استراحة البيان : التي أحببتها مرتين - 2

الأرض التي يترك الأوروبي بلده ليعيش ويستقر ويحلم فيها, ويموت فيها, لابد ان تكون اجمل من ارضه او انها تحمل شيئا ما لا يجده في بلده , فأي بلد في هذا العالم يملك خاصية أو أفضلية على أوروبا! ما هو هذا الشيء الذي يجعل بلدا مثل جنوب افريقيا مكانا يهجر الاوروبي وطنه من اجله..؟ روعة الطبيعة, الارض الغنية بالثروات والخيرات, الامن والنظام الذي لا تعرفه بقية دول القارة السوداء, جميعها عوامل جذب تغري بالهجرة لمختلف الشعوب التي تفتقد الامان والاستقرار وتبحث عن المال والحياة الافضل, ولكنها بالنسبة للاوروبي ليست عوامل مشجعة على الهجرة الطويلة التي ينسى عندها وطنه. فماذا اكثر في جنوب افريقيا؟! أحمل لهذه البلاد في دواخلي عشقا قديما, فهي موطن الرمز نيلسون مانديلا ويكفي لفظ اسمه لتذكر النضال والسجن الطويل وطريق الحرية. وهي الارض الكنز التي قاتل الرجل الابيض كل العالم من اجل التمسك والبقاء فيها, لهوى النفس هذا فانني زرتها مباشرة بعد ان استعادت عافيتها من ظلام التمييز العنصري, ولانني احببتها مرتين زرتها مرتين ايضا, وصادف ان تكون الزيارة الاولى في منتصف الربيع والتالية بفصل الخريف. ولتتعرف على جنوب افريقيا وانت فيها لابد ان تكون قرأت تاريخها لكي لا تصدمك المتناقضات التي ستجدها مجتمعة بصورة غريبة وكأنها من طبيعة هذا البلد, وهي كذلك لانها جزء من نسيج وهوية جمهورية جنوب افريقيا. ففيها ابراج زجاجية وناطحات السحب يجاور هذه المباني المعمارية الفخمة أكواخ القش ومساكن الصفيح في مدن رئيسية مثل جوهانسبرج العاصمة, صورة الابراج تشعرك بأنك في امريكا او هونج كونج اما بيوت الصفيح فتعيدك الى واقع وعالم افريقيا. تشاهد على جنبات الطرق السريعة مزارع يصعب ان يحصر البصر مداها متزاحمة بشجيرات العنب والبرتقال والتفاح تتحول الى ماركات مشهورة تشتريها في اسواق دبي ولندن واستراليا وجميع انحاء العالم وتسأل سائق الباص الاسود من صاحب هذا النعيم؟ ويعدد لك اسمين او ثلاثة يدل لقب عوائلهم على انهم من الاقطاعيين البيض وقد يصادف ان تشاهد على نفس الطرقات عائلة أو اكثر تفترش الارض لا تجد ما يسترها ويقي سوءات اطفالها الكبار, ويرد عليك السائق قبل ان تسأله انها عوائل زنجية فقيرة تنتظر وجبة يومها من المارة, قد تستمع الى رجل متفائل وسعيد جدا بالواقع ويعلق احلاما وتطلعات كبيرة لمستقبل هذا البلد وقد يأخذك الحديث مع رجل اخر مختلف لا يجد في الواقع اي خير, وتحمل نظراته كل معنى السواد واليأس من الايام المقبلة. انها تناقضات قدم مانديلا ورفاقه حياتهم من اجل القضاء عليها, وتضحياتهم هذه استطاعت ان تسد قدرا من الفجوة ولكن اجزاء اخرى رسبتها السنوات وممارسات العنصرية تحتاج الى زمن اكبر لتتلاشى وتذوب. جنوب افريقيا البلد السياحي يمتاز بأنه يعطي للسائح ما يحلم به, فهي لمختلف الشرائح والاذواق, ان كنت من عشاق الطبيعة فهي البلد الذي تبحث عنه في خيالك, فينابيع الماء وروح الغابة الخضراء في كل مكان وصنوف الازهار التي تشاهدها هنا يصعب ان تجتمع في ارض اخرى, اما السماء فهي نعمة مكملة فهي في حالات باردة ماطرة واحيانا مشمسة دافئة. عشاق القنص يجدون ضالتهم في متعة النوم بالقرب من مجتمع الحيوانات وهي في غابتها الطبيعية فهناك محميات واستراحات وطبعا رحلات تبدأ قبل خيوط الفجر في سيارات مكشوفة لزيارة سيد الغابة ولقاء الفيل ورؤية جمال الظبي مع أقرانه وفي مرتعه والمرح مع قفشات صغار القرود وخيال الخرتيت يحاول الاقتراب من الرحالة. اما مدمنو الملاهي والمراهنات فعندهم (صن سيتي) مدينة الاحلام التي لا يحلم الفقير بدخولها, اعجوبة من عجائب هذا الزمن, تشعر فيها بالبذخ والرفاهية الزائدة في كل شيء وتشعرك عندما تدخلها انها تحتاج الى كل ما في جيبك لتعطيك كل ما عندها. هواة البحر يجدون في (كيب تاون) شواطىء صافية فهذه مدينة البحر والنساء وعاصمة التجارة وهي آمن واجمل المدن, الماء والجبل, هادئة نظيفة, فيها مطاعم مجتمعة من كل انحاء الدنيا للهواة واسواق ضخمة تقدم جديد الموضة الغربية بجانب شعبيات القارة الافريقية. وان كنت من محبي الفلكلور ويسكنك عشق التاريخ, فستجد (الزولو) في انتظارك فهم سعداء بك اذا رغبت ان تزورهم في اكواخهم الساكنة بالصحراء وتمنيت ان تشاهدهم تحت اضواء المدينة ففرحتهم في ان يشاهد العالم الجديد رقصاتهم. التاريخ تجده حاضر في كنائس ومساجد ومنازل وسجون واسوار قديمة تحكي تاريخ هذا البلد, تم ترميمها للاستخدام او تحويلها كمزارات. والمكان الذي تشعر عنده بحجم المكاسب التي حققتها زيارتك انت الباحث عن التاريخ هو ذلك المكان البعيد الذي يقع في نهاية هذه الدولة, والذي تصل اليه بعد تعب وسفر شاق مهما كانت رفاهية الناقلة التي تحملك. ذلك الجبل الذي يأمرك حارسه عندما تصل اليه بالمسير لمسافات طويلة ليوصلك الى حافة خطيرة يقف خلفها البحر. فماذا هنا؟ لا شيء غير منظر الماء واستدارة الجبل, فهنا (رأس الرجاء الصالح) ومن هنا عبرت سفينة (فاسكو دي جاما) انها نقطة نهاية العالم او بدايته. تشعرك جنوب افريقيا في نهاية رحلتك بأنها جنة مختلفة وانها اسطورة, وانها تخاف شبح سواد الماضي وانها تعيش للمستقبل, وانها متناقضة! انها بلد السحر , والسحر افريقي, ولعل سر هذا السحر الافريقي هو الذي جعل الاوروبي يطلق وطنه ليعيش مع هذه الارض. بقلم : سعيد حمدان

تعليقات

تعليقات