استراحة البيان: عطر الذاكرة: يكتبها اليوم- محمد الخولي

عزيز على النفس ان تنقضي أيام هذا الشهر مارس ــ آذار دون ان تستعيد الابيات الجميلة من شعر عدنان الراوي وقد كانت ترطب حياتنا أيام كنا نعمل في اذاعة صوت العرب, وكان ذلك منذ عقود ثلاثة من عمر هذا الزمن, والابيات تقول : آذار... والورد المعطر والندى نغم على شفتي حبيبة والذكريات الخضر والارض الخصيبة تمتد حتى لا نهاية... من أين يعرف عاشقان هناك ما معنى النهاية؟ لا الورد يعرف, لا الندى, لا العاشقان, وكان (عدنان الراوي) شخصية شبه اسطورية جاءنا من العراق الى القاهرة وهو يحمل على كتفيه النحيلين حكمين, نعم حكمين اثنين... بالاعدام تلقى اولهما ايام نوري السعيد, وتلقى الثاني من محاكم عبدالكريم قاسم بعد ثورة تموز الكبرى عام ,1958 تراه مخلوقا بسيطا رقيق الحاشية, تحدق عيناه بعيدا في اللامكان وتكاد تتساءل من اين لهذا الانسان الرقيق كل هذه الارادة التي قدت من فولاذ؟ ارادة تحملت عذابات السجن, وقسوة الاستبداد وألم المنفى.. وكان يعبر عن هذا كله في واحدة من قصائده الوطنية ــ الملحمية ان شئت التعبير وكانت تحمل عنوانا شهيرا هو (أم الطبول) وهي الساحة التي شهدت مصارع الشهداء من احرار العراق وكان (عدنان) يفتتحها بهذا الاستهلال البالغ الجزالة مخاطبا عبدالكريم قاسم الذي كانت ابواق دعايته تصفه في جلافة ساذجة بأنه الزعيم الأوحد ــ ويقول الاستهلال: قل للزعيم الأوحد قل للكريم المفرد قل للجلاوزة الطغاة الخائفين من الغد ولقد رفض عدنان الراوي حياة اللاجىء المحترف, يتقاضى مرتب اللجوء ويجلس مفاخرا بامجاد الماضي في مقهى (لاباس) بشارع قصر النيل في القاهرة... هكذا اندفع الرجل الى العمل رغم ظروفه الصحية ورغم مهامه الوطنية والقومية العديدة, كان يكتب التعليقات السياسية ويذيع القصائد القومية, ويشارك في تقديم برنامج يومي بعنوان (أمة العرب في صوت العرب) وكان عبارة عن عرض شامل لاقوال واتجاهات الصحف الصادرة بين المشرق والمغرب... ولما كانت المقتطفات المختارة تحتاج الى قطعها من قلب صفحات الجرائد والمجلات فقد كان عدنان يمسك بشفرة الموس ويستعيذ بالله.. ثم يبدأ القطع بعبارةمأثورة يقول فيها: ــ قررنا ان نحلق ذقن امة العرب. رحل عدنان الراوي عن الدنيا في اواخر الستينات ومع ذلك فقد كانت صورته اول ما وفد على خاطري وانا اشق طريقي لأول مرة من مطار بغداد القديم الى شارع السعدون العريق في قلب عاصمة العراق, حيث قدر لنا ان نعيش في بغداد عدة سنوات انتهت في منتصف الثمانينات. وكم تهفو النفس بشوق عميق بل وعشق مدنف عميد الى البيت الجميل في حي الجهاد او هو حي الاطباء الذي اتخذناه سكنا لنا في ظاهر بغداد قرب مقر الامم المتحدة, الحديقة المترامية ابونجم يرعاها ويرفدها بخبرته الطويلة كبستاني عريق يحب الزهور ويرعى النبتة منذ ان يضعها في حنو بالغ في قلب الارض, ثم يناجيها في كل زيارة الى ان تعد بالبشرى وردة مونقة او عودا من عطر او ريحان ومن عجب ان ابانجم ــ بستاني حديقتنا البغدادية كان فقيرا بقدر ما كان في غاية الاعتزاز بالمهنة الرائعة التي يحترفها ــ كنت اصفه بموسيقار الجناين... قد يهتم بالنجيل ــ العشب الاخضر يفرش سندسيا ارض الحديقة ـ والاكيد انه كان يسبغ رعايته ومهارته على المزهريات التي يرسم لها احواضا في الاركان وعند مداخل البيت كم كان كسوفنا عندما عرضنا عليه ــ بالأدق اقترحنا عليه يوما ان يتوسع نشاطه فيزرع لنا شيئا من الملوخية او البامية او البطاطا او الباذنجان هنالك ثارت في نفسه حمية الموسيقار وابى ان تمتد يده الى اعواد الملوخية او قرون البامية و.... ــ دكتور (هكذا كان ينادي العبد الفقير وكان هذا النداء مثل موسيقى في سمع العبد اياه) لماذا لا تجرب بنفسك زراعة الخضروات, وكان الرجل منطقيا مع نفسه, ومع اعتزازه البالغ بحرفته, اكاد اقول برسالته التي يتعامل فيها مع الزهور وانواعها ونباتات العطر الطيب الفواح, وهل رأيت يوما موسيقارا يتنازل عن عزف السيمفونيات الى ترديد اهازيج الحواري والطقاطيق والمواويل. لم احدثك بعد عن الفنان جميل جرجيس, استاذ الموشحات في