استراحة البيان: رؤساء تحرير... للحبس فقط: بقلم- جلال عارف

يبدو ان هذه الوظيفة ستعود للصحافة المصـرية, وبالتالي للصحافة العربية في الايام المقبلة, أقول ذلك وأمامي واقعتان من ضمن الوقائع التي تشغل الاوساط الصحافية في الفترة الاخيرة. الواقعة الاولى هي صدور الحكم بحبس الزميل مجدي احمد حسين رئيس تحرير صحيفة (الشعب) الناطقة باسم حزب العمل سنة مع الشغل, وهو حكم واجب النفاذ وسيؤدي اتوماتيكيا الى تنفيذ حكم آخر صدر قبل ذلك بحبس الزميل مجدي سنة اخرى مع وقف التنفيذ. والامر الان ينتظر عودة مجدي من زيارة كان يقوم بها للعراق عند صدور الحكم وينتظر ايضا نتائج المساعي التي يبذلها الجميع لوقف تنفيذ الحكم وعقد مصالحة بين مجدي وبين وزير الداخلية السابق حسن الالفي وعائلته اصحاب القضية التي صدر فيها الحكم الاخير. والواقعة الثانية ان رئيس تحرير صحيفة حزبية اخرى هي (مصـر الفتاة) اتهمه وزير الاوقاف بالسب والقذف في حقه وحق اسرته, ذهب الى المحققين ليقول انه لا يعلم شيئا عما نشر بالصحيفة, وانه مجرد رئيس تحرير على الورق. وكانت الصحافة المصـرية قد نسيت مسألة حبس الصحفيين في جرائم النشر طوال الاربعين عاما الماضية حيث كانت اوضاع الصحافة اكثر انضباطا لكن الامور تغيرت في السنوات الاخيرة بصدور الصحف الحزبية ثم الصحف الخاصة من ناحية وبالاتجاه الى تشديد العقوبات من ناحية اخرى. اما قبل ثورة يوليو 1952 فكان الحبس في جرائم النشر شيئا عاديا وفي ظل الحياة الحزبية ــ بايجابياتها وسلبياتها ــ في هذه المرحلة كان حبس الصحافي في قضية سياسية نيشانا يوضع على صدره والعقاد نفسه تم حبسه وخرج من السجن ليقف على قبر سعد زغلول ويلقي قصيدته الشهيرة التي يؤكد فيها انه سيبقى على العهد رغم ان ذلك لم يحدث حيث خرج العقاد على الوفد الذي كان يومئذ حزب الشعب وبعد ان كان لقبه (كاتب الوفد الاول) اصبح عدو الوفد ومهاجمه الاول. وفي هذه الايام لم يكن احد ينزعج لسجن الصحافيين فقد كانوا يخرجون من السجن ابطالا يخوضون الحياة السياسية من اوسع ابوابها ثم ان السجن نفسه ــ في القضايا السياسية ــ لم يكن السجن الذي نعرفه الان. فقد كان السجن السياسي شيئا آخر يمارس السجين فيه حياته العادية. يقرأ الصحف وما يشاء من الكتب التي يسمح بادخالها اليه في سجنه, ويلبس الملابس العادية ويمارس الرياضة ويستقبل الزائرين, ويأتي له الطعام الفاخر من الخارج. ومع ذلك ـ ولاعتبارات عملية او عائلية ــ فقد كان البعض لا يرحبون بالسجن ومن هنا تم اختراع هذه الوظيفة التي كانت معروفة ومنتشرة قبل الثورة... وظيفة (رئيس تحرير الحبس) وبمقتضاها كان يتم الاتفاق مع احد الاشخاص ليوضع اسمه كرئيس تحرير للصحيفة وتكتب الصحيفة ما تشاء وتحال للمحاكمة وتصدر الاحكام بحبس رئيس التحرير الذي لا يعلم شيئا عن الصحيفة ولم يكتب حرفا فيها. ولأن القانون في ذلك الوقت ــ لم يكن يشترط في رئيس التحرير ان يكون جامعيا فقد كان هناك رؤساء تحرير من الترزية والبقالين والمكوجية تختفي وراءها اقلام قادة سياسيين ومفكرين ومثقفين كبار يكتبون الافتتاحيات الملتهبة ويذهب رؤساء التحرير المزيفين للحبس راضين ليس ايمانا بالمبدأ في معظم الاحوال وانما لحاجتهم للراتب الشهري المجزي الذي كانوا يحصلون عليه ولان السجن نفسه كان اكثر راحة من بيوتهم ولأنهم ــ في معظم الاحوال ــ كانوا يخرجون من السجن فيجدون وظيفة متواضعة في الصحيفة او في الحزب الذي يصدرها. واذا كان بعض رؤساء تحرير الحبس يخرجون من سجنهم ليجدوا