استراحة البيان : مصر التي في خاطرها !! بقلم - جلال عارف

بعد ايام من قيام ثورة يوليو 1952, لاحظت ام كلثوم ان الاذاعة المصرية لا تذيع شيئاً من أغانيها, واتصلت بأصدقائها تسأل وتستفسر وكان مصطفى أمين من بين من اتصلت بهم, فسارع بدوره يبلغ جمال عبدالناصر الذي كان القليلون في ذلك الوقت يعرفون انه القائد الحقيقي للثورة . وأبدى عبدالناصر دهشته واستنكاره, عندما ظهرت الحقيقة وهي أن الضابط المكلف بتأمين الاذاعة هو الذي امر بذلك, وعندما اتصل به عبدالناصر كان تبرير الضابط ان ام كلثوم غنت للملك المخلوع فلا ينبغي ان تغني للثورة! وصحح عبدالناصر الاوضاع على الفور, وعادت اغنيات ام كلثوم تصافح آذان المستمعين للاذاعة المصريةوكانت هذه اللحظة بداية علاقة امتدت بين ام كلثوم وبين الثورة وعبدالناصر الذي كان يدرك قيمة الفن كسلاح في معارك مصر, وقيمة وجود ام كلثوم في صف النظام الجديد الذي يسعى لتثبيت اقدامه. وكان لا بد أن تغني أم كلثوم للعهد الجديد. وكان لا بد ان تتملكها الحيرة, وتتنازعها مختلف المشاعر. فهي الفلاحة بنت الفلاح التي تعرف كيف يقاسي اهلها وكيف يقاسي الملايين في ظل النظام البائد, وهي تعرف كيف حرمت هي نفسها رغم الذكاء والموهبة من فرصة التعلم بسبب الفقر, وكيف كادت تضيع موهبتها في ظلمة الارياف لولا القدر. وهي ــ مع الشهرة والمجد ــ المطربة التي انفتحت لها ابواب القصور, ونالت من التكريم ما لم تنله مطربة اخرى بل ما لم تنله الا القليلات في تاريخ مصر, فعندما اراد الملك المخلوع ان يتقرب من الشعب لم يجد خيراً من أن يهديها ارفع وسام تناله سيدة في مصر (نيشان الكمال) ويومها غضبت سيدات أسرة محمد علي من اقتحام فلاحة مصرية لعالمهن الذي كان بعيداً عن أحلام المصريات. وهي بحكم قربها من الطبقات العليا في المجتمع, كانت تعلم مقدار الفساد الذي ينتشر في ربوع البلاد, ومقدار سطوة الاحتلال الانجليزي, وكيف تآمر الجميع لمحاصرة الكفاح المسلح, وكيف احرقوا القاهرة وسجنوا الفدائيين. ثم هي اخيراً تحمل جرحها الشخصي, فهي التي احبها خال الملك, ولكنه لم يستطع الزواج منها بحكم الفوارق الطبيعية, ولعلها حمدت الله بعد ذلك ان هذا الزواج لم يتم عندما انفجرت في ختام عهد فاروق.. فضائح أمه التي ملأت كل مكان. احتارت ام كلثوم ماذا تغني. ولكنها وبذكائها المعهود استطاعت ان تجتاز فترة الانتقال الصعبة, بأن غنت للوطن وليس للنظام, غنت أم كلثوم (مصر التي في خاطري) و(مصر تتحدث عن نفسها) ثم قصيدة (الجلاء) لرامي عندما خرج الانجليز من مصر. وتعاملت ام كلثوم في البداية مع (رامي) الهادىء المتحفظ المشغول برومانسيته, وابتعدت عن العبقري الآخر الذي كان يكتب لها في هذه الأيام وحتى نهاية عمره.. بيرم التونسي ذلك المشاغب الذي كان لا بد ان يرمي نفسه في صف الثورة منذ البداية, بل من قبل البداية.. فهو المنحاز دوما لصفوف الحركة الوطنية الذي تم نفيه من مصر بعد هجائه للأسرة المالكة, وبعد ان جعلها اضحوكة الدنيا كلها بقصيدته الشهيرة (القرع السلطاني) . وقبلها كانت قصيدته الأخرى التي خاطب فيها فؤاد أبو فاروق قائلاً: بذلنا ولسه بنبذل نفوس/وقلنا عسى الله يزول الكابوس/ما شفنا الا عرشك يا تيس التيوس/لا مصر استقلت ولا يحزنون/ ابتعدت ام كلثوم عن