اعدام صحيفة يومية: محفوظ عبد الرحمن

اعتقد ان اصعب سؤال يوجهه شخص يعمل في صحيفة يومية الى نفسه هو: ماذا يعمل القارىء بالصحيفة اليومية بعد قراءتها؟ وكلنا هذا القارىء , وانا على سبيل المثال اقرأ كل يوم ست جرائد يومية, هذا طبعا غير الجرائد الاسبوعية والمجلات, وبالطبع يمثل لي هذا ارتباكا شديدا, ليس فقط في قضية الوقت, بل ايضا في كيفية التعامل مع كل هذه الاوراق, وبالطبع انا غير قادر على الاحتفاظ بها, فهذا يحتاج الى مكان أكبر باضعاف من المكان الذي اعيش فيه, ويكفيني المكتبة التي تفجرت فاضطررت ان اشتري لها شقة خاصة, ولقد فكرت في ان اقص من الجرائد ما يهمني, ولكن وجدت ان هذا يحتاج الى وقت طويل وربما الى جهاز من العاملين مما لاطاقة لي به, ولا مفر في النهاية من اعدام الصحف بعد قراءتها, وهو شيء قاس جدا على النفوس, وفي هذا امارس شكلا من اشكال (النفاق) الساذج, فانا اضع الصحف بعد قراءتها في مكان امين, واهل البيت يأخذونها من هذا المكان الامين حيث يتم (اعدامها) بطرق لا اعلم عنها شيئا, ولكن الخيال يستطيع ان يصل في هذا الى تصورات موجعة احيانا. وفي فترة الصبا تعرفنا على شاب اسمه صبري عبد المنعم وبالطبع هو غير الممثل المعروف وغير الدكتور صبري عبد المنعم استاذ الديكور, وكانت لصديقنا صبري هذا هواية بدت لنا في سن الصبا غاية في الغرابة وهي انه يجمع اعداد صحيفة يومية بعد قراءتها منذ يوم 23 يوليو 1952 وراهنا انه لن يستطيع الاستمرار, لكنه استمر حتى ضاق بيته, وربما كان هذا هو السبب في انه لم يتزوج, وربما كان يعرف ما تقوله زوجات الصحفيين الان, اما انا او الصحيفة. ورغم ان فكرة جمع اعداد صحيفة يومية تبدو مبهرة, او ربما مبالغ فيها, الا انني طالما تساءلت لما يفعل صاحبنا هذا, فلم اجد اجابة شافية, فلم يكن مهتما بالسياسة ولا بالثقافة, ولا بالرياضة, وبعد اكتشفنا ان له اهتماما كبيرا بالشطرنج, ولكن ما ابعد هذا عن ذاك. وسألت صبري عبد المنعم هذا ذات مرة متى يتوقف, فنظر الي بدهشة, وكأن السؤال لم يخطر على باله ابدا, فلما الححنا عليه بالسؤال قال بعض منا ربما بعد خمسين عاما من بدء تجميع الاعداد, وقال صديق لنا, ان صبري سيموت عام 2002 ففي هذا العام ينتهي من جمع اعداد الصحيفة وصدقنا النبوءة حتى اننا نصحناه الا يتوقف. وفي يوليو 1992 كنت مسافرا, فلما عدت استقبلني الاصدقاء بخبر وفاة صديقنا القديم صبري, وان ذلك يحدث في 24 يوليو 1992 ياربي اي انه يحدث بعد اربعين عاما بالضبط من بدء هوايته الغريبة, وقبل عشرة اعوام باليوم من النبوءة هل يمكن ان تصل الصدفة الى هذا الحد. ولكن مع مضي الوقت اكتشفت ان صديق الصبا صبري عبد المنعم مات يوم 17 يوليو 1992 ولكن اصدقاءنا احبوا ان يكون قد مات في 23 يوليو, بل انهم اكملوا مجموعته الصحفية حتى هذا التاريخ وامتلأت شقته الصغيرة باكثر من 14 الف نسخة من جريدة