(الحارة الدمشقية تنبض في المهرجان: غزل على (نول الأصالة

دمشق من أقدم العواصم في التاريخ عاشت حضارة عريقة تغلغلت في تفاصيل بيوتها وجدرانها وتناقلتها الاجيال جيلا بعد جيل معالم ورموزا وتراثا سجلته صفحات الكتب وذاكرة الناس ونبض الشارع, عايشت حروبا انتصارات وانكسارات واخرجت الى العالم اسماء لا تزال تتردد انتاجا وتأثيرا عبر الزمن . وتميزت دمشق رغم الانعتاق الخارجي بصداها القديم الداخلي صورا تتكرر في زوايا حاراتها المفعمة بالعتق. من لم يزر دمشق هذه العاصمة العربية الاصيلة سمع عنها ومن لم يسمع عنا قرأ أو شاهد من جزئياتها. وفي مهرجان التسوق لهذا العام شاركت سوريا بإحدى حاراتها علها تنقل للزائر بعضا من نكهتها الحقيقية. من بوابة الحارة يبدأ المشوار تذكرا ومعرفة الشبابيك القديمة, الأبواب العتيقة, قهوة النوفرة, البصارة تلم حولها الأيادي وفناجين القهوة تقرأ من الماضي المستقبل, مسرح القباني, الحلوى الدمشقية, الديكور الشرقي الاسلامي, الخط العربي, قصة وقصص عند كل طرف عند كل خطوة. في القرية العالمية اختارت ركنها وحديثها طويل لكننا آثرنا ان نجلس الى القزاز قرب فرنه وصانع (البروكار) يغزل على نوله. الصبر والاتقان... على النول من المهن الدمشقية العريقة ما يعرف بــ (البروكار) حاول أحمد شكاكي ان يجلس في زاوية بالحارة تنتشر حوله الاقمشة والخيوط وهو يغزل على النول منذ 36 سنة بخبرته اختصر تعريف عمله بأنه قديم جدا يرقى عمره الى النوال الخشبي القديم الذي صنع على ايادي سوريين منذ حوالي 1000 سنة والبروكار عبارة عن قماش بخيوط حريرية طبيعية تدخل فيه المادة الذهبية لتضفي رونقا وبهاء عليه ويشهد تاريخنا العظيم على ان ملكة بريطانيا لبست في يوم زفافها فستانا من البروكار الدمشقي منذ خمسين سنة شغل في باب شرقي في دمشق. والبروكار تراث جميل شجعنا على اظهاره في مهرجان دبي للتسوق 98 وهو أم لا تتغير ــ وتحافظ على عتق خشب النول وأسلوب حياتها ــ ولا تسمح بتسرب الجديد اليها, فالحداثة ضد البروكار لأنها تتضرر منها. شكاكي لا يكتفي في بلده بالعمل بل يلقن معرفته للآخرين ويبدأ بالرسم الذي ينقل الى ورق ميلمتر ويوضع على كارتون ثم يشتغل العامل على النول فتتحرك عنياه ويداه ورجلاه وكل رأسه. والخبرة من الشروط الطبيعية لهذا النوع من الحرف, فتعد السنوات بالعشرات يعيش معها الشخص ساعات من الصبر. وينوي شكاكي ان يدرب أولاده على (البروكار) وهم لا يرضون ولا يريدون وربما غابت عن انسان اليوم صفات الصبر والتحمل (ويفضل أولادي العلم والحياة السهلة. والاختلاف بين الحرف والعلم كبير جدا مع اني أتمنى ان يتقنوا حرفا دمشقية قديمة تتواصل عبر الاجيال والجيل القديم رحل وسيأتي وكأنه الجديد الأقل عددا لكنه أشار الى اهتمام الحكومة وتشجيعها للتراث خلال الحركة التصحيحية وبنت اتحادات للحرفيين والعمال وسهلت عمليات القروض لشراء المواد الأولية واشتركنا بمعارض خارجية إحياء لتراثنا) . وبعد جولات على دول أوروبية وغربية استنتج شكاكي معرفة وادراكا أكبر للشعوب الغربية لمهنة البروكار يفوقان معرفة وادراك أهلنا لأنهم يرون صبرنا واتقاننا. وتحول شكاكي إلى صناعة (وسط) كما يقول