استراحة البيان: حامل في زمن (الكمننا) ! : يكتبها اليوم- ظاعن شاهين

لو كان الصراخ هو الحل الامثل لمشاكلنا اليومية المتلاحقة لعلق اغلبنا مشاكله على شماعة الصراخ, وقال (يادار مدخلك شر) , فالصراخ هو الدواء الناجع لمشاكلنا, ولكن الصراخ ماهو الا تنفيس يلجأ اليه اكثرنا عندما يلتفت يمنة فلا يجد ملاذا, ويلتفت يسرة فلا يجد منقذا لمشكلة يفتعلها القدر ونقع فيها نحن هكذا دون حذر! وصاحبي الذي سأتحدث عنه من هؤلاء الاشخاص الذين يعدهم القدر بمفاجآته, بينما هو يلاقي تلك المفاجآت - الصرخة الاولى التي بدأها صاحبي العزيز هي يوم أن تقدم لاجراء الفحص الطبي, بعد ان اتم المرحلة الثانوية وتأهب لدخول الجامعة, فقد كان من شروط تقديم الاوراق الثبوتية للالتحاق بالجامعة ارفاق شهادة كشف طبي تثبت خلو المتقدم من اية امراض معدية, وهو اجراء متعارف عليه حتى في التقدم للوظيفة وخلافه.. وقد عقدت الدهشة والخوف والارتباك لسان صاحبي عندما تسلم شهادة الكشف الطبي, وهي تشير الى انه يعاني من داء السكري.. وجن جنونه, فثار وانتفض وتواصلت صرخته المدوية الثائرة الى حد البكاء وانهار غير مصدق لخرافة تلك الشهادة الورقية المجنونة. حاولنا ان نخفف عنه صدمته دون فائدة, وامام هذا الانهيار والعصيان العلني عن الطعام والناس, جاء من يقول له: ربما يكون هناك خطأ في التحليل, لماذا لا تقوم باعادته, وهنا نظر صاحبنا في الوجوه الملتفة حوله يحدق في تفاصيلها وصرخ ضاحكا نعم لماذا لا احاول؟! كانت تلك الصرخة بمثابة الامل الذي اعاد لصاحبنا بريقه, ولم يكذب هو صدق تلك الفرضية.. ربما, ربما يكون هذا التحليل خاطئا, فالخطأ وارد.. هكذا ردد بصوت عال امام الجميع... في صباح اليوم الجديد لتلك المعنويات العالية كان صاحبنا يقف في الطابور الطويل والمزدحم وهو يوزع الابتسامات في كل مكان, ورغم ان رائحة الادوية الكئيبة تزكم الانوف, ظل هو واقفا مفتوح الانف يتواصل مع تلك الروائح بشكل مثير, وبينما علق احد زوار العيادة على قوة تلك الرائحة قال هو: يجب ان تكيف نفسك على الاوضاع المختلفة, وردد انا هنا في حديقة واشم روائح الزهور وعليه ستجد نفسك حقا في حديقة تبث اجمل العطور! بعد ان انتهى صاحبنا من اجراء التحليل, واعطاه الموظف بطاقة المراجعة, احس بخوف شديد رغم الشجاعة وعدم المبالاة التي اظهرها سابقا, وردد هل يقف القدر في وجهي مجددا ويصر على موقفه مني.. ثم ترك مخاوفه في اروقة المستشفى وغادر عائدا الى البيت.. وفي اليوم المقرر لموعد ظهور نتيجة التحليل, كان صاحبنا مترددا وخائفا, وفي اللحظة الاخيرة قرر عدم الذهاب والرضى بما كتبه الله, فالمرض والشفاء امتحان للعبد فلماذا يهرب من تلك الحقيقة ويحاول التملص منها؟ هكذا ردد في قرارة نفسه.. وبدلا من الذهاب الى جلب نتيجة التحليل جاء صاحبنا الى معقل تجمع الشباب الدائم (مقهى خان) ... وهناك تساءل الصحاب عن النتيجة فأجاب: لا ادري ولن اذهب لاحضار نتيجة تلك الورقة اللعينة! قال احدهم اعطني بطاقة المراجعة ان كنت خائفا. رد صاحبنا لست خائفا ولكن حالتي المزاجية ليست على مايرام. رد عليه الآخر: لا عليك اعطني البطاقة وابق انت هنا مع الشباب.. وهكذا انتهت تلك الحوارية فبقي صديقنا العزيز وذهب الآخر للمستشفى, وماهي الا ساعة حتى جاء الخبر بأن صاحبنا سليم لايعاني من مرض السكري, وربما كان هناك خطأ في التحليل السابق ادى الى سوء الفهم, وبتلك الورقة الصغيرة تخلص صاحبنا من مخاوفه ووساوسه المتلاحقة. - الصرخة الثانية هي مشهد طبق الاصل للمشهد السابق, فقد ابى القدر ان يترك صاحبنا هكذا دون ان يترك لصرخته العنان لكي تدوي في الفضاء الرحب.. لقد كانت الصرخة قوية الى حدّ الزلزلة وتفاصيل الموقف كانت مثيرة.. فما ان انتهى هذا الصديق الموعود من اتمام دراسته الجامعية واطبق على الشهادة وصال وجال بحثا عن عمل حتى وجد المؤسسة الحكومية التي رحبت به وبأمثاله من حملة الشهادات الا ان القدر ظل واقفا له بالمرصاد وفي المستشفى ايضا, فقد طلبت جهة العمل شهادة لياقة صحية من صاحبنا العزيز لاستكمال ملف التعيين, فاتجه بدوره الى ذات المستشفى لاستخراج تلك الشهادة وبعد اخذ التحاليل المطلوبة اعطي بطاقة مراجعة, وفي اليوم الموعود كانت المفاجأة فقد اكتشف صاحبنا انه حامل! كيف حدث ذلك؟ لقد اعطى القدر لنفسه احداث الخطأ للمرة الثانية وفي نفس المستشفى ايضا فقد كان التحليل يخص احدى السيدات وامام ضغط العمل اختلطت الاوراق والانابيب في المختبر وما كان من الموظف الهندي الا ان اعطى صاحبنا تحليل المرأة واعطى للمرأة اوراق التحليل الخاصة به... وهكذا اصبح صاحبنا حاملا رغم انفه, وكيف لا يكون كذلك والزمن يجبره على ان يحبل بهموم الدنيا. لقد عرفنا مؤخرا ان للرجال دورة هرمونية تؤثر على حالتهم المزاجية لكنها دورة سنوية, فلماذا الدهشة ولماذا الصراخ ونحن نعيش زمن (الكمننا) !

تعليقات

تعليقات