في لوحات غادرت التقليد الى آفاق التجديد: ماهر السامرائي يشكل ذاكرة الخزف

في لوحات نابضة بالابداع والتجديد والابتكار يرحل الفنان التشكيلي العراقي عميقا في ذاكرة الخزف, يعيد صياغتها لتبدو اكثر حضورا واتساقا مع المعنى العلمي للفن التشكيلي, ويكسوها ثوبا من النضارة في الشكل واللون محلقا بها في فضاءات العطاء الانساني, راسما ذاكرة طفولة خاصة عامة على شواطىء دجلة , وبين امواج الفرات الملونة, هناك, حيث الاسماك رمز للخصب والفتنة والبراءة والعفوية. يعكف السامرائي على استحضار روح الخزف, يحررها من رعونة الاشكال الزخرفية المكرسة في الذائقة العربية عبر مزهرية او اناء ليطلقها في اشكال جديدة, في تكوينات لا محدودة من الناحيتين الشكلية والموضوعية, ينفخ حتى في العظام حضور التاريخ وآثار غزواته على منطقة ظلت مهدا للحضارات زمنا طويلا, يستعين بنقوشها, وكتابتها, ورموزها, ليعزف على الوان الاكاسيد نارا اخرى يحرق بها الطين محولا اياه الى لوحات فياضة بالجمال والابداع. ويتماهى ماهر مع ذاكرته وحضارته لكنه لايفقد بوصلة الراهن او حلم المستقبل, حيث جذبته امريكا لكنها لم تبتلعه في محيطها العارم, وخرج منها بخبرة كبيرة ورفاق عاهدوا انفسهم على اعادة الاعتبار لهذا الفن العريق, واخراجه من الدونية الى الاحترام بوصفه فنا تشكيليا قائما بذاته وقادرا على صلب عوده في غابة التشكيل لا باعتباره فنا تطبيقيا اقل ابداعا او قوة ومتانة. يشتغل السامرائي - وهذه ميزة اخرى له - على الوان ينتجها بنفسه عبر عملية تقنية طويلة تحتاج الى صبر وأناة وتستغرق وقتا طويلا حتى يحصل على كثافة اللون الذي يريد, وبريقه الذي يبحث عنه, واللحمة التي يسعى لانجازها بين اللون والطين. ومن الطين الى اللوحة الجدارية يحقق الفنان قفزة اخرى, اذ اننا اعتدنا على رؤية الخزف على شكل اوان او اباريق او اطباق فقط, لكننا نجده هنا لوحة مسندة , معلقة على جدار الابداع تشي بحجم الجهد المبذول فيها وتحتوي مفرداتها على المضامين السياسية او الاجتماعية خارجة من تهمة الفراغ من الموضوع في فن الخزف, مؤسسة لوجود الطين والذاكرة بوصفهما معادلان للموت والحياة, الخصب والفناء, البحث والسكون, في حركة متناغمة بين كتل مزهوة بالوانها تنتسب الى فن النحت تماما كما في تماثيل البرونز او الحجر, منحوتة بعشق وتؤدة, باصابع تتقن محاورة النار, واستقصاء حقيقة الطين لتهدينا فنانا شهدت له كفاءات وقامات فنية وفكرية عربية وعالمية عالية بانه مجدد في عمله, مخلص في رغبته باعادة الاعتبار لفنوننا ونقوشنا وذاكرتنا في زمن تتعرض فيه كل اشيائنا للاستباحة والتدمير وينظر لها من الآخر على انها تابعة وملحقة بحضارته ليؤكد ويبرز غنى موروثاتنا الفنية وقدرتها على مضاهاة فنون العالم والصمود في وجه متغيرات العصر, واسقاط ذلك الاتهام البشع الذي الصق دائما بفنونا ظلما واصفا اياها انها فنون من الدرجة الثانية. كتبت - شهيرة احمد

تعليقات

تعليقات