الذين مروا كالبرق: بقلم : محفوظ عبد الرحمن

عندي (ألبوم) وهمي أحتفظ فيه بصور الذين قابلتهم في حياتي وأقصد بهؤلاء طبعاً المشاهير او اشباههم فماذا يعنيك يا عزيزي القارىء من حديث فلان او علان ممن لا تعرفهم . وفي هذا (الألبوم) صور طبيعية وأحيانا أكبر من الحجم الطبيعي وبالطبع هناك صور أصغر من صور جواز السفر ولاحجام الصور فلسفة لا تحتاج الى شرح كبير فالأهمية لها مقاييس تختلف من شخص الى آخر, ومن ظروف الى اخرى بل أنني عندما أقلب هذا (الألبوم) أجد فيه عدة صور للشخص الواحد ذلك اذا كانت له مكانة خاصة, وطبعا أرى بعض الصور باهته, حتى لا أكاد أعرف صاحبها. وكان من حسن حظي أنني عرفت بعض من أثروا الحياة بجهدهم عن قرب وربما لفترات طويلة. ولكن هناك أيضا من مروا مثل الوهج الساطع. لهؤلاء ركن خاص في هذا (الألبوم) وعن هؤلاء أريد أن أتحدث لك اليوم وما يحيرني هو شيء واحد كيف ابدأ حديثي عنهم هل يكون ذلك بترتيب رؤيتي لهم والذاكرة مهما كانت لم تعد تحتمل هذه الدقة. وليس من عادتي ان اكتب يوميات ولو عاد بي الزمن الى الوراء ما فعلت ذلك. وفكرت ان أحدثك عن أصحاب الصور بالحروف الأبجدية, ولكنني قليل الإيمان بها فهي تضعك في البداية لان اسمك ابراهيم ولو اختاروا لك اسم يوسف لكنت في ختام القائمة مع ان ابراهيم ابويوسف, ويوسف ابن ابراهيم! على اي حال كان لابد من البداية ولذلك قررت أن ابدأ حسب ترتيب التاريخ مع التحفظ على مزاجيات الذاكرة. أول صورة هامة هي لفنان كان ملء السمع والبصر في الثلاثينات والاربعينات وعندما رأيته في الخمسينات كان قد أعتزل, أو هذا ما أتذكره. المهم انني كنت اسير عندما وجدت حلاقا وتذكرت انني احتاج اليه ودخلت لاقابل الاسطى (محمود) لأول مرة وهو ليس الحلاق الشهير بنفس الأسم والذي قرأت أنه كان حلاقا خاصا للرئيس السادات,وكان ايضا حلاقا لعدد من الفنانين لكن صاحبي الاسطى (محمود) كان في السبعين من عمره, عاش أيام شارع عماد الدين الصاخبة أيام المنافسة بين فرق جورج أبيض ويوسف وهبي, وعزيز عيد وفاطمة رشدي ونجيب الريحاني وعبد الرحمن رشدي. كنت جالسا بين يدي الاسطى (محمود) عندما دخل جورج أبيض من الباب ضخما مهيبا يرتدي بنطلونا واسعا يسدل عليه قميصا طويلا, ربما أراد به تغطية كرشه الكبير. وتقدم منه (محمود) مصافحا, وتبادلا كلمات سريعة تدل على أنهما متعارفان منذ زمن طويل. ولم أسمع هذه الكلمات لان صوت جورج ابيض كان خفيضا وهذا ما أدهشني, فلقد كان جورج ابيض صاحب أضخم صوت مسرحي. وظللت طول فترة الحلاقة اتأمل جورج ابيض من جميع المرايا فلما أنتهى الاسطى (محمود) قفزت الى جورج ابيض قائلا له: أنني من أشد المعجبين بك ومازلت حتى الآن أذكر نظرته هل كان مذعوراً ظن أنني (ارهابي) يريد أغتياله؟! هل كان مندهشا لحماس معجب في وقت انحسرت عنه فيه الأضواء!! لا أعرف ولقد ترددت على المكان فترات طويلة لعلي احظى بلقاء اكبر لكن ذلك لم يحدث ابدا. في بدايات الألبوم ايضا شخص لا أدري هل سمعت عنه أم لا لكنه في زمانه كان