اغاني بيرم الوطنية التي كان يملأ بها الدنيا منذ اللحظة الاولى للثورة, ولكن ذلك الابتعاد لم يدم طويلاً فسرعان ما ازداد انحياز أم كلثوم للنظام الجديد, ومع اتفاقية الجلاء التي كانت تحقق حلما طال انتظاره, ومع انتهاء الصراع على السلطة لمصلحة عبدالناصر ثم مع محاولة اغتياله في الاسكندرية.. كانت مصر كلها تبايعه, وكانت ام كلثوم تغني كلمات بيرم عن حادث المنشية. وغنت أم كلثوم عشرات الأغاني الوطنية لبيرم, لعل من اشهرها أغنيته عن السلام (بالسلام احنا بدينا) التي غنتها ام كلثوم بعد احد مؤتمرات عدم الانحياز (لعله مؤتمر بريوفي) والتي لجأوا اليها بعد كامب ديفيد, فصوروا لها فيلما مع لقطات من كامب ديفيد .. وكانت جريمة لا تغتفر!. ثم دخل صلاح جاهين على الخط, وهو في العشرينات من عمره القصير, وغنت ام كلثوم له (والله زمان يا سلاحي) عام 1956, ثم توالت روائعه معها التي كانت تقدمها في حفلات 23 يوليو التي كانت تغني فيها أمام عبدالناصر, وغنت ام كلثوم لجاهين (ثوار) و(راجعين بقوة السلاح) وغنت معه لكل الشعراء ... عبدالفتاح مصطفى ونزار قباني وكامل الشناوي, ومحمود حسن اسماعيل.. في زمن كانت قضايا الوطن تشغل الجميع. اقتربت ام كلثوم من الثورة ومن عبدالناصر, وعاشت أيام العز القومي, ثم اهتزت بشدة مع كارثة الهزيمة في 1967 وقررت الاعتزال, ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها لتبدأ دوراً رائعاً لا ينسى, حين قررت ان تطوف العالم العربي لتغني من اجل دعم المجهود الحربي, وفي هذه السن (السبعين اذا كنا نحتفل الآن بعيد ميلادها المئوي) تحملت عبء السفر الى الخليج والسودان وشمال افريقيا, وقبلها لباريس, وغنت وأبدعت وجمعت الملايين.. ولكن ذلك لم يكن الأساس فالأهم في هذه الرحلات انها كانت اعلاناً بان مصر لن تقتلها الهزيمة وانها قادرة في احلك الظروف على ان تحيا وتغني وتبدع وتبني وتستعد للثأر المحتوم, والأهم ايضاً انها كانت اعلانا بأن العرب جميعا مع مصر حتى الثأر وانه اذا كانت الشقيقة الكبرى في محنة فعلى الكل ان يتحمل المسؤولية حتى نعبر الهزيمة الى النصر. تقول ام كلثوم عن هذه الفترة تراجعت عن قراري بالاعتزال, ولكن عودتي بعد 67 لم تكن للغناء بالمعنى الذي عشته وأديته, كانت عودتي نوعا من وضع السلاح الذي املكه في خدمة بلدي. وروى لي احد كبار المسؤولين في هذه الفترة كيف كانت ام كلثوم في هذه الفترة مثالاً للحماس والوطنية والاخلاص والتفاني في حب الوطن كانت الدولة تعرض عليها ان تتحمل عنها بعض العبء فترفعه وتنفق على الاستعدادات لحفلها, وتفعل المستحيل لكي تنجح الرحلات, وتجند الاعلام لكي يحقق الهدف بالتركيز على معنى اللقاء وليس على أم كلثوم نفسها ثم كيف كانت تعود من رحلاتها لتلتقي به تروي له ملاحظاتها, وتنبه الى الثغرات في العمل السياسي والدبلوماسي, وتنقل رسائل كبار المسؤولين العرب الى المسؤولين في مصر, وتفعل كل ذلك بتواضع يثير العجب, وبإحساس بأن ما تفعله قليل وبأنها تود ان تفعل الكثير, وتطلب ان توضع في اي مهمة مهما صغرت في هذه الظروف الصعبة. ثم كانت الواقعة الثانية بعد النكسة.. حين كانت ام كلثوم في موسكو تستعد لاحياء حفلات للعرب هناك في حملتها للمجهود الحربي.. وجاء خبر وفاة عبدالناصر, ويصف الذين