وابتعد قليلا عن الخيوط الحريرية الكثيفة والمادة الذهبية بعيار معين حتى يكون مقبولا لدى الجمهور وبالتالي يحصلون عليه ويشترونه وقد يصل سعر القطعة الجيدة الى خمسة آلاف ليرة سورية. وكل الرسوم والأشكال قديمة معظمها تنفذ على الألبسة كــ (العاشق والمعشوق) , (الكشمير) , (الشعر العجمي) , و(الاثناعشرية) , ومواضيع تاريخية كالسندباد البحري ومعركة صلاح الدين وروميو وجوليت. قزاز منذ 400 سنة نذير قزاز توارث المهنة عن والده وتتأصل تاريخا في عائلتهم بالذات منذ 400 سنة وشرعت كنيتهم لان التسمية غالبا ما لازمت المهنة قديما. وعند وسط الحارة بنى نذير فرنه بيديه من آجر ناري خاص يحتمل الحرارة القوية في الداخل ومن الخارج تراب أحمر وطيني حتى لا يتشقق يصب فيه الزجاج المكسور ليخرج منه حالات فنية عديدة تصلح للاستخدامات البيتية اليومية الضرورية وكذلك التزيينية. ونذير كالرحالة يزور الكثير من البلدان ليبني فرنه علّه يعلم الآخرين اسلوب عمله وهذه الطريقة التقليدية بصناعة تطورت عبر الزمن وافردت لها مصانع ومعامل لايرى نذير انها استطاعت ان تسرق بهجة عمله فالعمل اليدوي مرغوب اكثر لانه يتسجيب للحرفة الفنية وفي سوريا الوضع مختلف عن الصورة في المهرجان لأن (الشغل ثابت غير متنقل ولا تنقصنا المواد ونحن اتينا باسم سوريا لنطلع الناس على حرفنا القديمة المستمرة ونجد اقبالا بشقين استعراضي يرتكز على الفرجة وآخر للاقتناء والشراء غير ان الحال عندنا في بلاد الشام مختلف فأنا انتج يوميا خمسين قطعة وأحرفها بالكامل لتعلق الناس هناك بالشرقيات وتلبية لحنين ما الى الماضي فالحديث بنظرهم عادي من دون طعم ولا حياة ملّوا منه احيانا وانا شخصيا اصنع اشياء واشكالا لا تستطيعها الاساليب الحديثة خصوصا لجهة الموديل لانها تتطلب عدة قوالب وعدة اشخاص مع انني احبذ التقنية. والقزاز لا ينجح مالم يتميز بالذوق والخبرة وحب لهذه (المصلحة) . وفي مقارنة مع الماضي قال إننا نتعايش حاليا مع الحالة الاقتصادية ولدينا محل خاص للعرض والحمد لله (ماشي الحال) واعمل مع والدي الذي بلغ من العمر سبعين عاما ومازال في عز عطائه ولايتوقف العمل بعد اخراج الزجاج من الفرن وتشكيله بعصا حديدية وهو طري بعد نفخه بل هناك فرن للشواء والتلوين ايضا بأنواع معينة من الأكاسيد يتولى بعده شخص آخر الرسم وإبراز الشكل النهائي بماء الذهب او بمواد اخرى. حسن القزاز ذو السبعين عاما والد نذير نجح في تعليم ولديه وعاصر فترة (بدائية) عمل القزاز حيث درج استعمال أوعية المونة الزجاجية فقط الى ان دخل الزجاج في الاستعمالات اليومية. والادوات بقيت على حالها في الفرن الى اداة النفخ الى العصا الحديدية (الملقط) باستثناء الانتقال من الخشب لاشعال الفرن الى مادة المازوت. ويعتز حسن بتساوي انتاجه مع انتاج اولاده. ويعشق عمله ولا يزال يبدع فيه فهو (شيخ الكار) ولو كان عدد العاملين في المهنة لايتجاوز 12 شخصا. ويتوقع ان تندثر مهنة القزاز اليدوية لأن اولاده لن يعلموا احفادهم فمردودها قليل وهي مرهقة يجلس العامل فيها مواجها لحرارة مرتفعة جدا. كتبت - رندة العزير شبابيك الحارة القديمة زخارف شرقية واسلامية على الخشب

تعليقات

تعليقات