استراحة البيان: مشاعر إلكترونية : يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

اذا كان هذا القرن هو قرن الثورة الصناعية وثورة المعلومات والاتصالات والوصول الى القمر حقا وليس شعرا واختراع الصاروخ والسيارة والكلاشينكوف وادارة الحرب والسلم بالريموت كونترول وغيرها من الاكتشافات والاختراعات والظواهر فماذا سنسمي القرن المقبل ؟ ظهرت اتفاقية الجات الى الوجود فبدأت التكتلات الاقتصادية تطفو على السطح, شركات عملاقة ميزانياتها ميزانية دول او ربما تفوق بعض الدول قليلا تندمج او تبحث عن توأمة اقتصادية لمواجهة رياح التغيير التي لا نعرفها نحن بل يعرفها الآخرون... يحسون بها او يعيشونها. مليارات الدولارات تنفق في البحث العلمي لايجاد حياة افضل لانسان اليوم والغد, ونحن نلقف ما يصنعون وينتجون ونتفاعل مع معطيات ذاك التفوق الانساني بشكل سلبي, الا فيما ندر. اعود فأقول... ماذا سنطلق على القرن المقبل, بعد ان سقط الاتحاد السوفييتي على قرنه فانكسرت رقبته وراح في غيبوبة نسي خلالها اسمه وعنوانه وبيته واصحابه, ليولد باسم جديد وعنوان جديد واصحاب جدد... ماذا سنطلق على القرن المقبل بعد ان رحل الشعر وضاعت القصيدة ومات الراوي وانطفأ الحس بقيمة الاشياء وأهميتها... ماذا وماذا وماذا؟ جميعنا يبحث عن وجه جديد للقرن المقبل... فماذا عسى ان يكون هذا الوجه؟ انه وجه يعمل بالريموت كونترول, يبتسم بالامر ويضحك بالامر ويصمت بالامر... وجه يحددنا ولا نحدده, هكذا يقول اليابانيون. اذن نحن نتهيأ للدخول في قرن آخر لا يعير المشاعر الانسانية بالا... قرن بامكاننا ان نطلق عليه قرن المشاعر الالكترونية... بعد ان دخلت مشاعرنا الانسانية عبر (الوايرلس) , وأصبحت آلة الكترونية صغيرة تتحكم بها, ولهذا علينا ان ننسف ملايين القصائد ونحرق ملايين الكتب التي عرفتها البشرية في رسم خفقات القلب السريعة وعلينا ان ننسى تراثا جميلا نقشته تلك المشاعر الصادقة وان نصدق آلة صغيرة تأمرنا بأن نعشق هذا ونكره ذاك. ولا ادري ان كان بامكان ذاكرة العشق العربي ان تنسى أجمل وأعذب الشعر العذري, شعر قيس بن ذريح وهو يقول في (لبناه) : تعلق روحي روحها قبل خلقنا/ومن بعد ما كنّا نطافا وفي المهد/فزاد كما زدنا وأصبح ناميا/وليس اذا متنا بمنتقض العهد/ ولا ادري ايضا ان كان بامكان آلة جامدة ان تهتز شوقا وطربا لأن من يهواه القلب مقبل على صاحبه. نعود فنقول ان اليابانيين أرادوا ان يدخلوا العالم وهو يستقبل القرن المقبل في عصر المشاعر الالكترونية وقد كان لهم ما أرادوا... فقد تحولت خفقات القلب واحمرار الوجنتين والصوت المتقطع الخافت المتدفق حياء الى علامات واشارات واصوات تصدرها آلات تربط باليد او بغيرها من أعضاء الجسم. وأصبحت تلك الآلة الصغيرة التي طرحتها احدى الشركات اليابانية هي آلة القلب التي يكاد لا يستغني عنها اي ياباني الآن. تلك الآلة التي تحمل في الجيب وتدعى Lovegetya بامكانها ان تصدر صوتا لدى اقتراب حاملها من شخص صالح للمعاشرة او الحب او الصداقة اذ يخفق قلبها قبل ان يدق قلب صاحبها فتعطي اشارة معينة عبارة عن ضوء اخضر للتعارف الفوري. وقد اشارت الاحصائيات ان حوالي 350 الفا من سكان طوكيو يحملون آلة القلب والمشاعر معهم اينما ذهبوا في اشارة الى ان سكان المدن الكبرى يظلون اكثر خوفا من الدخول في علاقات انسانية صافية ونقية لأن اكثر تلك العلاقات تشوبها المصلحة والماديات. المثير ان تلك الآلة انتشرت بشكل مثير في اوساط الشباب والكبار كذلك, فهؤلاء يعتمدون عليها اعتمادا كبيرا في التقارب خصوصا عندما يشير الضوء الاخضر فيها الى ان الشخص الماثل أمامهم يصلح للحب... ورغم تفوق تلك الآلة الا ان الاخفاق احيانا يصبح حقيقة واقعة فقد ظل احد الشباب اليابانيين يبحث عن نصفه الآخر عبر تلك الآلة وقد باءت محاولاته كلها بالفشل, ولا ندري ان كان هناك خلل في الآلة او ان قوة البطاريات قد نفدت ولا تستغرب ان عثر صاحبنا على نصفه الآخر في حديقة حيوان وظهر ذاك الآخر حمارا او بقرة. واكدت احدى اليابانيات ان صوت الآلة لا يعطي تأكيدا حقيقيا للعثور على النصف الآخر فقد اعطتها تلك الآلة اشارة خضراء عندما رأت شابا استحسنت شكله ومنظره فلوحت له بابتسامة عريضة الا انه هرب مسرعا قبل ان تصمت الآلة وتسكت عن الكلام المباح. ولايبدو مستغربا ان يشهد القرن المقبل بيع علب في السوبر ماركت والبقالات فيها مشاعر حب وكره وبغض فاذا اردت كيلو حب وعشق فستجده باشكال مختلفة عشقا عربيا بالكراميل وحبا يابانيا بالفاصوليا وعشقا امريكيا بالبطاطا وهكذا. انه عصر المشاعر الالكترونية... عصر المشاعر المعلبة فلا تستغربوا.

تعليقات

تعليقات