كانوا معها في ذلك الوقت فجيعتها بأنها كانت قاتلة ويومها تحدثت مرة اخرى عن الاعتزال, وقالت كلاما اغضب السادات وزوجته جيهان بعد ذلك! وعاشت ام كلثوم خمس سنوات من حكم السادات لم تبدع كثيرا ولكنها عانت الكثير! غنت بالتحديد (يا مسهرني) لسيد مكاوي, و(أغداً ألقاك) و(ليلة حب) لعبدالوهاب و(الحب كله) لبليغ حمدي, و(حكم علينا الهوى) التي لحنها بليغ أيضاً وسجلتها ام كلثوم على اسطوانة ولم تستطع ان تغنيها في حفل عام لاعتلال صحتها. لم تغن ام كلثوم أغنيات وطنية, وحاولت الغناء لنصر اكتوبر, واعدت اغنية وذهبت لتسجيلها, ولكنها لم تستطع لشدة المرض عليها. وخلال هذه السنوات توترت العلاقات بين ام كلثوم وجيهان السادات, ربما لأن ام كلثوم كانت تعرف اكثر مما ينبغي عن علاقات القوى طوال سنوات الثورة.. وربما لأنها كانت صريحة أكثر من اللازم في التعبير عن رأيها في قضايا الوطن, وربما لأن ام كلثوم تعودت أن تتعامل لسنوات طويلة على أنها الأقوى والأكثر نفوذاً.. وربما .. وربما.. المهم ان العلاقات كانت سيئة وجيهان كانت ترى ان ام كلثوم لم تكن تتعامل مع السادات بنفس التوقير والاعتزاز اللذين كانت تتعامل بهما مع عبدالناصر. ثم زاد الصدام حدة بعد ان بدأت أم كلثوم مشروعها لانشاء مؤسسة خيرية تحمل اسمها لرعاية الايتام والمحرومين, وتصدت جيهان للمشروع, وبدأت بمعاونة عثمان احمد عثمان في وضع العراقيل امام مشروع أم كلثوم حتى جمدته, وأعلنت هي عن مشروع الوفاء والأمل وبدأت في تحويل بعض ما كان مخصصا لمؤسسة ام كلثوم الى مشروعها الجديد! ورحلت ام كلثوم عام 1975 وفي قلبها مرارة, ومع ذلك لم تتوقف الحرب الرسمية ضدها, اختفى مشروع المؤسسة الخيرية التي كانت ستحمل اسمها, وتم التآمر لهدم منزلها رغم صرخات الاحتجاج التي طالبت بتحويله الى متحف فني, وحاولوا محاصرة أغانيها في الاذاعة والتلفزيون لكن المحاولة الأكثر سذاجة كانت محاولة (اختراع) أم كلثوم جديدة, وقد حدث ذلك عندما جاءوا بإبنة قارىء القرآن الكريم المرحوم محمود خليل الحصري, وتم تغيير اسمها من (افراج) الى (ياسمين الخيام) , ووقفت جيهان السادات امام محاولة اعتلائها عرش الغناء, وتم تجنيد اجهزة الاعلام والمؤسسات الثقافية والفنية لهذا الغرض, وقاد الدكتور (رشاد رشدي) المحاولة وكان مستشارا ثقافياً للسادات ورئيساً لاكاديمية الفنون واستحضروا كبار الملحنين ... عبدالوهاب والسنباطي والموجي وآخرين, وتم (تكليفهم) بالتلحين للقنبلة الغنائية الجديدة, ولحنوا وغنت ياسمين الخيام, ولم تترك أثراً يذكر عند الجمهور, ولم يكن ممكناً ان تواصل الغناء بعد رحيل السادات, فاعتزلت واراحت واستراحت, وتفرغت لدعوة (الفنانات) الى التوبة ! واذا كان ما تقدمه بعض الفنانات يستحق التوبة, واذا كانت (توبة) السيدة ياسمين عن الغناء عملاً سوف تثاب عنه بلا شك, فإن السؤال يبقى: هل كان الله سيغفر لواحدة مثل أم كلثوم لو اعتزلت ولم تغن (ولد الهدى) و(نهج البردة) و(الى عرفات الله) وكل هذه الدرر التي خدمت بها الدين واللغة, وقربت بين العرب والمسلمين كما لم يفعل احد؟! وهل كانت الدنيا ستصبح كما هي بدون (الاطلال) و(رق الحبيب) و(سهران) و(جددت حبك) .. وكل هذه الابداعات التي جعلت الحياة اجمل وأكثر احتمالاً؟!

تعليقات

تعليقات