استراحة البيان : صاحب البورتريه وشموع الهريس: يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

يظل القارىء رغم متابعاته اليومية للصحف والمجلات المتناثرة هنا وهناك, والتقاطه لخيوط وخطوط المسائل الصحفية ومشاكلها وتعبها وعجلتها الدائرة بسرعة مذهلة, يظل رغم ذلك بعيدا عن تفاصيلها الدقيقة , ورغم ان هناك قراء متابعون ومشاركون في الوقت نفسه في صناعة الخبر الصحفي والقصة الخبرية وبعض ما يتعلق بتعب هذه المهنة الا ان تلك المشاركة تظل وقتية مرتبطة بحدث معين الا فيما ندر. وتبدو صناعة المادة الصحفية في نظر البعض من القراء سهلة هينة لانه يتناولها كما يتناول افطار الصباح, ولكن الواقع يقول عكس ذلك رغم التطور المذهل للادوات التنفيذية التي ساهمت في تدوير عجلة الانتاج الفني للمطبوعات, بعدما قالت برامج الكمبيوتر كلمتها في هذا الميدان.. وانا هنا لن اعمل على اجراء مقارنة على ما كانت عليه الصحف قبل سنوات قليلة ماضية وما وصلت اليه الآن بفضل التطور المتواصل الذي يشهده العالم بين غمضة عين والتفاتة, لكنني سألتقط مشاهدات حية ومواقف عشتها بين اروقة ذاك العالم المختلف الذي نشكله نحن وتلتقطونه انتم فتستحسنونه بصدق وتنتقدونه بصدق اكبر, لانكم انتم من يراه ويحسه ويتأثر به ويتواصل معه. ومن هنا يظل رصيد المعرفة التي تحملها الذاكرة من خلال المشاهدات والقراءات والعلاقات الانسانية هو مفتاحنا الى معرفة الامور من حولنا, فرغم صغر بعض الاشياء وتفاهتها احيانا تبقى في مخزون الذاكرة تجربة علينا ان نستفيد منها, لذلك احاول ان القي عصا الذاكرة وأتكىء على عصا الكلمات التي سترصد لكم ايها الاعزاء وقفتين عشتهما منذ سنوات في هذا الحقل, فماذا تحمل تلك الكلمات؟ الوقفة الاولى: لن تخونني الذاكرة اذا قلت بأن الحدث الذي سأرويه لكم كان رمضانيا, فقد تعارف جميع الزملاء في اقسام التحرير بالصحف على اجتماعات المتابعة اليومية, ففي الايام العادية يكون الاجتماع صباحيا, وتتبدل تلك العادة ليتحول في شهر رمضان الى فترة الظهيرة, كان نائب مدير التحرير قد كلف بادارة اجتماع قسم المحليات وكان لم يمر عليه في الامارات اكثر من ستة اشهر, تلك الشهور التي لم يعرف خلالها بعد اسماء الاماكن والشوارع والشخصيات وكثيرا من العادات والتقاليد, وكانت دهشته تقف عند اصغر الاشياء, ويطلب حولها تحقيقا مصورا, رغم تفاهتها وعدم اهميتها, وقد اوقفته تلك الدهشة عند وقت الافطار والاطباق التي يفضلها اهل الامارات وذكر الزملاء طبق الهريس, وكان اسم هذا الطبق جديدا على اذن صاحبنا كما هي الاطباق الاخرى كاللقيمات والساقو والعصيد, فطلب مني شخصيا ان ارصد لحظات الافطار وكيف يطفىء اهالي الامارات الشموع التي تعلو طبق الهريس عند سماع مدفع الافطار, وبهدوء وابتسامة ماكرة قلت لصاحبنا: - دكتور هل اجلب لك كتابا عن الاكلات الشعبية في الامارات؟ ــ اجاب: لا, فأنا افضل دائما المطبخ الفرنسي. - قلت: ومن قال اننا في الامارات نتوج رأس صحن الهريس بالشموع ونطفئها عند سماعنا مدفع الافطار! ــ قال: اعتقدت انكم تحتفلون كأعياد الميلاد. - قلت: واعتقدت انا ايضا انك بحاجة إلى كتاب عن الاكلات الشعبية والعادات والتقاليد في الامارات فاعذرني! الوقفة الثانية: طلب احد مدراء التحرير وكان من النوع الذي يرتعد منه المحررون والمصورون لشدته طلب من قسم التصوير ترشيح افضل مصور لكي يلتقط له صورة يعتني بتفاصيلها جيدا, فهو يريد ان يعتمدها في المعاملات الرسمية مثل رخصة القيادة وجواز السفر وتأشيرات الدخول وغيرها من الامور التي تتطلب صورة, لذلك جاء افضل المصورين واكثرهم خبرة إلى مكتبه, فهذه فرصة جيدة لعمل جيد يقوم به ويأخذ ثمنه توصية بعلاوة أو كتاب شكر, الا ان صاحبنا المصور امام استدعاء تلك الشخصية ذات المزاج الحاد لم يعمر جوف كاميرته بفيلم, وظل مرتبكا, وبعد ان انتهت مهمته ذهب ليحمض الفيلم ومن ثم يطبعه فلم يجد في احشاء تلك الكاميرا اللعينة فيلما للتحميض, فقد اختفى الفيلم الذي لم يضعه اصلا, فلعن الحظ الذي اوقعه في هذا المأزق, ماذا يقول وكيف يعتذر؟ وبعد الحاح من الزملاء المصورين ذهب يجر أذيال الخيبة والفشل والعرق يتصبب من جبينه, ذهب إلى صاحب البورتريه معتذرا وطالبا منه اعادة المحاولة ثانية, وبعد نظرة عاتبة وكلام شديد وخطبة عصماء دقت لها طبول اذن صاحبنا المصور, جاء الفرج بعد ان اعتدل صاحب البورتريه وابتسم ابتسامة مصطنعة امام عدسة الكاميرا التي لم يرها جيدا لأن النظارة الطبية تركت جانبا عن قصد, وامام التعليمات والاوامر التي فرضها صاحبنا المصور على صاحب البورتريه لم يجد صاحب البورتريه مفرا من ذلك فأحيانا يخفض رأسه واحيانا ينظر يمينا وهكذا بينما الفلاشات المتكررة تضمن صورة جيدة مصنوعة بعناية واتقان كما يعتقد الجميع, الا ان ما حدث يقول عكس ذلك فقد ذهب صاحبنا المصور لتحميض وطباعة الفيلم للمرة الثانية فلم يجد صورا مطبوعة على هذا الفيلم اللعين. الامر ببساطة انه وضع الفيلم هذه المرة لكنه نسي فتح غطاء العدسة. يبدو ان بين صحن الهريس وشموعه المثيرة وذاك البورتريه الذي لم ير النور شبها واضحا, أليس كذلك؟

تعليقات

تعليقات