استراحة البيان: الكذب والكذابون: يكتبها اليوم- مصطفى كمال

الكذب والكذابون يصبح مثار اهتمامي وهمي طوال شهر ابريل وليس في أول يوم منه فقط. وأظل طوال الشهر ارقب واراقب بعين الحذر معظم مايقوله لي الآخرون خوفا من أن اسقط ضحية هذا الشهر الذي يحلو للبعض ان يبدأوه بكذبة رغم ان الكذب أصبح في أيامنا هذه سلعة يتداولها الكثيرون ورغم انني نجحت طوال هذه الايام في الكشف عما يعتمل في نفس (الكذابين) الذين حاولوا ان أقع في (المحظور) الا أنني لم استطع ان اكتم اتعامل معهم. ومن باب الافراط في الحذر قررت ألا أدخل في أية مناقشة أو استمع الى أي خبر في هذا اليوم حتى عندما سألتني زوجتي عما اذا كنت سأتناول الافطار مع الأولاد أم سأكتفي بكوب من العصير كما اعتدت في الأيام الاخيرة... توقفت مليا عند كلمة (اعتدت) فربما كان فيها مقلب... وحاولت ان أتأكد بيني وبين نفسي اذا كنت فعلا قد اعتدت الامتناع عن تناول الافطار. وعندما جاءتني صحف الصباح أخذت استعيد قراءة كل سطر محاولا ان اكتشف فيه موضع كذبة ابريل. أول خبر على عمودين توقفت عنده يقول ان الجولة الاولى لتفتيش كل المواقع الرئاسية في بغداد سوف تنتهي خلال يومين. هل هذا معقول؟ لقد بدأ الفريق الدولي للتفتيش عمله منذ أقل من اسبوع. فهل هذا هو كل ما كاد يغرق العالم بسببه في حرب عالمية ثالثة أو على الاقل يتسبب في القضاء على كل ما في العراق... بالطبع ما عدا رؤوس النظام؟ اترك هذا الخبر في كفة الاحتمالات الابريلية لأخذ آخر يقطع الشك باليقين اذ يقول عنوانه (قرية الأمل تستعين بتايلاندية لمحو الأمية في 3 ساعات) . آه! هذه هي الكذبة التي أبحث عنها. فاذا كان موضوع انتهاء تفتيش القصور العراقية في خلال يومين يحتمل الصدق أو الكذب, فان الزعم بأن سيدة تايلاندية حتى لو كانت تحمل شهادة الدكتوراه في صنع المعجزات تستطيع محو أمية نحو 60 بالمائة من الاميين العرب في 3 ساعات أمر لا يستطيع انسان عاقل أن يصدقه.. ومع ذلك فاني لم اشعر بأي غضب تجاه الجريدة التي نشرت هذا النبأ... فان أحد شروط كذبة ابريل الملائمة لاعتاب القرن الحادي والعشرين ان تحمل في طياتها دلائل كذبها... وهل هناك أدل من ان نستعين بفتيات تايلاند لمحو الأمية العربية مثلما نستعين بهن في اغراض اخرى؟ آخر كذبة ابريلية وقعت في احدى الكليات الجامعية بالقاهرة الكبرى منذ ايام. على باب المدرج الرئيسي للسنة الاولى وجد الطلاب والطالبات عند قدومهم في الصباح اعلانا ضخما يقول (انه وردت من الامم المتحدة هدية كبيرة عبارة عن خمسين الف قطعة من الملابس الرجالية والنسائية من مختلف المقاسات, وان على الطلبة والطالبات الراغبين في الاستفادة من هذه المنحة المجانية تقديم طلباتهم الى رئيس اتحاد طلبة الكلية, على ان يحددوا فيها الى جانب الاسم مقاسات والوان وأنواع الثياب التي يريدونها) . غير ان الضحية الكبرى لهذا المقلب الابريلي كان رئيس اتحاد الطلاب الذي تراكمت على مكتبه آلاف الطلبات وبعضها بالحبر الاحمر حتى تكون أكثر لفتا للانظار! الغريب ان الاعلان المذكور حدد يوم 32 مارس لتلقي استمارات الطلاب ولو فكر أحدهم لحظة واحدة لتذكر ان هذا يوم لا وجود له في التقويم الجريجوري... اللهم الا اذا تصورنا ان ابريل تنازل أو ربما أرغمه بعضهم على التنازل عن اوله للشهر