حديث الدنيا, وكان شابا صغيرا هو (نواب صفوي) وكان (نواب) يمثل جيل الشباب في الثورة الاولى لأيات الله في ايران, والتي كان يتزعمها آية الله الكاشاني.. وحضر (نواب صفوي) إلى الجامعة بدعوة من الاخوان المسلمين والقى خطابا في الجامعة بلغة عربية راقية. وكان كتلة من اللهب. كان في اقصى حالات الاشتعال, حتى أنني خشيت ان تحترق يدي عندما صافحته. كان حادا جدا. ولاحظت انه لا يحتمل شيئا وان الدنيا ايضا لن تحتمله. وفي هذا اليوم الذي جاء فيه الى جامعة القاهرة, استاء من وجوده الطلاب المؤيدون لثورة يوليو. فقامت مشاجرة بينهم وبين الاخوان, وانتهت بحرائق لسيارات وجرحى. وأظن ان هذه كانت أول معركة علنية بين جمال عبد الناصر والاخوان وهي المعركة التي استمرت حتى الآن. وبعد ذلك قبض على (نواب صفوي) في ايران, واعدم ولم أدهش.! وكما اقتربت من (نواب صفوي) في الجامعة وصافحته, ولم أكن أحب الاقتراب من أحد ومصافحته, حدث هذا ايضا مع جاجارين أول من صعد الى الفضاء. كان يصافح بعض مستقبليه من الاساتذة, وقد فوجئت به يمد الى يده ولم أكن متوقعا المصافحة فظلت يده ممدودة لحظات قبل ان أمد يدي إليه. وكان جاجارين وسيما في حلته العسكرية الأنيقة, كأنه فتى أحلام. وكان خطابه جميلا, ولم يتجاوز فيه الحدود. كما قيل أنه حدث في بعض الأماكن. ولقد اتيح لي فيما بعد أن أزور متحف الفضاء في موسكو ورأيت المركبة التي صعد بها جاجارين الى الفضاء. وتساءلت عن كيفية ان تجتمع في هذا البلد قمة التطور وقمة التخلف. ومازلت حتى الآن أذكر هذه الزيارة. ليس فقط لما كان في المتحف, بل ايضا لحادث شخصي صغير. فلقد كانت المسافة من الباب الخارجي الى المتحف طويلة جدا. وكان يوما حاراً. فاصبت بضربة شمس!! ولعلي العربي الوحيد في التاريخ الذي أصيب بضربة شمس في موسكو. وفي يقيني أنني سأظل دهرا الوحيد الذي حصل على هذا الشرف. أظن ان مقابلتي لزكي رستم كانت متأخرة بعض الشىء فلقد كانت في فترة اعتزاله لكنني كما قلت في صدر هذا الحديث, لا أضمن التطور التاريخي في صور (الألبوم) . كان ذلك في (كافتيريا) في وسط البلد وكنا جالسين مجموعة من الأدباء والصحفيين عندما اكتشفنا انه يجلس الى جوارنا زكي رستم. ويعتبره البعض أفضل ممثل. وعندما تدخل إلى عالم الفن ستجد اسمه يتردد كثيرا. فاذا اجاد ممثل في مشهد اثنوا عليه قائلين انه زكي رستم. وإذا اصاب الغرور ممثلا قالوا ساخرين: فاهم نفسه زكي رستم! وكان قد اعلن استياءه من تدني الوسط الفني, واعتزل العمل. واذكر انه كان بين الموجودين الصحفي الراحل عبد المنعم صبحي الذي ذهب اليه وصافحه, فقابله بأدب شديد. وأقنعه ان يأتي إلينا. فأتى ليتحدث في مودة شديدة, ثم أعتذر طويلا لأنه مضطر للأنصراف وهنا قال له عبد المنعم صبحي أنه يتمنى ان يجري معه حوارا يقول فيه كل شيء. وهز رأسه معجبا وقال له: كلمني في التليفون! فلما قال أنه لا يعرف رقم تليفونه أملاه عليه. وانصرف بين تحياتنا. وقلت ان الرجل رغم أدبه الشديد ألا انه عاملنا كما لو كنا خارج