استراحة البيان: من هتلر الى نتانياهو عملية استنساخ غير معلنة: يكتبها اليوم ـ مصطفى كمال

في هذه الايام, تمر الذكرى السنوية لانتهاء الحرب العالمية الثانية دون ان يكاد يلحظها احد, وعلى العكس احتفل الغرب ولايزال يحتفل بالذكرى الخمسين لغرس الخنجر الاسرائيلي في قلب الوطن العربي ... مع ان المناسبة الاولى كانت اولى بالاحتفال باعتبارها عرسا للحرية وعيدا لانتصارها, بينما الثانية سيظل مكانها بالتاريخ واحدة من ابشع الجرائم ضد الانسانية, ومأتما مستمرا للشرعية الدولية. ستظل راياته السوداء مرفوعة ومخضبة بدماء شعب بأسره هو الشعب العربي الفلسطيني حتى يغير الله امرا كان مفعولا. ولكن ماذا نفعل مع النفاق الدولي الذي اصبح ابرز سمات العصر على الاقل منذ انفراد الولايات المتحدة بدور القطب الواحد الاعظم الذي لا راد لمشيئته ولا عاصم من امره الا ما شاء الله. والامر لله طبعا من قبل ومن بعد.. غير ان الله سبحانه وتعالى لن يغير ما بنا حتى نغير ما بأنفسنا.. هكذا قضى ووعد في كتابه, ولكن يبدو ان البعض منا ينسون او يتناسون او يتعمدون النسيان. وإلى ان تنشط الذاكرة العربية نعود للحديث عن الحرب العالمية الثانية التي نرجو ان تكون الحرب العالمية الاخيرة. ولنبدأ بالحديث عن هتلر مفجر هذه الحرب والمجرم الاكبر المسؤول عن ازهاق ارواح اربعين مليون انسان. وعن كل البلايا والكوارث التي لم ينج منها شبر واحد على ظهر الارض. الا اننا يجب الا ننسى انه لم يكن يستحق كل هذا الوصف لولا انه انهزم ولو كانت الحرب قد انتهت بانتصاره لأصبح في نظر التاريخ اعظم الغزاة... وربما لأدرجه البعض ــ بعد الف عام ــ في عداد الانبياء. واذا كان شكله الآن قد اصبح منسيا فان لدينا الآن صورة منه تطالعنا ليل نهار على صفحات الصحف وشاشات التلفزيون... هي صورة بنيامين نتانياهو... ويكفي ان نضع تحت انفه شاربا من نوع الخنفساء لكي تدرك على الفور ان النعجة دوللي ليست هي الثمرة الوحيدة لعمليات الاستنساخ. والاستنساخ هنا ليس فقط على الصعيد البيولوجي وانما هو طفرة اكبر آلاف المرات في علم الهندسة الوراثية... لأنه تجاوز الخلايا الجسدية الى دوائر المخ الكهربائية ومجالات الفكر المغناطيسية. وسبحان ربك الاعظم علم الانسان مالم يعلم. وهذا بالطبع لابد وان يقودنا الى بعض التفاؤل. فما دام الاستنساخ الهتلري النتانياوي قد وصل الى هذا الحد من التطابق في الشكل والمضمون ألا يكون من المعقول جدا ان ينتهي الى نفس المصير؟ وهل يمكن ان يكون نتانياهو قد وصل الآن الى اللحظة نفسها الفاصلة التي حولت هتلر من القائد المنتصر الذي اركع اوروبا كلها تحت قدميه الى شبح هارب تطارده مخالب الهزيمة حتى لا يجد مفرا سوى الانتحار؟ ماذا كانت اللحظة الفاصلة في مسيرة هتلر الدامية والتي جمعت كل انتصاراته في حزمة واحدة وألقت بها في محرقة الهزيمة الساحقة؟ يقول المأرخون ان هذه اللحظة كانت فجر يوم 22 يونيو 1941 عندما اعطى هتلر ظهره للغرب. ووجه كل قوته الضاربة لغزو روسيا. كان هتلر حتى هذه اللحظة في قمة انتصاراته, اوروبا كلها تحت اقدامه ولم يعد فيها سوى بريطانيا التي كانت تتلوى تحت سيل لا ينقطع من الغارات الجوية الهائلة ــ وصلت في بعض الاحيان الى ألف طائرة مغيرة في اليوم الواحد ــ ولكنها ظلت صامدة وابت ان تستسلم. ولم تكن امريكا قد دخلت الحرب بعد ومع ان رئيسها حينذاك ــ فرانكلين روزفلت ــ كان متعاطفا مع البريطانيين الا انه كان هناك تيار قوي في الولايات المتحدة يعارض هذا التعاطف على اساس ان