طريقهم في الحياة الحزبية قبل الثورة واذا كان البعض الاخر يكتفي بوظيفة تؤمن عيشه واذا كان البعض الثالث ينجح في اقتناص الفرصة فيتعلم شيئا يستطيع به ان يمارس العمل الصحافي ولو بتواضع شديد فان فريقا رابعا كانت التجربة تفقده اتزانه تماما مثل ذلك (التمورجي) أي الممرض الذي كان يعمل بعيادة أحد الأطباء الحزبيين, وتحول - في إحدى الأزمات - الى رئيس تحرير حبس وبعدها خرج متصورا انه سيتولى قيادة الحزب وعندما لم يحدث ذلك اضطربت احواله النفسية والعقلية ولم يتركه الصحافيون الذين عملوا تحت رئاسته الوهمية في حاله بل اقاموا له حفل تكريم حشدوا له الخطباء والشعراء الذين انهالوا عليه بالهجاء شعرا ونثرا والرجل لا يفهم شيئا مما يجري ويكتفي بالابتسام والتلويح للجمهور ويتأثر كثيرا حينما يبلغونه ان امير الشعراء احمد شوقي قد اعتذر عن الحضور بسبب وفاته!! ولقد اختفت هذه الطائفة من الصحافة المصـرية في الخمسينات وان كانت اثارها بقيت بعد ذلك لمدة طويلة مع طائفة مع الصحافيين كانت تذكرك على الدوام بهذه الظاهرة اتذكر من بينهم (عم كامل) وكان رجلا بالغ الذكاء والطيبة مما مكنه من ان يكون مسؤولا عن القضايا والحوادث في واحدة من اكبر الصحف المصـرية رغم انه كان (يفك) الخط بصعوبة! كان عم كامل كثير النشاط يعرف كل ضابط شرطة في القاهرة وكان عددهم في تلك الايام قليلا بالنسبة للآن. وكان يعود من جولاته اليومية فيكتب بلغة ضعيفة تتعب المراجع الذي يفضل في معظم الاحيان ان يروي له عم كامل ما يريد مباشرة ليكتبه من البداية وكان المثير هو الذاكرة التي يتمتع بها عم كامل والمعرفة بطرق كتابة القصة الخبرية حتى وهو يمليها على غيره. وكان عم كامل لا يحب ان يبدو جاهلا بشيء ــ اي شيء ــ في عالم الحوادث وما ان يسأله رئيس التحرير عن حادث حتى يبادر على الفور: في جيبي يا أستاذ. ويخرج من جيبه مجموعة من الاوراق اعدها لهذا الغرض وليس فيها شيء بالطبع عن الحادث. ولكنه يتغيب دقائق ويجري الاتصالات ويعود بالقصة الخبرية كاملة! وكم وقع في مطبات بسبب هذا الحرص على ألا يفوته شيء. ولعل اشهر قصصه في هذا المضمار تلك التي كانت مع كامل آخر هو الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي رأس تحرير الصحيفة الكبرى لفترة وكان يحب تدبير المقالب... وكم ذاق عم كامل... من كامل بك! ذات يوم استدعاه ليقول له ان الكاتب العالمي ليو تولستوي قد وصل الى القاهـرة وانه تعرض لحادث سيارة عند انتقاله من المطار الى الفندق وطلب منه الذهاب للمستشفى لمتابعة الحادث. واسرع عم كامل ثم عاد بعد ساعة وهو يصرخ غاضبا: يا استاذ اتعبتوني اسم الرجل ليس ليو بل اسمه ديمتري وقد اصيب مع زوجته واطفاله الثلاثة وصورناه يا استاذ واجرينا معه حديثا مطولا! قال كامل الشناوي: تحدثت مع تولستوي! ورد عم كامل: يا استاذ . تولستوي ابن بلد ويتكلم عربي احسن مني ومنك! وعندما زاملنا عم كامل في اخريات عمره كان زملاؤه مازالوا يذكرون حكايته مع تولستوي ويقصونها لنا والرجل يضحك كطفل صغير! لم يكن عم كامل من رؤساء تحرير الحبس ولكني ــ لسبب لا ادريه ــ كلما جاء ذكرهم قفز وجهه الطيب امام عيني ورغم ان القانون يحتم الان ان يكون رئيس التحرير جامعيا ــ ضمن شروط اخرى ــ فمازلت اعتقد ان المهنة التي انقرضت يمكن ان تعود... مع التعديلات اللازمة. ملحوظة اخيرة: عم كامل كان في يوم ما صاحبا لوكالة انباء خاصة تبث اخبار الحوادث والقضايا. وهي تجربة لم يسبقه اليها احد ولم يكررها بعده احد.

تعليقات

تعليقات