في محاضرة حول العولمة على هامش المعرض: عصفور وعرسان يحذران من مخاطر العولمة ويتقصيان إمكانية المواجهة

أثارت الندوة التي نظمها المجمع الثقافي حول (الثقافة العربية وثقافة العولمة) حواراً ساخناً تناول معظم الهموم والقضايا العربية اليومية والأزلية, وأبرزت العديد من التساؤلات التي تدور في ذهن الإنسان العربي وتؤرقه وتلح عليه باحثة عن إجابات مقنعة, وحضر هذه الندوة جمع من المسؤولين وجمهور كبير وشارك فيها الدكتور جابر عصفور والدكتور علي عقله عرسان . وقدم الضيفين القاص ناصر الظاهري بمداخلة طويلة عن الثقافة ومفهومها وتشعباتها المتعددة. في مستهل المحاضرة تحدث د. جابر عصفور فأشار إلى أهمية مناقشة موضوع العولمة التي عقدت حولها الى الآن مؤتمرات عديدة في أكثر من عاصمة عربية, واستعرض مفهوم العولمة وشيوعها في أوساط عالم المال والاقتصاد الأمريكي وانتقالها إلى دول أوروبا, وعرض لاشتقاقات المصطلح وأبعاده في أكثر من لغة أخرى, وتطرق لمعانيها المختلفة لدى بعض المثقفين العرب أمثال سمير أمين واسماعيل صبري, وأشار إلى وجود مصطلحات ثلاثة إلى لفظة واحدة مؤكدا أن الثقافة العربية لم تستطع حتى على المستوى اللغوي أن تحدد هذا المفهوم وتداعياته. وقدم جابر عصفور توصيفا شاملاً لتطور هذا المصطلح (العولمة) موضحاً ما تعنيه في سبعة أبعاد: (البعد الاقتصادي, البعد التقني, البعد الاتصالي, الأبعاد المنهجية, الأبعاد الثقافية, الأبعاد السياسية, البعد البشري) . وتحدث عن هذه الأبعاد باختصار مؤكدا أنها ترتبط فيما بينها بروابط وثيقة يصعب فصلها, وأن كل منها يؤثر في الآخر ويتأثر به فلا يمكن الحديث عن البعد الثقافي دون الانتباه إلى تكنولوجيا المعلومات المتقدمة والتدفق المعلوماتي والانترنت والقنوات الفضائية والبريد الالكتروني وغيرها, وهي عناصر حاسمة في تكوين الرأي العام واتجاهاته. ولهذا حين نتحدث عن عالم جديد وانسانية جديدة علينا أن نحترس لأن أطفالنا يستخدمون الانترنت والبريد الالكتروني لكن بأي لغة, فالعولمة في بعدها الاتصالي أو التقني تلغي حدود الجغرافيا والدولة الوطنية التي غالبا ما ترضخ لتوجهات الشركات المتعددة الجنسية والمتعدية الجنسية التي تملك الكثير من الضغوط لأنها لاتعمل وحدها بل بالتنسيق مع جهات كثيرة هي جزء من العولمة الاقتصادية. الثقافة العربية لم تعد قادرة على منع اتصالها بالعولمة, ولم تعد الحكومات ولا الأفراد قادرة على إقامة رقابة أو التحكم فيما يحدث على مستوى انتقال المعلومات, مما يعني أن الثقافة الوطنية التقليدية لم تعد مسيجة أو محاطة بجدران بل أصبحت مفتوحة شأنها شأن الاقتصاد الوطني خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور القطب الواحد الممثل في الولايات المتحدة الأمريكية. ووجود هذا البعد الثقافي للعولمة يؤدي الى التعددية الثقافية (متصالحة أم متصارعة أو متجاورة) وبقدر ما يؤدي هذا التنوع يؤدي إلى أزمات وتمزقات, وتستبدل العولمة مفاهيما بمفاهيم وتتغير المصطلحات وبدلا من الحديث عن مركز واحد لابد من تعدد المراكز مما يعني صياغة ثقافية عالمية تهدف إلى ضبط الشعوب وتوحيدها, واتفاقيات الجات تبين ما أعنيه بتوحيد سلوك الشعوب في مناطق بعينها بما لايعرقل