أطفال لا يأكلون، استراحة البيان ـ بقلم: محمد المر

قبل ثلاثة عقود من الزمن لم يكن أمام اطفال الامارات فرصة الاختيار في المآكل المطروحة أمامهم والسبب في ذلك راجع الى أنها كانت محدودة جدا . الافطار في معظم الاحيان خبز الخمير أو المحلا أو الجباب مع السكر, والاجبان والزبدة والبيض والمربى كانت متوفرة بقلة ولفئة محدودة. وحليب البودرة والعلب لم يكن رخيصا, وقليلة هي الاسر التي كانت تمتلك أبقارا تمولها بمنتجات الالبان, والغداء سمك وأرز في معظم الاوقات, والعشاء لأكثر العائلات ما تبقى من الغداء أو خبز (رقاق) أو (وقافي) مع النخي (الحمص) أوالباجلة (الفول) والتمر يوفر سعرات حرارية كافية في معظم الوجبات. الفواكه كانت محدودة وأسعارها مرتفعة, كذلك فكانت شهية الاطفال مفتوحة على الدوام. اليوم يتوفر لأطفال الامارات أنواع وأصناف من الأكل لا عد لها ولا حصر ويمكنهم تناولها أثناء الوجبات وقبلها وبعدها وما بينها ولكن يبدو أن الوضع الحضاري في نهاية القرن العشرين اصابهم بنقص في الشهية, فهم في أكثر الاحيان مضربون عن الأكل أو أنهم يجلسون الى المائدة من باب الروتين وليس لتناول الطعام. وعبثا يحاول الاهل إقناعهم أو دفعهم لالتهام أطباق الطعام الموضوعة أمامهم, ويحاولون استخدام استراتيجيات وتكتيكات وخطط مختلفة. فمثلا بعض الاهل يحاول أن يخاطب الجانب العقلاني في أذهان اطفالهم فيسردون أمامهم فوائد مختلف الاطعمة الموجودة أمامهم. (يا حبيبتي عائشة أنت تعرفين من درس العلوم أن الارز والخبز يحتويان على الكربوهيدرات التي تعطيك الطاقة المناسبة لكافة نشاطاتك وكذلك الامر مع الزبدة والدهون والحلويات, يا حبيبي سالم السمك واللحم ومنتجات الألبان مملوءة بالبروتين الذي يساعد على تكوين العضلات المفتولة, ويا حبيبتي فاطمة الخضروات والفواكه تعطينا الفيتامينات والمعادن التي تحمينا من مختلف الامراض وتجعلنا أصحاء وتفتح عقولنا للفهم والمعرفة). وعندما يفشل هذا الارشاد المنطقي يحاول أولياء الامور أن يستخدموا تكتيكا مغايرا يركز على استغلال الناحية النفسية (اسمع يا خليفة إذا لم تآكل الارز والخبز فلن تحصل على الطاقة التي تمكنك من لعب كرة القدم بمهارة لكي تبز أقرانك وتتفوق على زملائك في ساحة الملعب. وأنت يا ليلى إذا لم تتناولي منتجات الالبان والفواكه والخضروات فلن يتوقد ذهنك ولن تتمكني من المنافسة على الدرجات العالية التي ستفوز بها زميلاتك في الفصل, ويا خميس إذا لم تلتهم اللحوم والاسماك فلن تقوى عضلاتك, وبالتالي فإنك ستكون الخاسر في أي عراك أو مصارعة مع أطفال الحي الذين سيهزمونك بسرعة بسبب قوتهم الجسدية الناتجة عن إقبالهم على التهام مختلف الاطعمة المفيدة) . بعد فشل هذا التكتيك ينتقل الاهل الى المناشدات الاخلاقية (يا أولاد, هل تعرفون أننا في الماضي كنا لا نحصل على ربع أو خمس هذا الاكل المتوفر لكم اليوم) أو (يا بنات هل تعرفن بأن هنالك مناطق فقيرة في العالم يموت فيها الاطفال من الجوع وانتن ترفضن تناول اشهى المآكل بدلع وسخف وهذا حرام, حرام, حرام) . وبعد ان يلقى هذا التكتيك الاخلاقي مصيره الفاشل والمعروف سلفا فإن الآباء والامهات يلجؤون بعد ان يفيض بهم الكيل الى اسلوب العتاب والقوة والعنف الذي مارسه آباؤهم وامهاتهم تجاههم في الماضي, والذي ساعد في تخليصهم من الكثير من عاداتهم وممارساتهم السلبية السابقة وبسرعة فائقة: (اسمع يا خالد اذا لم تأكل اللحم الموضوع امامك فانني سأضربك بالعصا واسبب لك عاهة دائمة, وانت يا شمسة اذا لم تتناولي اللحم والارز فسوف تحرمين من المصروف المدرسي لمدة شهر وتتحولين الى شحاذة في المدرسة بين صديقاتك وانت يا مطر اذا لم تلحس الصحن فإنك سوف تسجن في حجرتك طيلة اسبوع كامل!!) . وفي اغلب الاحوال فإن أطفال هذه الايام لن يتأثروا بهذه التهديدات اللفظية ولن يأخذوها على محمل الجد مثلما اخذها آباؤهم وامهاتهم في الماضي لانهم يعرفون ان اهلهم هذه الايام قد خارت عزائمهم ولانت قلوبهم واصبحوا يحسبون الف حساب لمسألة تأثير العقوبات القاسية وتسببها في تكون العقد النفسية لاطفالهم. واطفال الامارات هذه الايام طوروا العديد من التكتيكات التي تصرف انتباه الاهل عن التركيز على مسألة عدم تناولهم الطعام, ومن تلك التكتيكات افتعال شجار على المائدة لازعاج الاهل ودفعهم لطرد الاطفال من المائدة او الهاء الأهل بالثرثرة حول مشاكل المدرسة مثل قصص مشاجراتهم مع زملائهم والتي هم بالطبع ضحايا لها!! او قصص المدرسين والمدرسات الذين يتخصصون في اضطهادهم وحرمانهم من الدرجات العالية! واذا لم تنفع تلك التكتيكات انتقل الاطفال الى خط الدفاع الثاني مثل التعلل بمرض او وجع في المعدة او الرأس او الرجل (اما كيف يتسبب وجع الرجل في اغلاق باب شهية الاكل فذلك علمه عند اطفالنا العباقرة!). وهنالك حجة عدم توفر الخيارات فإذا كان الموجود على المائدة لحما قالت الطفلة عفراء بأنها لاتحب اللحم ولكنها تحب السمك فإذا توافر السمك قالت انها لاترغب في سمك الهامور بل ترغب في سمك الصافي, واذا توافر سمك الصافي قالت انها لاتميل الى سمك الصافي مقليا بل تفضله مشويا.. وهكذا دواليك حتى يتوالى ظهور الشعرات البيضاء في رأس والدتها. كان نجاح الاباء والامهات في الماضي يتركز في مسألة اقناع اطفالهم باهمية العلم من مختلف جوانبه وفي المساعدة على تكوين شخصية سوية وناجحة لاطفالهم أما هذه الايام فيظهر ان مقياس نجاح الآباء والامهات يتركز في قضية اقناعهم بتناول الطعام المفيد والجيد!!

تعليقات

تعليقات