الزمن ولذلك فأنا أشك في صحة رقم التليفون. وأسرع عبد المنعم صبحي الى التليفون وطلب الرقم وعاد لنا مصفر الوجه لقد كان خطأ. وبالتأكيد كان تعرفي بجمال حمدان قبل ذلك على أي حال حدث هذا في كلية الأداب وكان جمال حمدان صديقا للكاتب الراحل عبد الله القويري وكان عبد الله صديقا منذ الدراسة الابتدائية وزميلا في الجامعة ومن اول لحظة لفت نظري وحتى عبد الله القويري الذي كان ساخطا على الجميع كان معجبا به. وبعد ذلك عرفنا ان جمال حمدان استقال من الجامعة, وقاطع الحياة العامة وتفرغ للبحث وكنا نسمع ان شخصا اتصل به تليفونيا, فانكر نفسه وان شخصا ذهب الى بيته فرفض ان يستقبله. وعرفنا انه يكتب ما يكتب ويرسله بالبريد, ويتلقى أجره بنفس الطريقة. وذات مرة سمعت صوتا في التليفون يقول: أنا جمال حمدان! ولم أصدق أنه هو لولا أنه ذكرني بلقائنا في (بوفيه) كلية الأداب الذي كان يعتبر من أشهر معالم القاهرة آنذاك. ولما قلت له في حذر أنني أريد لقاءه, رحب بذلك في حماس. فقلت له: أنا تقريبا في الشارع اي شخص يستطيع الاتصال بي, أما أنت فلك نظام خاص. حدد أنت الموعد الذي يناسبك ووعد ان يتصل لنلتقي. ولكن ذلك لم يحدث ابدا. وعندما قبلت زينات صدقي لمرة واحدة كانت قد أبتعدت عن التمثيل ربما لاسباب مرضية, وعادت لتجد أمامها التلفزيون, ومثلت دورا صغيرا في تمثيلية لي وبالطبع أبديت لها اعجابي الشديد, وسعادتي بأن تشاركني عملا ما. وكنت أكن لها فعلا حبا كبيرا لكنني أحب أن أنبه الى أن زينات صدقي لم تحظ ابدا بالمكانة التي تحتلها الآن. فهي ربما الممثلة الوحيدة في التاريخ التي لقيت الشهرة الواسعة بعد وفاتها. وهي ظاهرة غريبة. ويبدو ان زينات صدقي استراحت للحديث معي, فلقد اختارتني لتجلس الى جواري وتهمس لي باحاديث طويلة تدل على العفوية وأنها كانت بعيدة عن الثقافة بالفاظها البراقة. وفجأة همست لي: هذه أول مرة اعمل فيها في التلفزيون, ولقد قالوا لي أنك لا تعمل في التلفزيون الا اذا قدمت لهم رشوة وأنا على أتم استعداد لاقدم الرشوة المطلوبة, لكنني لا أعرف لمن أقدمها! فهل تلدني عليه؟! وقلت لها ان التلفزيون يفخر بأن تعملي معه. وأن الأنسب ان يقدم لها التلفزيون (رشوة) لتعمل معه. ولا أعرف حتى الآن هل كانت جادة في حديثها أو كانت تمزح, أما أنا فلم استطع ان اكتشف ما تقصده. وتكاد المساحة تنتهي ومازالت هناك صور كثيرة لمن مروا سريعا كالبرق الخاطف. ولا أدري ما افعل هل أشير اليهم سريعا, او اؤجل الحديث عنهم الى مرة اخرى أظن ربما لن يحدث هذا ولا ذاك ولكن قبل ان انتهي من هذه السطور أحكي حكاية صغيرة. ذات مرة عملت لمدة عام كامل في شقة صغيرة كان عددنا خمسة أشخاص وبعدها بفترة قال لي صديق: فلان هنا! وسألته فلان من؟ ونظر الي مندهشا. وعرفت فيما بعد لماذا بدت عليه الدهشة. فلقد كان فلان هذا أمامي يوميا لمدة عام, ومع ذلك نسيته تماما. ولكن هناك من يختلف عن هذا: هؤلاء الذين يمرون بحياتك كالبرق الساطع, ويتركون في حياتك اثرا كبيرا..

تعليقات

تعليقات