استراحة البيان : قصص وأحلام برسم البيع :يكتبها اليوم : ظاعن شاهين

من يرى ويشاهد أفلام الخيال العلمي, ويقرأ عن نبوءات وتوقعات تحولت لحقائق ملموسة بعد أن خطها الخيال وتشربتها العقلية الإنسانية يتأكد أن ما نحلم به وما نعتقد أنه من ضروب المستحيلات ربما هو في واقع الأمر مجرد أمر بسيط ويسير ومقدور عليه بفضل الثورة العلمية التي بدأت تنسج وجهها من جديد.. لقد كنت ومنذ الستينات من الذين تستهويهم قصص الخيال العلمي إذ كنت أعكف على التهام كل ما يقع تحت نظري من تلك القصص العلمية المثيرة, وكانت مجلة العربي الكويتية أحد المصادر المهمة لنشر مثل هذا الخيال المتواصل, فقد دربت تلك القصص أبناء جيلي بما تحويه من إثارة ملكة التخيل والاستنتاج والمراجعة والفهم والاستيعاب لزمن آخر انتظرناه بتوجس وريبة, فكان ما كان.. فقد جاء الزمن سريعاً يحمل بين ابطيه عصا الساحر وحقيبة الحاوي.. زمن لم يمهلنا التفكير في معتقداته وأفكاره أو يتركنا نقرأه بصورة أكثر وعياً وفهماً. لقد جاء مسرعاً كي لا يفكر أغلبنا أو يسأل فيما يصعب عليه, خاصة وأن الذاكرة لا تزال في طور التخيل, تأخذها رياح التغيير إلى زمن متبخر كالبترول, لا ملامح له ولا تفاصيل تجعله مميزاً وخاصاً.. ومثلما كان التلفزيون الأبيض والأسود مثيراً في أول ظهور له هنا بعد المذياع والسيارة والسينما, كان للكهرباء وقع آخر, فقد كانت تلك هي المرحلة الانتقالية لزمن نحلم به, إنه زمن الكهرباء, زمن يفتح ذراعيه باتساع السماء ليحملنا إليه ويركض بنا مسرعاً دون توقف, فنكتشف أنفسنا من جديد ونكتشف الآخرين كذلك, انها عوالم أخرى تشبهنا كثيراً وتختلف عنا كثيراً أيضاً.. وبعيداً عن الحقائق نعود من جديد لقصص الخيال العلمي, تلك القصص التي تنبأت بوصول الإنسان إلى سطح القمر واكتشافه لعوالم أخرى وأناس آخرين لا يشبهون البشر, فتحققت بعضها وما زال البعض الآخر بعيداً عن التحقق, فالعلماء يحاولون أن يواكبوا خيالات كتاب القصص العلمية الذين يستشرفون أراضي بكراً في العلم والواقع ويتمنون لو أن الإنسان بما يملكه من عقل وبصيرة يستطيع تحقيق جزء من تلك القصص المثيرة.. والواقع أن قصص الخيال قديمة حاكاها التراث الأممي لكنها أصبحت فناً وأدباً ومنهجاً بظهور الثورة الصناعية وازدهار الثورة العلمية والتكنولوجية.. والواقع العربي والإسلامي لديه الكثير من هذا الفن القصصي الذي ابتدعه الخيال العربي من خلال التراث لكنه لم يتم تطويره بشكل مثير وظلت أدواته محدودة, ومن قرأ ألف ليلة وليلة أو كتب وقصص التراث يكتشف رواية هنا وأخرى هناك تشير بصورة أو أخرى إلى بعض من هذا الفن المثير, ابتداء من أشكال مخلوقات عجيبة وغريبة وانتهاء بمدن ودول وأدوات.. وقد ذكر المسعودي عن بعض العلماء أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض قبل سيدنا آدم ثماني وعشرين أمة على خلق مختلفة, وهي أنواع منها ذوات أجنحة وكلامهم قرقعة, ومنها ما له أبدان كالأسود, ورؤوس