اوروبا الخاضعة بالكامل لألمانيا القوية هي افضل ضمان لوقف الزحف الشيوعي القادم من الشرق... من موسكو. وكان هذا هو الرهان الذي راهن عليه هتلر وهو يقرر الانصراف عن مواصلة المعركة مع بريطانيا والاتجاه بدلا من ذلك نحو الشرق. ولعل تقديره كان ان امريكا سوف تطل لتفرغ قوة النازي الرهيبة المستندة الى كل موارد اوروبا لكي تقضي على الخطر الشيوعي في مهده وبالتالي سوف تضغط على البريطانيين المثخنين بالجراح لكي يعجلوا بالتصالح مع الالمان بل وربما يشاركون في المهمة المقدسة للقضاء على الشيوعية وتدمير قلعتها في موسكو. ولكن هتلر خسر الرهان الذي قامر عليه بكل رصيده فاستحق الهزيمة المنكرة لخطأ حساباته. يقول المارشال زوكوف القائد الروسي الذي طارد هتلر من ستالنجراد حتى دخل قصر المستشارية في برلين ان ستالين ايضا اخطأ خطأ هائلا في نفس الفترة ومع ان هذا الخطأ لم يكلف هزيمة ساحقة مثل تلك التي اصابت هتلر الا انه كلف روسيا عشرين مليون قتيل, فضلا عن خسائر لا حد لها في بنيتها الاقتصادية ظلت تلاحقها عشرات السنين حتى أودت في النهاية بالاتحاد السوفييتي كله. فقبل الغزو الهتلري بعدة اشهر كما يقول زوكوف وصلت تقارير الاجهزة السرية لستالين مؤكدة ان هتلر يستعد لهجوم كاسح ضد روسيا. ولكن ستالين كذب تلك التقارير مؤكدا بدوره ان معلوماتها مدسوسة من جانب المخابرات البريطانية بهدف الوقيعة بين روسيا والمانيا اللتين تربطهما معا اتفاقية عدم اعتداء تم توقيعها عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية في اغسطس 1939. كانت وجهة نظر ستالين ان هتلر لا يمكن ان يفتح على نفسه جبهة قتالية في الشرق, بينما لا يزال يقاتل ضد البريطانيين في الغرب. وعندما جاءت التقارير الواردة من ناحية الحدود مع رومانيا في الجنوب ودول البلطيق في الشمال وخطوط تقسيم بولندا في الوسط لتؤكد كلها ان هناك اربعين فرقة المانية تتحرك في اتجاه الشرق وان الغزو الالماني بات وشيكا ظل ستالين على تكذيبها مكررا قوله ان هتلر لا يمكن ان يحارب في جبهتين. وحتى بعد ان قيل له ان الطائرات الالمانية بدأت بالفعل قصفها للمواقع الروسية على طول الحدود الغربية وان الدبابات الالمانية تخطت الحدود وهي تحرق كل ما يعترض طريقها من حرث ونسل ظل متمسكا برأيه, مصرا على ان هذا مجرد خطأ عابر... ولن يلبث هتلر حتى يصلحه لأنه (لا يمكن ان يحارب في جبهتين) . وعن هذا يقول زوكوف (كان خطأ ستالين الاكبر انه فكر بعقلية ستالين... ولم يفكر بعقلية هتلر) . والآن... ما هو موضع الخطأ الاستراتيجي الذي يمكن ان يقع فيه نتانياهو او لعله واقع فيه بالفعل فتكون نتيجته في النهاية الخلاص من شروره والقضاء على اوهامه العنصرية الى الآن؟ دعونا نفكر بعقليته هو... حتى لا نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه ستالين. ان نتانياهو يعتقد انه بالضغط على عرفات بحجة الامن يستطيع ان يدخل السلطة الفلسطينية في حرب مسلحة لا نهاية لها مع حركة حماس وانصارها... اي ان يدفع الفلسطينيين الى ابادة بعضهم البعض لحساب اسرائيل. ولكن ماذا لو اثبت الفلسطينيون انهم ليسوا من الغفلة بحيث يقعون في الفخ الاسرائيلي. ان النتيجة ستكون ضياع فرصة السلام من يد اسرائىل. وهي متاحة اليوم مثلما لم تكن متاحة لصالح اسرائىل في اي وقت مضى... ولا يمكن ان يتاح مثلها في اي وقت قادم... لأن من المؤكد ان اجيالنا الآتية لن تقبل بما قبلته اجيالنا الراهنة في لحظة ضعف عربي غير قابلة للاستمرار.. او التكرار.

تعليقات

تعليقات