انتاجها يغطي 80% من الطلب العالمي على الافلام:هوليوود مدينة السينما والاساطير والعواصف ليس الانتاج الضخم هو الرابح دائما

كثر الحديث في الآونة الاخيرة عن ازمة تتعرض لها امبراطورية الصناعة السينمائية الاولى في العالم: هوليوود, والحديث يدور ليس فقط عن ازمة فنية تتجلى في لجوء هوليوود الى المؤثرات الخاصة بالنجومية لانجاح افلامها, و انما ايضا عن ازمة مالية تواجهها هوليوود بسبب تضخم الكلفة وانخفاض الربح. وفي هوليوود اكثر من غيرها يتداخل الفني بالمالي حتى يصعب الفصل بينهما, فصناعة السينما فيها كانت حتى وقت قصير من اكثر الاعمال ادرارا للربح في العالم. وفي الوقت ذاته, قدمت هوليوود افلاما ذات سوية فنية عالية تصعب مضاهاتها, بغض النظر عن الموقف من طرح هذه الافلام. واما في الآونة الاخيرة, فكثرت الانتقادات الموجهة لهوليوود بسبب ميلها للتكرار ومبالغتها في اعتماد الاثارة والعجائبية, على حساب النص والشخصيات. ومن الناحية المالية فرغم المبالغ الهائلة التي تضعها هوليوود في نتاجاتها الضخمة, والدخل الكبير الذي تعود به هذه الافلام, الا ان معدلات الربح تبقى دون المستوى المطلوب وتصل الى ادنى مستوياتها منذ ثلاثين عاما. فما الذي طرأ على هذه الامبراطورية المزدهرة ليجعلها عرضة للاقاويل حول الازمات؟ وهل بدأت هوليوود تشهد مصير الانهيار الحتمي الذي آلت اليه كافة الامبراطوريات العظمى في العالم؟ يبدو للوهلة الاولى ان لازمة هوليوود سببا موضوعيا, تعاني منه صناعة السينما في العالم عموما, وهو مرتبط بالتقنيات الحديثة التي تقدم وسائل جديدة للتسلية آخرها الانترنت, فقد سرقت شاشات الكمبيوتر المزيد من جمهور الشاشة الكبيرة وجعلته اسيرا لعالمها الغني بالمعلومات اللامتناهية, ولكن هوليوود التي عايشت ظهور التلفزيون وجهاز الفيديو من بعده, واستطاعت التأقلم معهما, بل والاستفادة منهما, لن تهزها تقنية جديدة مثل الانترنت, بالرغم من اختلافها وحداثتها, والمعروف عن هوليوود قدرتها العجيبة على احتضان الجديد وتسخيره لمصالحها. وهي اليوم بعد ان امتصت ازمة التلفزيون والفيديو, اصبحت تعتمد عليهما لجني ارباح اضافية من آفلامها فاذا كان المعدل الاجمالي لدخل الفيلم الهوليوودي العادي اليوم هو 200 مليون دولار, فان ثلاثة ارباع هذا المبلغ تأتي من خلال الفيديو والتلفزيون. اذا التقنيات الجديدة بحد ذاتها لاتشكل خطرا بالنسبة لهوليوود, ولكنها تتحول الى عائق في حال ارتباطها بعوامل منافسة اخرى. فتلفزيون الديجيتال على سبيل المثال, اخذ يقلق هوليوود لانه اصبح يوفر لمنافسيها من المنتجين الاوروبيين وسيلة قليلة الكلفة لتوزيع منتجاتهم, وهوليوود التي احتكرت سوق التوزيع لمدة طويلة تبدو اليوم مضطرة الى فك قبضتها الحديدية عن هذه السوق, خاصة مع الازدهار الذي تشهده بلدان عدة في العالم في مجال الانتاج السينمائى, منها بلدان كانت تعتبرها هوليوود من اغنى اسواقها, مثل بريطانيا واستراليا, وجاء هذا الازدهار ليعيد بوادر الحياة للسينما الاوروبية التي صارت تتلقى الدعم من حكوماتها بعد ان كانت على وشك الاحتضار بسبب احتكارات التوزيع. ويزداد الامر خطورة بالنسبة لهوليوود عندما تترافق المنافسة الخارجية مع اخرى داخلية تشكلها ما يسمى (بالاستوديوهات المستقلة) , وهي شركات الانتاج السينمائي الخارجة عن اطار الاستديوهات الكبرى في هوليوود, وتعتمد هذه الاستديوهات اسلوبا مناقضا تماما لاسلوب هوليوود في الانتاج وجني الربح. فبدلا من الانتاج الضخم والتكاليف الباهظة للنجوم التي مازالت تصر عليهما هوليوود تميل الاستديوهات المستقلة الى الانتاج الصغير قليل التكلفة الذي يعتمد على المواهب الشابة البعيدة عن اضواء نجوم هوليوود البراقة ومؤسساتها العتيدة. وقد اثبت هؤلاء الشبان ان جني الربح لا يتطلب بالضرورة انتاجا ضخما, فقدموا افلاما متواضعة الانتاج نجحت في الجمع بين السوية الفنية العالية ونسب الربح المرتفعة. ففيما تجاوزت تكلفة الفيلم الهوليوودي (التيتانيك) الذي يتناول ربما للمرة العاشرة قصة غرق السفينة الشهيرة, 200 مليون دولار, لم تتجاوز كلفة فيلم الانتاج المستقل (اربع زيجات وجنازة) الخمسة ملايين دولار, بالرغم من انه يحصد -25 مليون دولار من شباك التذاكر في هذا العام, هذا عدا النجاح الكبير الذي لقيه الفيلم في كافة انحاء العالم. اما فيلم (المريض الانجليزي) الذي حاز على جوائز اوسكار عديدة فلم تتجاوز كلفته 31 مليون دولار. وكان لهذه التكاليف ان ترتفع بنسبة عشرة ملايين دولار اضافية لو ان منتج الفيلم خضع لشروط شركة (فوكس) وهي احدى شركات هوليوود الكبرى, التي عرض عليها انتاج الفيلم في البداية, فاصرت على ان تلعب النجمة (ديمي مور) الدور الرئيسي فيه, بالرغم من الشكوك الكثيرة التي احاطت امكانية مور الفنية في انجاح الفيلم, الامر الذي اضطر المخرج للبحث عن مصادر اخرى للتمويل وجدها في البنك الاتحادي في كاليفورنيا. هذه الامثلة تشير الى ان ازمة هوليوود ليست خارجية, بل هي نابعة من هوليوود ذاتها, اذ انها وقعت في السنوات الاخيرة اسيرة لاعتقادها بان الانتاج الضخم بكل شروطه, هو الضمان الوحيد لنجاح الفيلم وجني الربح, وهذا الاعتقاد في هوليوود ادى الى ارتفاع كلفة انتاج الفيلم الواحد بنسبة 6.5 بالمائة خلال الفترة ما بين 1995 و 1996 لتصل الى مايزيد عن 39.8 مليون دولار. كما وارتفعت في هذه الفترة كلفة التسويق والدعاية بنسبة 8.7 بالمائة لتصل الى 19.8 مليون دولار للفيلم الواحد. وبذلك وصل معدل الكلفة الاجمالية للفيلم في نهاية العام 1996 الى 60 مليون دولار, وتستمر هذه الارقام بالارتفاع اذ تنتج هوليوود في هذا العام عشرة افلام على الاقل بكلفة لا تقل عن 100 مليون دولار للفيلم الواحد. هذه المبالغ الهائلة تذهب بالدرجة الاولى لتغطية اجور النجوم الذين تعتمد عليهم هوليوود في جذب الجماهير الى شباك التذاكر. وتتراوح اجرة النجم اللامع في هوليوود اليوم بين 12 و 20 مليون دولار. وترتفع اجور بعض الاسماء الكبرى, مثل (ارنولد شوارزينجر) و (ديمي مور) لتقارب الدخل القومي للدول الصغرى في العالم. فقد حصل (شوارزينجر) على مبلغ 25 مليون دولار لقاء الخمس والعشرين دقيقة التي لعبها في الفيلم المرتقب (باتمان وروبين) هذا عدا عن حصته من ارباح الفيلم. ولا تقل كلفة نجوم الشاشة عن كلفة زملائهم من نجوم (ماوراء الشاشة) فثلاثة ملايين دولار هو الحد الادنى الذي يحصل عليه كاتب السيناريو المعروف, فيما يحصل اقل المخرجين موهبة على مالا يقل عن مليوني دولار, ولا نستثني من هذه الارقام كلفة العاملين الفنيين اذ يبلغ الدخل السنوي لعامل الكهرباء 200 الف دولار. ولابد للنجومية, كمصدر للربح, من ان تدعم بالاعلام, لقد اصبحت هوليوود تنفق مبالغ طائلة , تصل الى 20 مليون دولار للفيلم الواحد, لتغطية الحملات الاعلامية الضخمة التي تسبق عروض الافتتاح. كما ان طابع هذه العروض قد تغير هو الآخر, وارتفعت كلفته, فاذا كان عرض الافتتاح في الماضي يقتصر على صالات العرض في المناطق الرئيسية من البلاد, وينتشر الى غيرها من المناطق في حال نجاحه, فان عرض الافتتاح اليوم يتم في 2000 صالة مرة واحدة, مما يتطلب نفقات اضافية لنسخ الفيلم والمواد الاعلانية التي ترافقه, ذلك ان نجاح الفيلم لم يعد يعتمد على تلقي الجمهور الآني, بقدر مايعتمد على غسل الدماغ الذي يسبق عملية التلقي هذه. والسؤال الذي يطرح نفسه امام هذه الارقام الكبيرة وامام تدني نسب الربح الذي يقابلها: لماذا تصر هوليوود على مبدأ الانتاج الضخم خاصة في ظل نجاح التجارب الاخرى؟ والجواب معقد بقدر تعقيد هذه المؤسسة الضخمة التي أسست لتعمل بطريقة يصعب تغييرها. فهوليوود التي اعتمدت دائما مبدأ ارضاء الذوق العام وتوخي الحذر من كل ما من شأنه اثارة سخط ولو فئة صغيرة من الجمهور, بدأت اليوم تفقد ثقتها في قدرتها على تقييم ذوق هذا الجمهور والتحكم به. فمع انتشار قنوات التلفزيون وتنوعها وقدرتها على التخصص في مخاطبة اذواق الجمهور المختلفة, ومع نمو الانتاج المحلي (الوطني) الذي يتوجه للجماهير المحلية بلغتهم الخاصة, واخيرا مع ظهور اساليب ومصادر جديدة للتسلية, اصبح من الصعب على هوليوود تحقيق شرط ارضاء الجمهور العام. وبما انها مؤسسة قائمة على الانتاج الضخم والربح, فانها لا تحتمل المجازفة بجمهورها, لذلك هي تملك هامشا ضيقا جدا للتجريب, ولا تستطيع منح صلاحيات كبيرة لمخرجين موهوبين خارج اطار النجوم المعروفين, لانهم قد يتجاوزون الحدود المطلوبة لضمان ارضاء الجمهور العام. وهوليوود تدرك ازمتها وتبحث عن مخارج لها, ولكن كل هذا يجري ضمن منطق الانتاج الضخم ذاته, الامر الذي يجعلها تخرج من مأزق لتقع بآخر قد يكون اكثر منه تعقيدا. ولعل احد هذه المخارج هو اللجوء الى الافلام ذات الطابع الغرائبي المدعمة بالمؤثرات الخاصة, على نمط فيلم المخرج الشهير سبيلبرج (حديقة الديناصورات) ولعل هذا الفيلم بجزأيه الاول والثاني (العالم الضائع) هو نموذج مثالي يعكس نمط التفكير السائد في هوليوود اليوم. فبمجرد نجاح تجربة الجزء الاول من هذا الفيلم والتي لم تحمل الكثير من المجازفة اذ انها قامت اولا على اسم سبيلبرج الكبير ونجوميته, ثم على نص يعتمد الاثارة في الطرح والعجائبية في تناول الشخصيات . كل هذه العناصر شكلت ضمانات لاجدل حول قدرتها على جذب الجمهور. اضف الى ذلك ان (المخلوقات الغريبة) التي يقدمها هذا النمط من الافلام تشكل مصدرا اضافيا للربح, اذ انها سرعان ما تتحول الى دمى وشخصيات جديدة لالعاب الكمبيوتر وغيرها من السلع التي تلاقي طلبا كبيرا لدى المستهلك. وبمجرد نجاح هذه التجربة سارعت هوليوود, التي لاتحبذ المجازفة, الى تكرارها ليس فقط في الجزء الثاني من الفيلم ذاته الذي لا يختلف كثيرا عن الاول اللهم الا بكمية المؤثرات الخاصة المستخدمة, وانما ايضا في مجموعة من الافلام الاخرى التي تقوم جميعها على مخلوقات غريبة وكوارث: سفن فضائية (يوم الاستقلال) , براكين متفجرة (البركان) وسفن غارقة (التايتانيك) صحيح ان هذا النمط من الافلام يجنب هوليوود مأزق الاعتماد الكلي على الممثل النجم, الا انه يوقعها بمأزق آخر هو الاعتماد على المؤثرات الخاصة والديكورات الضخمة ذات التكلفة الكبيرة. الاسلوب الآخر الذي اخذت تلجأ اليه الاستديوهات الكبرى في هوليوود للتحايل على المشاكل التي تواجهها والتخفيف من العواقب في حال خسارة الفيلم , هو الانتاج المشترك فيما بينها, ففيلم (التايتانيك) هو انتاج مشترك بين شركتي (فوكس) و (باراماونت) الشهيرتين. وقد تبتكر هوليوود اساليب جديدة للخروج من ازمتها, الا انها تبقى بعيدة عن احتمال تغيير