استراحة (البيان) حافظ نجيب الذي لا يعرفه أحد: يكتبها اليوم- محفوظ عبدالرحمن

ملت على صاحبي واقترحت عليه اقتراحا بدا لي حسنا عند قوله, ولقى الاقتراح هوى في نفسه, وان استصعب تنفيذه, ومضت بضعة ايام واذ به ونحن جالسون في اجتماع يقول ان جهات عليا اتصلت به في اقتراح هو كذا وكذا, وكان ما قاله هو نفس الاقتراح الذي همست له به ولم اعد متحمسا له, ولكن ها هو صاحبي يحكي كيف عرضوا عليه الاقتراح وكيف ناقشهم فيه, وكيف اعترض عليه, وها هو الآن يقدم لنا موقفه لنبدي رأينا فيه. وأخفى الاصحاب الدهشة ربما لظنهم ان مثل هذا الاقتراح لا يأتي من جهات عليا اما انا فكنت اكثرهم دهشة, فلقد تبدل اقتراحي وتكور واستطال ليتحول الى قصة اخرى, وفي يقيني ان احدا لم يتحدث معه سواي, ولكن يبدو ان النسيان لعب دوره في سلخ الاقتراح من صاحبه, اما ما لعب دورا اكبر من النسيان فهو الغرور الذي دفع صاحبي الى نسج قصة اخرى بدا فيها مهما! وقلت لنفسي: اليس هذا ما يقولونه عن (التاريخ) ؟ ان كلا منا يحكيه من وجهة نظره, وبالتالي فلا حقيقة متفق عليها, لكنني ايضا كنت ارد عليهم بأن التاريخ هو ما فعلته الانسانية, ولأنها فعلته فهو واقع مؤكد حتى يظل قابلا للمناقشة, ولكن ذلك لأن الحقيقة ليست كاملة ابدا على هذه الارض. وكنت دائما اشاكس الدكتور يونان لبيب رزق استاذ التاريخ الحديث وارفض رفضه للكرة ان التاريخ يعيد نفسه, وأظن ان كلينا على حق. من ذلك كله ارى التاريخ بناء هائلا ترى منه حسب الموقع الذي تقف فيه, ولقد لفت نظري بعض (التواريخ) اذا صح التعبير التي تكون ملء السمع والبصر ثم تذوب مع الوقت فلا يبقى منها شيء. وكان من الذين اهتتمت بهم ممن ضاعوا في التاريخ ضابط اسمه احمد بك الخازندار لن تجد اسمه في وثيقة, ولن تجده على رأس مقالة, ومع ذلك فانت تستطيع ان تحس أهميته, فلقد كان مقربا من الخديوي اسماعيل, وكان شخصا مميزا في سلوكه ومكانته, هذا كما قلت لا تقرأه بموضوع, بل تجده في شذرات مبعثرة, ويبدو هذا مفهوما لأن احمد الخازندار ظهر وقتل في عصر اسماعيل, وكان مصرعه لأسباب نسائية, فلماذا يكتب عنه احد من معاصريه خاصة انه لم يكن ناظرا (أي وزيرا) ولا مؤلفا لكتاب يبقى بعده. ولابد ان الخازندار كان معروفا جدا في عصره, يدل على ذلك دخوله الى وجدان الناس, ففي رواية عن مقتل اسماعيل صديق باشا الذي كان اخا للخديوي في الرضاعة, ولكن الخديوي انقلب عليه لاسباب يطول شرحها, ارسله على مركب الى الصعيد حيث دبر لاغتياله, فلما بدأ القتل ــ وله روايات عديدة ــ استنجد اسماعيل صديق بمن حوله, فقال له احد الجنود أنسيت ما فعلته بأحمد بك الخازندار؟ نحن هنا امام شخصية في وجدان الناس, لكنهم لا يستطيعون التأريخ لها, لان السلطة المطلقة كانت في يد من امر بقتله, ومضى وقت طويل جدا قبل ان يخطر على بال احد ان يؤرخ له, فلم يجده في وجدان الناس, ولم يجد من الوثائق ما يعتمد عليه, ثم هناك كثيرون اسهل في التأريخ لهم. وربما كانت هذه المقدمة الطويلة مدخلا لاحدثك عن حافظ نجيب, ولا تقل لي انك تعرف حافظ نجيب فهذا سيصيبني بدهشة كبيرة فلقد ذكرت اسمه حتى بين بعض المهتمين بالتاريخ, فلم يذكره من بين العشرات الا قلة احدهم صاح قائلا: لقد كان صديقا لوالدي, وآخر قال لقد سمعت حسن امام عمر يتكلم عنه, وثالث قال: لقد مر اسمه علي مرات وانا اعد كتابا عن تاريخ الشرطة. ولم يكن الحال هكذا منذ سنوات, اذكر ان والدي اخذني معه في زيارة الى احدى القرى, لا اذكر اسمها, واظن انني كنت في العاشرة او بعدها بعام, وكانت الجلسة كلها عن حافظ نجيب, ولا اذكر من هذه النزهة الا اسم حافظ تجيب واكتشافي المذهل ان ركوب الخيل يحتاج الى تعليم فلقد اركبوني حصانا وانا اظن ان ركوبه لا يحتاج الا لدفعة ممن هو اطول, ولكن المعاناة التي اصابتني في هذا اليوم لا تنسي. ومنذ ذلك الحين الى بضعة سنوات تخليت تماما عن فكرة الفروسية, حتى اضطررت ان اركب حصانا في مدينة بترا الاردنية ولقد قام صديقي عباس ارناؤوط بتصويري, وارسل الصور مع جورج سيدهم الذي كلما قابلني قال انه نسى الصور, وانتهى الامر بكارثة ان فقد ذاكرته نفسها, شفاه الله. وكان عباس يعرض الصور على الاصدقاء, فلم يتعرف علي احد منهم, ذلك لانني كنت في حالة من الذعر يبدو انها قادرة على تغيير الملامح! المهم انني عندما كنت عائدا من هذه النزهة ممتطيا صهوة الجواد, سألت والدي عن حافظ نجيب فقال لي باعجاب انه اعظم من ارسين لوبين. وكنت اعرف ارسين لوبين وعرفته اكثر فيما بعد, لقد كان البطل الشعبي في زماننا, اللص الشريف الذي يسرق من اجل الخير, ويحقق العدالة ويقوم بمغامرات لا يصدقها العقل. ولم يكن ينافس ارسين لوبين الا شرلوك هولمز وهو شخص ذكي يكشف أصعب الجرائم. ولكن شارلوك هولمز لم يستطع ان ينافس ارسين لوبين في جيلي على الاقل, ربما لانه كان اقرب الى العقل والتفكير, في حين كان لوبين اقرب الى روح المغامرة, ولصديق لي تفسير اغرب من هذا, فهو يقول ان (هولمز) بريطاني ينتمى الى الثقافة السكسونية في حين ان (لوبين) فرنسي ينتمي الى الثقافة اللاتينية, وكنت آنئذ مع فرنسا ضد بريطانيا التي كانت تحتل البلاد, وهو تفسير كما ترى لا يصدقه احد, لأننا في الصبا لم نكن نعرف ان هذا فرنسي وان ذاك بريطاني. ولقد قرأت روايات ارسين لوبين التي كانت ثقافة سامية لجيلي مثل مصطفى لطفي المنفلوطي, ولكن بطريقة عكسية, فلقد كانت القراءة تبدأ بأرسيل لوبين وتتطور الى الثقافة الحقيقية, اما انا فلقد بدأت بقراءة احمد شوقي والمازني وفريد ابوحديد ثم قرأت روايات ارسين لوبين من باب الفضول, وفي عطلة صيفية قرأت مئات من هذه