استراحة البيان: عاشت الاسامي - يكتبها اليوم - محمد الخولي - البيان

استراحة البيان: عاشت الاسامي - يكتبها اليوم - محمد الخولي

صديقنا الكاتب والباحث الدكتور محمد عمارة كان قابعا في مكتبته الخاصة في منزله بضاحية عين شمس على مشارف القاهرة, وكان ايامها عاكفا على دراسة آثار كاتب السياسة الكبير في مطلع هذا القرن عبدالرحمن الكواكبي وخاصة في كتابية المرموقين (طبائع الاستبداد) و(أم القرى) ولعل المكتبة المنزلية كانت تموج باصوات واطياف من ذلك الماضي الجميل , كتابات اصرار العرب ضد الاستبداد العثماني, دعوات عبدالرحمن الكواكبي إلى وعي القومية العربية وتقوية اواصر الوحدة بين اقطارها وشعوبها, وبينما كان الدكتور عمارة غارقا في تأملاته, قاطعته طرقات خفيفة تعلن ان زائرا عند باب البيت جاء يطلب مقابلة الدكتور. ما اسمه؟ ـ اسمه, عبدالرحمن الكواكبي! لا نعرف بالضبط ما قاله الدكتور محمد عمارة وقتها. قال: سبحان الله, ام قال: سلام قول من رب رحيم. والذي نعرفه ان الزائر كان اسمه بالفعل هو... عبدالرحمن الكواكبي, وهو حفيد الكاتب العربي, السوري الكبير, وهو ايضا دكتور في الاقتصاد جاء على غير موعد, في زيارة تحية ومجاملة لصديقنا محمد عمارة, والذي نعرفه ايضا ان الدكتور الكواكبي هذا كان زميلا لنا في لجنة الامم المتحدة الاقتصادية (اكوا) في بيروت وكان حجة, والشهادة لله, في اقتصاديات الجمارك وانظمتها وقوانينها وخاصة في المشرق العربي أو غربي آسيا كما تعرفه ادبيات الامم المتحدة الغراء. واذا كان اسم, عبدالرحمن الكواكبي (الحفيد) , قد بعث شيئا من الرجفة في اوصال الدكتور محمد عمارة, فقد اصيب الزعيم المصري الراحل مصطفى النحاس بشىء اقرب إلى الصدمة وهو يقدم وزراءه الجدد إلى الملك فاروق في رحلة ما من عقد الاربعينات, كان النحاس باشا قد اقدم على تشكيل وزارة جديدة وكان قد تابع الاحكام التي اصدرها قاض محترم نزيه من الاسكندرية اسمه (قطب فرحات) ولهذا عزم الزعيم الوفدي على ان يضم القاضي النزيه وزيرا للعدل في وزارته الجديدة, وخلال ايام التشكيل هتف النحاس لاعوانه قائلا: ابحثوا عن قاضي الاسكندرية وهاتوه وزيرا للعدل. ما اسمه يا رفعة الباشا. اسمه فرحات.. نعم فرحات. وانطلق المعاونون يبحثون عن قاض محترم اسمه فرحات ولم تسعف ذاكرة النحاس باشا بالافادة عن الاسم الاول لمرشح الوزارة المحظوظ. وبعد لأي وجهد جهيد عثروا على بغيتهم ــ قاض اسكندري اسمه فرحات.. وابلغوه بالخبر السعيد ومن فوره جهز المرشح الوزاري بدلة التشريفة الفخمة الموشاة بالقصب المذهب وتوجه في اليوم الموعود الى قصر عابدين ضمن الفريق الوزاري.. وعندما قدموه الى النحاس باشا قالوا له: ــ السيد مرسي فرحات. ــ لا ... ليس هو المقصود... كلامي كان عن قطب فرحات... ولم يفلح احد في الخروج من هذا المطب الوزاري الطريف.. وكأنما عز على القوم ان يحرجوا مرشحا محترما جاءته الوزارة منقاده تجرجر اذيالها.. وهكذا دخل مرسي باشا فرحات سلك الوزارة واصبح عضوا مستديما في نادي الوزراء. وبمناسبة اسماء الوزراء, فقد سألت يوما الفنانة التشكيلية القديرة انجي افلاطون عن اصل نسبتها الى الفيلسوف الاغريقي القديم.. وكان ان صححت لنا معرفتنا بتاريخ مصر في القرن التاسع عشر, وقد كنا نتصور ــ واهمين طبعا ــ اننا على دراية بتفاصيله وحوادثه وابرز شخوصه, قالت انها حفيدة حسن باشا افلاطون وان افلاطون باشا كان من رواد العسكرية المصرية ممن شاركوا في انشاء الجيش وبناء الاسطول الذي تحدى بهما محمد علي الكبير وابنه البطل ابراهيم السلطنة العثمانية بجلالة قدرها. وعندما عاودنا النظر ــ متواضعين هذه المرة ـ في حوليات القرن التاسع عشر, وجدنا ان حسن باشا افلاطون قد اصبح وزيرا للحربية (ناظرا لها على مصطلح تلك الايام, ضمن التشكيل الوزاري الذي امر به الخديوي اسماعيل وترأسه ابنه توفيق باشا وصدر به المرسوم الخديوي في 22 مارس من عام 1879. واذا كان هناك سياسي مصري حمل لقب افلاطون فان القاهرة شهدت عند منتصف القرن نجما من نجومها يحمل اسم استاذ افلاطون شخصيا. وهو الفيلسوف سقراط مع فارق بالغ التميز وهو ان سقراط القاهري ـ كان يومها اشهر كوافير ــ حلاق سيدات في مصر.. وهو ماكان يميزه ويعلي شأنه ويزيد ثروته, فاين هذا المجد والثروة من نظيره المتفلسف الاغريقي الذي كان يعلم الناس الفلسفة في حواري اثينا لايكاد يتقاضى عن ذلك كله سوى بضع دراخمات لا تغني ولا تسمن من جوع. ـ تعال اذن الى ثالث الفلاسفة الكبار من بلاد الاغريق ــ ارسطو.. لقد كان فقيرا. ـ وهل رأيت يوما فيلسوفا او مفكرا على خلاف ذلك؟, لكن يبدو ان الاقدار شاءت في القرن العشرين ان تنصف اسماء هؤلاء الفلاسفة العظام والفقراء ايضا ــ فقد شهدنا الملياردير ــ اليوناني كذلك أوناسيس, صاحب العمارات البحرية الفاخرة تمخر محيطات الدنيا وترفع اعلاما من الشرق والغرب, وتحمل الاسم الثلاثي الكامل لصاحبنا اوناسيس وهو حسب شهادة الميلاد ارسطو ــ سقراط ــ اوناسيس وكم في الاسماء من غرائب وحظوظ: تقرأ في قاموس الاعلام (للزركلي) عن ترجمة رجل الاصلاح الديني في اندونيسيا واسمه السيد حسن باندونج نسبة الى المدينة الشهيرة من اعمال اندونيسيا التي شهدت انعقاد اول مؤتمر للحياد الايجالي وهو الاب الشرعي لحركة عدم الانحياز وقد انعقد المؤتمر عام 1955 واليه جاء من الصين شوين لاي, وجاء من الهند جواهر لال نهرو الذي نظر الى الرئيس الشاب الذي جاء وقتها ممثلا للعرب وقال: ـ هذا الشاب يريد ان يتعلم وماكان الشاب سوى جمال عبد الناصر. وتعال.. اخيرا الى حكاية الجسر او القنطرة التي انشأها في القاهرة مهندس الحملة الفرنسية على عهد نابليون واسمه (كافاريللي) راح المهندس الفرنسي وراحت ايامه وبقيت من قنطرته القديمة لافتة, مجرد لافتة تحمل عبارة: قنطرة كافاريللي التي مالبثت العامة ان حولتها الى عبارة قنطرة اللي كفر ولا يدري الناس من هو العبقري اللوذعي من مصلحة التنظيم او البلدية التي عزّ عليه هذا الاستخدام للعامية في لافتات شوارع الحكومة السنية (بفتح السين) .. هنالك توكل العبقري اياه على الحي الذي لا يموت وصحح الاسم ليصبح كالتالي (قنطرة الذي كفر) وكانت امثولة تضاحكت لها مجالس القاهرة وبعدها ابدع مثقف اصيل اسمه الدكتور مصطفى مشرفة رواية جميلة استخدم فيها عنوان (قنطرة الذي كفر) وكان بطلها مثقفا انتهازيا اسمه السيد.. (قنطرة) عاشت الاسامي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات