا يضاهيه تراث في المشرق كله. كذلك كانت مدارس بيروت كلها وليس فقط الجامعة اليسوعية والجامعة الامريكية والحكمة والبطركية والثلاثة قمما كانت مهمة جدا في نهضة العرب ومدرسة الشيخ احمد عباس الازهري على الخصوص التي سميت بمدرسة الشهداء. اكثر شهداء 6 مايو كانوا من هذه المدرسة. لقد درست افذاذا قادوا السياسة والفكر في لبنان والبلاد العربية ومن تلامذتها البيارتة رياض الصلح وعمر فاخوري وعمر الزعني. حوار - جهاد فاضل

تعليقات

تعليقات