الروايات ولم اعد اليها والآن اصعب القراءات لي الروايات البوليسية. المهم ان حافظ نجيب غاب من الذاكرة العامة حتى اختفى تماما بعد ان كان ينافس ارسين لوبين في الشهرة, وفي زماننا كان ارسين لوبين اكثر شهرة من كلينتون ومايكل جاكسون وكاظم الساهر في هذا الزمن. وقررت ان ابحث عن حافظ نجيب وبعد جهد كبير وجدت ما بين يدي بعض هذا الرجل. واهم ما وقع في يدي كتاب تحت عنوان (اعترافات حافظ نجيب) صدر في عام 1946 ولكن الاحداث تتوقف فيه عند اول عام ,1909 وفي صدر الكتاب وصف له (بأنه مغامرات جريئة مدهشة وقعت في نصف قرن) وهكذا يطرح الكاتب عدة تساؤلات واهم هذه التساؤلات عن الجزء الثاني الذي اشار الى انه سيصدره وهو ما لم يحدث على حد علمي واتوهم ان هذا الجزء لم يصدر ابدا فلقد بحثت باهتمام كبير عنه وهو شيء غريب لان الجزء الاول لقى رواجا كبيرا وقد يدهشك ان تعرف ان حافظ نجيب كان ايضا ناشرا ومترجما, اي انه كان سهلا عليه نشر كتاب. وبداية الكتاب لغز آخر فهو من تقديم سعدية الجبالي التي صدرت بها الكتاب ويقول في ذلك (الى ابنتي العزيزة المحترمة سعدية الجبالي..) وتظن ان مخاطبتها بالابنة هنا مجرد تودد فالاسمان مختلفان تماما لكنه يقول في نفس الاهداء: (لم انهج في تربيتك مناهج الناس فلم تسمعي مني ارشادا بصوت الأمر, ولم اقيد عقلك وسلوكك, وانما تركت لك الاستقلال التام فاصغيت لنصائحي بدافع من الرغبة, واطعت ارشادي بباعث من الثقة وحسن الظن) . وبغض النظر عن رقي هذا الاسلوب في التربية الذي يعلو عن عصره, الاشارة واضحة الى انه رباها فهل تكون ابنته فعلا او ربما كانت فتاة رباها لظروف ما واعتبرها كابنته. خاطر آخر هو ان حافظ نجيب غير اسمه في مغامراته, وفي وقت من الاوقات كان يسكن فندق ميناهاوس وقصرا في الزمالك وبيتا في حي باب الشعرية وكان له في كل واحد منها اسمه, بل اضطر ان يغير اسمه بعد ان (مات) وذلك انه ضاق بحصار الشرطة له وتحويل مغامراته الى قضية سياسية ــ وربما كانت كذلك في بعض جوانبها فقرر ان يموت ووضعوه في النعش ودفنوه ثم اخرجه اصدقاءه بعد دفنة, وقد اتخذ شكلا جديدا واسما جديدا فهل كان (الجبالي) احد اسمائه لكن يثار هنا تساؤل: لماذا لم يغير اسمها بعد ان استقرت له الامور في عام 1946 الى حد انه نشر اعترافاته وكان تغيير الاسماء سهلا في ذلك الوقت. بالاضافة الى هذا الكتاب حصلت ايضا على مطبوعات دار النشر التي انشأها وهي من روايات العصر ليس فيها ما يميزها عن غيرها, وايضا ــ وكان ذلك بشق الانفس ــ صفحات مما كانت تنشره الصحف في زمانه عن مغامراته وكيف مثلا انه يتحدى حكمدار البوليس انه سيحضر الحفلة المدعو لها الليلة رغم انه هارب ومطلوب من الشرطة ثم يحضر الحفلة متنكرا, ولكن مغامرات حافظ نجيب تحتاج الى حديث آخر.

تعليقات

تعليقات