منطق الانتاج الضخم. ففكرة تقليص الانتاج سواء من ناحية الكم او التكلفة لا تراود الا القليلين في هوليوود, فقد اعلنت اربعة من الاستديوهات الرئيسية في هوليوود عن رغبتها في تقليص انتاجها بنسبة 10بالمائة, وهؤلاء ايضا يبدون غير قادرين على ترجمة نواياهم الى افعال ملموسة بوجود الكم الهائل من الكتاب والفنيين الذين يعملون لحسابهم ويعتمدون في اجورهم على عائدات الافلام المنتجة. وبالرغم من كل ماورد عن الصعوبات التي تواجهها هوليوود, يعتقد البعض بان لدى هذه الامبراطورية الكثير من عوامل القوة الكفيلة باخراجها من ازمتها الحالية, كما سبق واخرجتها من محن عديدة واجهتها خلال تاريخها الطويل, فلا ننسى ان هوليوود مازالت تغطي 80 بالمائة من الطلب العالمي على الافلام السينمائية, بالاضافة الى 70 بالمائة من الافلام الروائية التلفزيونية, كما ومازالت اسواق الخارج تعود على هوليوود بخمسين بالمائة من مجمل دخلها, ويأتي انتشار الثقافة الامريكية واللغة الانجليزية في العالم كله كعامل اضافي لصالح هوليوود. اضف الى ذلك ان هوليوود تدرك بان سوق الافلام آخذ في النمو في العالم وذلك مع ارتفاع مستوى المعيشة وازدياد ساعات الفراغ وانتشار اجهزة التلفزيون, الظاهرة التي ستترافق بالضرورة مع ارتفاع في الطلب على الافلام. وما يؤكد ذلك ازدياد عدد الساعات التي يقضيها المتفرج الامريكي امام شاشات العرض, سواء السينمائية او التلفزيونية, نسبة الى نظيره في اوروبا الذي يقضي بدوره وقتا اكثر من المتفرج في الدول النامية. وبالرغم من اندفاع المتلقي الاوروبي نحو الافلام المنتجة محليا, واندفاع متلقي الدول النامية للافلام الناطقة بلغته, الا ان افلام هوليوود مازالت تشكل البديل الاول بالنسبة لهذا وذاك, ولعل اكبر دليل على ذلك ان محطات الديجيتال, التي بدأت تهيىء لاقناع جمهور المستقبل بشراء اجهزتها باهظة الثمن, اخذت تلجأ الى الرياضة اولا وافلام هوليوود ثانيا. اما بالنسبة للاستديوهات المستقلة, فان هوليوود, بالرغم من ادراكها لخطورة طرحها الجديد, مازالت تعول على ان العديد من هذه الاستديوهات يعتمد في تمويله وتوزيعه على استديوهات هوليوود الكبرى. فشركة (ميراميكس) التي انتجت (المريض الانجليزي) الذي يعتبر نموذجا لنجاح الانتاج (المستقل) هي ملك لشركة ديزني الشهيرة, وشركة (فاين لاين) التي انتجت فيلم (شاين) تنتمي الى (ورنر براذارز) . كل هذه العوامل تمنح هوليوود بعض الثقة, تجعل البعض يعتقد بانها ستتمكن ليس فقط من تجاوز محنها الحالية, بل ومن الاستمرار في السيطرة على عالم التسلية لوقت طويل, وربما الى الابد. لاشك بانه لا يجوز الاستهانة بقوة هوليوود وقدرتها الازلية على التكيف, ولكن المؤكد ايضا ان ايام السيطرة المطلقة قد ولت, فلم تعد قبضة هوليوود محكمة على الانتاجات القومية المحلية التي اصبحت قادرة على الوصول الى الجمهور وجني الربح بل والحصول على جوائز الاوسكار من وقت لآخر. كما ان وجود الاستديوهات المستقلة, بمنطقها الجديد المنافس للمنطق الهوليوودي السائد, اصبح هو الآخر حقيقة لا يمكن تجاهلها. ويبقى كل هذا مفيدا بالنسبة للسينما, سواء كفن او كصناعة, فانكسار سلطة هوليوود المطلقة واضطرارها الى التعايش مع ما يحيط بها من مستجدات وظهور منافسين لها, بغض النظر عن مدى قوتهم, كل هذا يفسح المجال امام التنوع في اساليب الانتاج والطرح الفني, الامر الذي سيؤدي في نهاية المطاف الى اغناء عالم السينما. شوارزينجر في آخر افلامه دمشق : ليلى حوراني

تعليقات

تعليقات