استراحة البيان: سكة (أبوزيد) ومسالكها : يكتبها ـ محمد الخولي

هكذا اتخذنا اماكننا في القاعة الوثيرة وقد صح منا العزم على قضاء يوم مترع بصنوف المتعة الفكرية والروحية على السواء. كان يوما خصصه مركز دراسات مصر والشرق الاوسط في جامعة نيويورك لأكثر من لقاء واكثر من حوار واكثر من مداخلة ومحاضرة حول قضايا الثقافة والادب والسياسة والاقتصاد المتعلقة بمصر والمنطقة العربية بشكل عام. ولن احدثك عن موجات بل دوامات الارقام والاحصاءات والبيانات والمؤشرات التي طوتنا منذ صباح اليوم ولكن اخصص الحديث عن رجل قدموه لنا باسم البروفيسور (دوايت رينولدز) وهو من هيئة التدريس بجامعة كاليفورنيا. ويعمل على مدار السنة الحالية استاذا زائرا وباحثا لدى جامعة برنستون التي تستمد شهرتها أولا من واقع اضوائها على واحد من اعرق مراكز الدراسات العربية في امريكا وقد انشأه البروفيسور العربي الاصل (فيليب حتى) منذ بدايات القرن, وثانيا لانها الجامعة التي اشتغل فيها البرت اينشتين صاحب نظرية النسبية ومنها اذاع الرجل نظريته التي احدثت ما يشبه الثورة في علوم الرياضيات اشبه بثورة الجاذبية التي سبق اليها الانجليزي نيوتن منذ مائتين وسبعين عاما. ثمة فصل عقده الاستاذ محمد حسنين هيكل عن لقائه مع اينشتين في كتاب لم ينل حظه من الذيوع وان كنا نراه من امتع الكتابات الهيكلية وعنوانه (زيارة جديدة للتاريخ) . المهم... دخل علينا البروفيسور رينولدز... رجل في منتصف العمر ممشوق, طويل القامة لحية مشذبة تليق باكاديمي مازال يصنف في خانة الشباب... حلة رمادية لم تصافح يد الكواء منذ سنوات... كان موضوع محاضرته يدور حول (السيرة الهلالية) او تغريبة بني هلال في التراث العربي. جلس الاستاذ وقد وضع الى جواره حقيبة كبيرة منتفخة وبدأ الحديث في انجليزية رفيعة حول (ابوزيد الهلالي) والملاحم التي روت سيرته واشادت ببطولاته وكان ذلك في عصر الدولة الفاطمية التي حكمت مصر والشام وامتد نفوذها الى مناطق في غرب وجنوب الجزيرة العربية في القرنين الرابع والخامس للهجرة. والمعروف ان (ابوزيد) كان واحدا, مجرد واحد من اربعة رجال صناديد انتهت اليهم رئاسة قبيلة بني هلال وهم: الحسن السلطان وذياب بن غانم وبدير بن فايد ثم صاحبنا ابوزيد بن رزق الهلالي الذي اضافوا الى اسمه لقب (سلامة) كناية عن الامن الذي بثه بين قومه والسكينة التي اشاعها في قلوبهم هذا فضلا عن اسمين آخرين من اسماء (ابوزيد) وهما مسعود وبركات لزوم التيمن وحسن التفاؤل. وكم كان جميلا ان نسمع البروفيسور الامريكي رينولدز وهو ينطق الاسماء العربية في ايقاعها الاصلي وتحس بموسيقى اللفظ العربي وقد احسن المحاضر نطقه بل وتجويده ان صح التعبير في لهجة تجمع بين نطق العربية في مصر وفي ربوع المغرب الكبير. لكن هذا لم يكن كل شيء... بل الاهم ان ظل دوايت رينولدز يتابع بني هلال وزعماءهم وهم ينتقلون غربا الى حيث تونس الخضراء بعد ان اجتازوا مصر وبرقة وامتزجت في سيرتهم قسوة المعاناة مع اساطير البطولة فكأن (أبوزيد) واحدا من فرسان الياذة هوميروس ناهيك ان يضيف اليه الوجدان الشعبي عبر عصور شتى وطبعا من خلال عشرات المبدعين المجهولين بطولات من نوع فريد هي بطولة الدهاء وموهبة العقل والتدبير والحيلة والمراوغة فليست البطولة هي مجرد ان تمتشق السيف وتنشر اشعار الفخر مرددا قولة بشار: اذا الملك الجبار صعر خده مشينا اليه بالسيوف نعاتبه بل البطولة ايضا ان تهزم عدوك بالذكاء وبالحيلة وان توقع به في شر اعماله اذا تعرف مواطن ضعفه فتستغلها لصالحك وتحقن دماء اتباعك وتصون قدراتهم وارواحهم عن خوض (الكريهة) وهي الحرب, كما هو معروف ثم تحقق النصر على الخصم في كل حال هكذا كان مثلا القائد الروماني (فابيوس) يراوغ عدوه ويأتيه من مسالك لم يتوقعها ويستخدم معه