حركة رأس المال العالمي من خلال الشركات المتعددة الجنسيات. وختم عصفور بالقول: هناك أنواع من العولمة, عولمة الولايات المتحدة الأمريكية وهي السائدة, وهناك عولمة أوروبية تحاول أن تواجهها, وعولمة آسيوية وكأننا بين ثلاث عولميات, وأتقبل هذا الاجتهاد بكثير من الحذر, وأفضل عليه الاتجاه الآخر الذي يميز بين نزعة الهيمنة الاقتصادية, والنزعة الإنسانية, وهذه أملنا - نحن العرب والعالم الثالث - بما تنطوي عليه من ثقافة إنسانية تسعى اليونسكو إلى تحقيقها. بعد ذلك تحدث علي عقلة عرسان فأشار إلى أن العولمة تعطي سيطرة مطلقة لمن يمتلكون المال والقوة المعلوماتية والاقتصادية, وتتيح للقوي أن يسيطر بكل أشكال السيطرة, وهناك مئتا شركة متعددة الجنسية تعمل على السيطرة على اقتصاد العالم ولكن رأس المال الأم لهذه الشركات هو شركات صهيونية في أمريكا وغيرها ومن هذا المنطلق تؤدي محاولة توزيع الانتاج على دول العالم إلى إيجاد شبكة من الأقنية الاقتصادية مهمتها الأولى جعل رأس المال يذهب إلى أصحاب هذه القوة, مما يعني تبعية دول بعينها أو تهديد سيادتها الوطنية. وأكد ان المقولة التي تقول (ان العولمة تفتح سوق المنافسة على مصراعيه تصبح صفرا في الواقع لأن الخيارات غير متوفرة, والتحكم في الإنتاج وتوزيعه يجعل العالم النامي يأخذ أسوأ البضائع بأغلى الأثمان, ودول العالم المتقدم تحصل على أفضل البضائع بأرخص الأسعار, وهكذا نعيش نحن حالة استنزاف وتطرد القاعدة المعروفة بازدياد غنى الأغنياء, وازدياد فقر الفقراء, في عصر العولمة والاحتكارات الجديدة. ورأى عرسان في العولمة غزوا للعالم من قبل الثقافة الأمريكية والقيم الأمريكية مستندا إلى ان الثقافة تشمل نظم القيم والتقاليد والمعتقدات والسلوك, وعليه تصبح نصوص ومبادئ الإعلان العالمي حول الثقافات الوطنية معرضة للتغيير بقوة الاقتصاد والمال. وتساءل عرسان: هل هناك من طريقة للتملص من العولمة, وأجاب لقد أدخلنا في هذه العولمة ولا مجال للهرب, وحين تسيطر العولمة على الدولة الوطنية وتبشر بنظام للقيم والسلوك تعني أحد أمرين: (ان يصبح العالم نمطاً للسلوك والقيم الذي يختاره النظام الأقوى أو التمرد على هذا الوضع, ونحن الآن في عصر لم نعد نمتلك فيه حتى تغطية أسرارنا, ولا نمتلك المعلومات التي نفترض سريتها في أفكارنا, فكيف نواجه ونتصدى) . ورأى عرسان في (الخصخصة) انتفاء لسيطرة الدولة والانتقال من حالة ضعف الدولة إلى تفتيتها وانفراط ما تمثله الأمة من شخصية ثقافية أو هوية بالمطلق, وعرف عرسان هذه الهوية ليخلص إلى أن اشتراكنا في الإنسانية يعتبر ماهية أما قوام كل أمة بشخصيتها فيعتبر هوية. واعتبر عرسان العولمة نموذجاً متطوراً من الاستعمار يتماشى مع عصر المعلوماتية والانترنت بدلاً من الاستعمار التقليدي وكلفته المرتفعة, ويكمن خطرها في أننا نقبل أن نكون ساعداً يعمل أو فماً يأكل, وحين ترغب في رفض هذا ستموت جوعاً كما يحدث في الهند وإفريقيا, ولن يحرص النظام العالمي الجديد إلا على مصالحه, وتحويل الروح الى خدمة المادة, والاحتكارات لن ترحم أحداً مما يعني الفراغ الأخلاقي والروحي لهذا النظام) . عصفور وعرسان ويتوسطهما الظاهري خلال المحاضرة جانب من الحضور

تعليقات

تعليقات