كالطير, ولهم شعور وأذناب وكلامهم دوي, ومنها ما له وجهان.. واحد من قبله والآخر من دبره وأرجل كثيرة, ومنها ما يشبه الإنسان بيد ورجل وكلامهم مثل الصياح, ومنها ما وجهه كالآدمي وظهره كالسلحفاة وفي رأسه قرن وكلامهم مثل عواء الكلاب, ومنها ما له شعر أبيض وذنب كالبقر, ومنها ما له أنياب بارزة كالخناجر وآذان طوال. ويقال ان هذه الأمم تناكحت وتناسلت حتى صارت مائة وعشرين أمة, ولم يخلق الله تعالى أفضل ولا أحسن ولا أجمل من الإنسان. وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: خلق الله تعالى ألفاً وعشرين أمة, منها ستمائة في البحر, وأربعمائة وعشرون في البر, وفي الإنسان من كل خلق, فلذلك سخر الله له جميع الخلق, واستجمعت له جميع اللذات, وعمل بيده جميع الآلات, وله النطق والضحك والبكاء والفكرة والفطنة واختراعات الأشياء واستنباط جميع العلوم واستخراج المعادن, وعليه وقع الأمر والنهي والوعد والوعيد, والنعيم والعذاب, واياه خاطب وله قرب, وخلق الله تعالى اسرافيل عليه السلام على صورة الإنسان, وهو أقرب الملائكة إليه.. فقد ذكر في الحديث: (لا تضربوا الوجوه فإنها على صورة إسرافيل) .. وروي عن الإمام الشافعي أنه قال: دخلت بلدة من بلاد اليمن فرأيت بها إنساناً من وسطه إلى أسفله بدن واحد, ومن وسطه إلى أعلاه بدنان متفرقان برأسين ووجهين وأربع أياد وهما يأكلان ويشربان ويقتتلان ويتلاطمان ويصطلحان. قال: ثم غبت عنهما قليلاً ورجعت فقيل لي: أحسن الله عزاءك في أحد الشقين فقلت: وكيف صنع به؟, قيل: ربط في أسفله حبل وثيق وترك حتى ذبل ثم قطع ورأيت الجسد الآخر في السوق ذاهباً وراجعاً. ولو لم تكن تلك القصة حقيقة واقعة ذكرتها كتب التاريخ لقلنا بأنها من قصص الخيال العلمي التي تتواصل الآن في الأفلام السينمائية وتحقق أرباحاً مثيرة, مثلها مثل عروس البحر التي أوردت كتب التاريخ عنها قصصاً كثيرة وتفتقت خيالات القاص العربي في تطريزها ورسمها, فقد حكي عن الشيخ أبي العباس الحجاري قال: حدثني بعض التجار أنه في سنة من السنين خرجت إليهم سمكة عظيمة فربطوها وشدوا إليها الحبال وأخرجوها فإذ هي جارية حسناء, جميلة بيضاء, سوداء الشعر, حمراء الخدين, كحلاء العينين, ومن صرتها إلى نصف ساقيها شيء كالثوب يسترها من الأمام والخلف ودائر عليها كالازار فأخذها الرجال إلى البر فصارت تلطم وجهها وتنتف شعرها وتعض يدها حتى ماتت في أيديهم فألقوها في البحر.. وغير تلك الحكايات كثير وتحتاج إلى بحث وتنقيب, والذين قرأوا التاريخ الإسلامي جيداً يعرفون أن الربوت لم يخترعه الغرب كما يظن الجميع بل هو ولادة فكر عربي إسلامي جاءت به بنات أفكار العالم العباسي أحمد بن شاكر بن موسى الذي يعتبر من أقدم صانعي الربوتات في العالم وكان يدعوها الآلات الروحية.. وقد استمد الغربيون بما أوتوا من علم وتكنولوجيا هذا الفكر وحولوه إلى حقيقة ملموسة.. فكم هي الأحلام والقصص الخيالية التي لا تزال مشاريع لم تحقق؟

تعليقات

تعليقات