اساليب غير مسبوقة ويظل يناوره ويداوره حتى يبلغ به كل مبلغ من الانهاك والارهاق إلى حد التسليم, لا عجب ان يصبح اسم فابيوس علما على المدرسة الاشتراكية الانجليزية التي بشرت بها الجمعية الفابية وكان من ابرز اعضائها الاديب الانجليزي ـ الايرلندي الاشهر جورج برنارد شو, وكانت هذه المدرسة تقصد إلى تغيير اوضاع المجتمع من خلال التأني الوئيد والتدرج ومراوغة المشكلات بديلا عن اساليب التغيير الثوري أو الانقلابي الذي كانوا يخشون ما قد ينجم عنه من دمار أو اراقة دماء وكانت امامهم عبرة الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 وفي هذا المعنى يقول شوقي في همزية المديح مخاطبا الرسول (صلى الله عليه وسلم) : داويت متئدا وداووا طفرة واخف من بعض الدواء الداء وهكذا كان البطل العربي المسلم ابوزيد الهلالي يجمع بين شجاعة اغا ممنون أو هكطور في ملحمة الالياذة, ثم يضم اليها موهبة التنكر وسعة الحيلة ونبوغ الدهاء على نحو ما اتصف به اوديسيوس بطل ملحمة هوميروس الاخرى ــ الاوديسة, ثم يرجع مرجوعنا إلى صاحبنا البروفيسور دوايت الذي انهى محاضرته وسط التصفيق وسمعنا منه لفظا واحدا هو: والان, وهنالك امتدت يده إلى حقيبته العتيقة, فأخرج منها سجادة صغيرة, عتيقة بدورها, فرشها على جانب من المنصة, وفوجئنا به يخلع نعليه, وقبل ان يعتلي المنصة شخصيا امتدت يده مرة اخرى إلى جراب الحقيبة من جديد ليسحب منها ربابه, اي والله ربابه (مجوز كما يقول اخوتنا في العراق) ثم امتشق القوس, وسرح هنيهة محلقا في فضاء القاعة, وتوكل على الحي الذي لا يموت وبدأ ينشد بالعربية: أول ما نبدي القول نصلي على النبي نبي عربي سيد ولد عدنان قال الراوي يا سادة ياكرام ولا يحلى الحديث الا بذكر النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام. كان هناك في سالف العصر وقديم الاوان, وبعدها ترددت في ابهاء المركز الاكاديمي في جامعة نيويورك انغام الرباب وابيات الشعر أو الزجل الفولكلوري المجهول المؤلف أو المؤلفين, وتوالت الصور والاستعارات والمشاهد والاسماء, أبوزيد وذياب بن غانم وفتيان بني هلال الشجعان يحىى ومرعي ويونس وخليفة الزناتي صاحب تونس الخضراء والجميلة (غصن البان) ابنة امير الزحلان, ومثل صندوق الدنيا الذي كنا نشاهده في طفولتنا في حواري القاهرة, الفقيرة بطبيعة الحال توالت صور ابوزيد متنكرا في اكثر من شخصية واكثر من اهاب, لقد ألبسه الشعب شخصيات الطبيب والراهب والنديم والمهرج والشاعر الجوال, بل والعبد الداكن البشرة وهو اللون الاصلي في الملحمة للبطل الشعبي شخصيا, وربما كان الخلد العربي يعيد به سيرة عنترة العبسي انصافا للبطولة واعترافا بان امة العرب وقد نور الاسلام وجدانها اصبحت وبحق تنظر إلى الانسان من خلال عطائه ونبله وجدارته كانسان, وليس من واقع لون بشرته أو جاهه أو ما يحوزه من اموال. كانت لفتة رائعة ومفاجئة من اكاديمي امريكي وباحث جاد ورصين احب تراث العرب واخلص له كل الاخلاص. سألته عما يفضله في سيرة بني هلال, قال: دهاء ابوزيد وسعة حيلته وقدرته على التنكر في شخصيات لا تخطر على البال لكي ينفذ إلى معسكر ويخترق دار الاعداء ثم اضاف الدكتور (دوايت) قائلا: واظن ان شعوب العرب تضمر هذا النوع من الاعجاب للبطل, ابوزيد فالشجاعة والبطولة في الحرب والقتال امرها ذائع ومعروف في كل تراث, لكن الجديد في تراثكم هو قدرة البطل على الدهاء وسعة التدبير وذكائه في التخلص من المآزق الا يقول المثل الشعبي عندكم في هذا الخصوص. (سكة ابوزيد كلها مسالك) , وهذا ما كان من امر أبوزيد بني الهلالي سلامة وهذا ما كان ايضا من امر دوايت بني رينولدز العالم الامريكاني الذي صادفناه مؤخرا في نيويورك, ولنا معه وقفة اخرى عن الموشحات الاندلسية إن شاء الله.

تعليقات

تعليقات