الذي سبقه. لا يعرف أحد على وجه اليقين ماهو الاصل في كذبة ابريل وفي بعض اللغات يسمونها (خدعة ابريل) أو (مقلب ابريل) ولا كيف نشأت, فالروايات في هذا الصدد عديدة ومتناقضة. ومعظمها يدخل في باب الاساطير ولا تخضع لأي منطق عاقل. ومع ذلك تجد من يصدقونها, ثم يرددونها. أقدم هذه الروايات تقول ان احدى ملكات بابل, وكان اسمها ابريل كتبت على الباب السري لمقبرتها عبارة تقول (من كان محتاجا وفتح هذا الباب سيجد ثروة تكفيه وسلالته أبد الدهر) . غير ان أحدا لم يهتد للباب المسحور حتى جاء (داريوس) ملك الفرس ومعه بردية قديمة تشير الى موقع المقبرة, فأمر عشرة الاف من رجاله كي يحفروا حتى وصل اليه, وقرأ ما كتب عليه فاذا به يجد دهليزا ضيقا اجتازه زاحفا على بطنه, ليجد بابا آخر كتب عليه (هاأنت أيها الجشع قد وصلت الى نهاية الطريق... ولو كنت محتاجا لما عرفت كيف تصل. فعد من حيث أتيت لتبوء بالحسرة والندم) . وعاد داريوس ادراجه وهو يهذي كالمجنون... كذبت ابريل... كذبت ابريل. ومن خلفه رجاله يرددون صراخه من فرط ولائهم له... حتى وقع بهم الاسكندر الاكبر فقتل داريوس, وولى جيشه الادبار... وكان ذلك في أول ابريل, فتطور عبارة كذبت ابريل الى كذبة ابريل. ومع ذلك فان هذه الرواية ــ على رأي طه حسين ــ تحتاج الى تمحيص. فالمفروض ان شهور التقويم الجريجوري لم تكن قد حصلت بعد على اسمائها المعروفة لنا الان ومن بينها شهر ابريل... فكيف عرف ان هزيمة داريوس من الاسكندر الاكبر وقعت في أول ابريل؟ وقد نجد نفس الملاحظة في قصة اخرى تقول ان الاصل في كذبة ابريل يرجع الى عام 410 بعد الميلاد حينما أطبق الغزاة الجرمان على روما بقيادة قائدهم أولريك واستمر حصارهم حولها اكثر من ثلاثين يوما. وفي يوم أول ابريل من ذلك العام انتشرت في روما اشاعة تقول ان الجرمان فكوا الحصار وانسحبوا من حول المدينة, ففتح أهل روما أبوابها... لينقض الجرمان المختبئون خلف الكثبان على روما ويستولون عليها.. وهكذا ــ كما يقول اصحاب هذه الرواية ــ ولدت كذبة ابريل. أيا كان الامر, فان كذبة ابريل بدعة, ونحن ادرى الناس بأن كل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار! وحتى لو كان القصد من كذبة ابريل ان تكون مجرد دعابة ــ فأن الدعابة قد تكون سخيفة وثقيلة الدم ــ كأن تأتي لواحد منا مكالمة هاتفية تقول ان العزيز فلان اصيب في حادث وموجود الان في مستشفى يبعد عشرات الاميال... ومع هول الخبر, ومعزة ذلك الفلان, تصور ما يمكن ان يحدث للذي تلقى المكالمة... وربما وهو يسرع الى المستشفى يصاب هو في حادث... والاصل في الحكاية مجرد دعابة سمجة تحت مسمى كذبة ابريل... سألتني حفيدتي الشقية: هل الكذب حلال في أول ابريل؟ أجبتها بحسم... الكذب حرام حرام في أول ابريل مثلما هو في آخره وفي أي وقت. فوجئت بها تسألني مرة اخرى. ألم تكذب أبدا ياجدو؟ أبدا؟ ارتج علي, فلم أدر بما أجيب فمن العبث ان أحاول ان اشرح لها لماذا يضطر المرء أحيانا ان يكذب من باب التجمل... أو من باب المجاملة.. واكثر من هذا عبثا أن افسر لها الفارق بين كذبة بيضاء واخرى سوداء أو متعددة الالوان. ثم تذكرت ان اليوم هو أول ابريل... فقلت لنفسي لا بأس من أن اضيف كذبة اخرى... وسمعت صوتي يجيبها. ــ أبدا يا عزيزتي... لم أكذب قط.

تعليقات

تعليقات