المعهد الموسيقي في بغداد, اتفقت معه على تعليمي فن العزف على العود وبدأنا الدروس التي تحولت مع كسل التلميذ الى وصلات حوار حول واقع الغناء العربي, وعندما حاولت ان ادلي بدلوي لأطلع الاستاذ (جميل) على ما اتصور انني اعرفه من تاريخ الموسيقى والغناء في مصر, اذا به يفصح عن علم غزير بجوانب, بل بدقائق هذا التاريخ: المراحل, والتطور والاعمال الشوامخ والاعلام الكبار كيف لا... وقد سألته يوما عن اولاده فقال باعتزاز شديد: ــ هم رياض, ورامي وزكريا. اما قرة العين بنتي الوحيدة فاسمها ام كلثوم! ساعتها قلت له في محاولة استظراف: ــ معنى هذا ان تسمي حفيدك (سهران لوحدي) ! ولم يضحك استاذي في عزف العود, وخابت محاولة الاستظراف,فلم اكن تلميذا نابها في العزف ولا كانت اصابعي مرهفة الحساسية في عفق اوتار العشيران او الدوكا او الكردان, ولا كنت اداوم على حفظ دروس النوتة وقراءة علامات الترقيم الموسيقي كما ينبغي لأصواتها ان تكون. ولما كنت اعرف هذه الامور نظريا من خلال قراءات وتجارب حياتية شتى... وكم انفقنا ــ لا تقول اضعنا ــ سنوات من العمر في فهم السكك المقامية وفي تمييز الهزام من البيات. ولما كان الأستاذ جرجيس قد وصل إلى حواف اليأس من قدرة تلميذه على اجادة العزف واستنطاق العود أنفاسه العذبة المفعمة حنانا وشجنا ورصانة وطربا.. فقد تحولت, وما باليد حيلة - من حكاية العزف إلى مجال النقد الموسيقي مدللا بذلك على المقولة - الكليشية الشهيرة بأن الناقد الشاطر هو مبدع خائب أو فلنقل شخص ضل طريقه إلى الابداع. وربما زين لي الامعان في حكاية التذوق والنقد الفني, ذلك الرحيق الذي كنت أتلقاه من راديو بغداد صباح الجمعة من كل أسبوع انه برنامج إذاعي كان يحمل اسم (من الذاكرة) ويقدمه الاذاعي العراقي الكبير (سعاد الهرمزي) وما أدراك: صوت يجمع بين عمق الرصانة وحلاوة الأداء وعراقة فهم التاريخ وثقافة العصر.. كان أقرب إلى الصوت الوئيد المطمئن العميق للمرحوم حسني الحديدي كبير مذيعي مصر الذي كانت أوصافه لحفلات أم كلثوم الشهرية جزءا مخمليا محملا بالوعد والفرح من (طقوس) مواعيد أم كلثوم. ولعل أروع ما كان يميز الأستاذ (سعاد الهرمزي) انه كان يطل على مستمعيه في بغداد وغيرها من منظور قومي, عروبي يرى ان كل موهبة تنبع في هذا القطر أو ذاك هي ملك لامة العرب بأسرها من الخليج إلى المحيط حيث اننا نشترك في وجدان متجانس, وثقافة قومية مؤتلفة ونصدر عن تاريخ موحد بالعراقة والمعاناة والأمل أيضا. ما زلت, بعد كل هذه السنوات, أذكر صباحات الجمعة في بغداد الطيبة الصبور ويتردد في ذاكرة السمع صوت سعاد الهرمزي وهو يدون ملاحظاته بايجاز بليغ في نوتة الوجدان العربي المعاصر.. يقول مثلا: _ فيروز - فراشة مطرزة بالسحر موشاة بالتبر.. جميلة كأحلام اليقظة رقيقة كالحب.. مزهوة كالطاووس. _ رياض السنباطي: أطول نفس بين الملحنين العرب. _ محمد القصبجي: أصابع ماهرة (في عزف العود) وعقل مفكر. _ فريد الأطرش: القيتارة الحزينة التي تكسرت أوتارها مرة بعد مرة ولكنها ظلت تعزف بوتر واحد. _ عباس جميل (الملحن العراقي) لا تؤجل لحن اليوم إلى الغد. _ جميل بشير الفن الصداح, وعازف العود العظيم والوتر الأكبر في كل الأعواد. _ نجاة علي (المطربة المعتزلة) شجاني نوحك يا بلبل. _ سعاد محمد: صوت رائع لا يلتفت إليه أحد من الملحنين, ربما لانها هي تلتفت لنفسها. _ وديع الصافي: من المطربين القلائل الذين يطلقون أصواتهم من حناجرهم لا من أفواههم. _ محمد عبدالوهاب: فارس الميدان, لم يستعر لا جوادا ولا سرجا ولا لجاما. _ أم كلثوم: يا غائبا عن عيوني وحاضرا في خيالي. انني أنقل لك هذه الكلمات من كتاب المختارات الذي أصدره الأستاذ سعاد الهرمزي, وهو كتاب بسيط اقرأ عليه بقلب شغوف اسم (مكتبة النهضة في بغداد) . وأحدب على الكتاب إذ يتناهى منه عطر أيامنا الجميلة في عاصمة العراق.. مرددا كلمات محمود حسن اسماعيل التي شدت بها أم كلثوم منذ 40 عاما بالضبط: سمعت في فجرك الوليد توهج النار في القيود وبيرق النصر من جديد يعود في ساحة الرشيد بغداد يا قلعة الأسود. و.. سلام على بغداد.

تعليقات

تعليقات