يومية. لقد انزلق اصدقائي الى الاسطورة التي يحب الانسان صياغتها. وباضافة بضعة ايام الى حياة شخص مجهول صنعنا اسطورة يحكونها للناس, ويستمتعون بصيحات الدهشة. واظن ان اصدقائي سيصدقون بعد قليل الاسطورة التي صنعوها, فالانسان محب للاساطير, وما يضايقني ان يكتب احدهم عن الماضي قائلا عنه عصر الاساطير, فانا ارى الاسطورة في العصر الحديث اكثر انتشارا ودخولا الى حياتنا, حتى لا اعرف احيانا اذا كنا نعيش حياة حقيقية ام نسبح في خيالنا, ولقد قامت احدى دور النشر بنشاط مذهل اذ اعادت طبع بضعة اعداد من صحف قديمة. وبين هذه الاعداد جريدة (المصري) الصادرة في 23 يوليو 1952 والغريب ان الناس تزاحموا على هذه الاعداد, ولم يلفت نظرهم ان دار النشر تبيع النسخة بخمسين ضعفا من سعرها القديم! فلقد كانت النسخة في ايامها تساوي قرش صاغ. ومن الاساطير التي يعيش فيها البعض ان اسماء القائمين على الحركة ولم تكن قد سميت ثورة بعد, لم تصلني الا بعد شهور ولكن ها هو الخبر منشور الى جوار صورة كبيرة لاعضاء هيئة القيادة, ومجرد تأمل هذه الصورة يثير كثيرا من التأمل. فها هو اسم البكباشي اركان حرب جمال عبد الناصر ويكاد يكون متواريا في الصورة بين الصاغ كمال الدين حسين والبكباشي زكريا محيي الدين, وبالطبع ينقص الصورة بعض من تعرف انهم كانوا في هيئة القيادة, ولكن في الصورة الصاغ جمال حماد, وهو الان مؤرخ للثورة, ولم يترك خطأ لم ينسبه اليها, هل كان من الممكن ان يفكر احد في هذا الوقت ان جمال حماد وسينقلب هذا المنقلب, ولم يكن جمال حماد وحده في هذا ولو ان كاتبا روائيا تابع هذه الشخصيات جميعا, سواء كانت في الصورة, او خارج الصورة, فلا شك انه سيخرج باحداث يصعب تصديقها, وقديما قالوا: ان الصورة يفكر فيها المفكرون, ويقوم بها الابطال ويكسبها الجبناء وما احكمها كلمات. ومن الواضح ان جريدة (المصري) كانت تميل الى (الحركة) وكان رئىس تحريرها احمد ابو الفتح من انصارها فيما بعد, ثم امضى بقية حياته في الهجوم عليها, حتى آخر نفس في حياته. وليس الممتع فقط ان تقرأ اخبار حادث اثر في المنطقة كلها, ان لم يكن في تاريخ القرن وهو طازج, بل اكثر امتاعا ان تتعرف على العصر الذي قام فيه الحدث. ففي هذا اليوم كانت تعرض احدى دور السينما فيلم (ماكانش على البال) بطولة راقية ابراهيم وكمال الشناوي وايضا فيلم (الباحثون عن الذهب) بطولة جلين فور, ولا اتوقع ان يعرفه شباب اليوم, ولكنه كان احد نجومنا المفضلين, فكان يضرب مائة ويقبل ريتا هيوارث فاتنة عصرها, والتي ماتت وهي مريضة بالزهاينر لا تفرق بين خادمتها وابنتها, واحدى دور السينما في الاسكندرية كانت تعرض الفيلم الشهير (سيف مونت كريستو) . والمسرح القومي وهو طبعا ليس مسرحا قوميا, كان يعلن في الاسكندرية عن المطربة ذات الصيت الساحر مديحة عبد الحليم ورغم اهتمامي بتاريخ الفن الا انني اشهد انني لم اسمعها ولم اسمع عنها, رغم ان اسمها مكتوب قبل اسماعيل ياسين. ومن الاعلانات التي تثير التساؤل اعلان عن جريدة اسمها (الفداء) ايضا لم نقرأها ولم نسمع عنها, وفي الاعلان انها تصدر بعد ان اوقفتها الحكومة شهرين, وعلى رأس اسماء كتابها مكرم عبيد باشا, ولما كنا نعرف ان جريدة (المصري) وفدية وان مكرم عبيد كان منشقا عن الوفد هو شيء يثير الدهشة. وعامة كانت جريدة (المصري) جريدة ليبرالية وحدث عددا من الاتجاهات وكان من كتابها عبد الرحمن الخميس رومانسيا ثم يساريا وكان من كتابها زكريا الحجاوي واذكر انه في مقال واحد عرف بشعراء السودان الذين كانوا يعيشون في القاهرة آنئذ: محمد الفيتوري وتاج السر الحسن, وجيلي عبد الرحمن, وكان من كتاب (المصري) ايضا عبد الرحمن الشرقاوي الى جانب عبد المنعم الصاوي, اي ان الاتجاهات كلها كان موجودة ولذلك فلهذه الجريدة رصيد كبير في نفوس الاجيال التي عاصرتها. ورغم طبيعتها او بسبب هذه الطبيعة المنفتحة على الآراء المختلفة اصطدمت (الجريدة) بالقائمين على ثورة يوليو, خاصة انها في النهاية كانت جريدة حزبية, وان كانت مثالية في ذلك, فلم تكن معبرة بجلافة عن الوفد,تعبر عنه بذكاء شديد كما كانت تعطي فرصة للطليعة بل كانت الوفدية وهي جماعة من الشباب آنئذ كانت أقرب الى اليسار والى الارتباط بالاتجاهات الاخرى, وكان من اشهر زعمائها الدكتور محمد مندور عميد النقد الادبي والسياسي وعزيز فهمي احد كبار اثرياء عصره, وقد مات في حادث ابكى البلاد, وابراهيم طلعت الذي عاش حتى دخل السجن في اعتقالات سبتمبر الشهيرة في نهاية عصر السادات. ولم تحتمل الثورة الجديدة جريدة (المصري) رغم تاريخها العظيم, ومواقفها المشرفة, ووصل الصدام الى مداه, فاغلقت الجريدة. وكان لي حظ ان احضر اللحظات الاخيرة في عمر الجريدة, فلقد اخبرني الدكتور يوسف ادريس وكان آنئذ مازال كاتبا ناشئا, ان الليلة تغلق صحيفة (المصري) ابوابها, فسارعنا بعد منتصف الليل لنرى الجريدة تطفىء انوارها شيئآ فشيئا كأنها تدار بيد مخرج مسرحي بارع, واختفت الانوار نهائيا, ولم يبق سوى اضاءة الشارع التي بدت غليظة وقبيحة, وتسمر المتفرجون القلائل لهذا العرض المسرحي التراجيدي وانخرطنا جميعا في بكاء عميق. لن اقول إنني لن انسى ابدا هذه اللحظات, للاسف نسيتها, فذاكرتي تحذف مالا تحب ولكن بقي في وجداني هذا الالم الهائل لجريدة تموت! ومع ذلك لم تمت (المصري) فعندما طبع عدد من اعدادها اقبل الناس على شرائه في جنون, وبالتأكيد كان في هؤلاء الذين يحبون (المصري) ويحنون الى ايامها ويذكرون دورها المجيد في الثقافة والسياسة, وايضا الذين يريدون التعرف على تاريخ ثورة يوليو, ويريدون الاحتفاظ به. ومثلهم وضعت العدد الذي اشتريته بين اوراقي, ولكن اهل البيت رأوا فيها مجرد جريدة فانتزعوها من مكانها واعدموها, وهكذا اعدمت جريدة (المصري) مرتين!.

تعليقات

تعليقات