استراحة البيان: تخمة القشور ونكهة التعب: يكتبها اليوم : سعيد حمدان

يتباكى الشايب على الزمن الماضي باستمرار لسبب وهو انه فقد نكهة ألفها والتصقت بداخله, فالراحة التي ينعم بها اليوم لا يشعر بطعمها عندما يقارنها بالتعب الذي كان يقاسيه آنذاك , فذلك التعب رغم قسوته واوجاعه, فانه كان يعني له نكهة العمل والسعي والتطلعات ومعنى الحياة بصفة عامة. فهو مر, نعم ولكنه طريق وحيد يوصل صاحبه الى السعادة او سد الحاجة. فعندما يعود الشايب ليقارن بين اليوم وحياة الامس في اي شأن ومن اية زاوية, بالتأكيد انه سينحاز ويفضل الماضي على الحاضر مع ان اليوم قد يكون هو الافضل بمقياس الرفاهية والنعيم ولكن عند الشايب هناك نكهة متميزة يفتقدها اليوم ويحس بطعمها في ذكريات الماضي. ورمضان الكريم هو احد وجوه المقارنة التي تجعل الشيخ المسن وحتى غير المسن الذي عايش رمضان قبل عشر سنوات مثلا, يشعر بأن رمضان اليوم لا يساوي ذلك رمضان القديم, فمع أن رمضان لم ولن يتغير فهو شهر رباني يتطلب العبادة والصوم والخير, فيه ليلة بالف شهر, فروضه ونوافله لا تسقط في اي زمان واية بقعة, الا أن حركة الزمن وايقاع الحياة العصرية وعادات الناس تغيرت كثيرا. رمضان بالامس كان يعني مزيدا من العمل الصالح والتقوى, كان يعني الاقتراب اكثر من كتاب الله ومن المسجد, كنت تشعر ان صلاة التراويح احتفال يومي للصائم وللطفل الصغير الذي يجد في هذا التوقيت اسعد اللحظات يسمع فيها صوت الصلاة ويمارس فيها العابه وهواياته بكل براءة الطفولة. في رمضان القديم او عند أناس رمضان في السنوات الماضية فان موعد الفطور لا يعني فقط نهاية الظمأ والجوع, انما يعني الألفة والتجمع, فالفطور لاهل الحي يكون جماعيا, واذا كان مختصرا فان حدوده بيت الوالد واسر الاولاد والعم والخالة, فلا يتصور في ذلك الزمن طبعا ان يفطر الزوج واولاده فقط. ومائدة الافطار رغم ان طعامها محدود متكرر, إلا أنها عند أهلها غنية مشبعة تحقق الرضا, فيكفي انها تسد الحاجة ولا تسبب التخمة.. التخمة التي نعيشها اليوم على موائدنا وفي مزابل البلدية, وطبعا في بطون البعض التي لا ترضى بالقليل من الاكل, فلذتها في الدسم, حتى لو فرض عليها امراض المعدة وسوء الهضم وزيارة طوارىء المستشفى كل ليلة. التخمة ايضا التي نعيشها في تسالي رمضان, خيم ومقاه وملاه واسواق ومباريات وبرامج ومالا يخطر على البال من اجل راحة الانسان في شهر الكرم, وهو الانسان مشتت ولاهث يحاول البحث عن الافضل من هذه التسالي, وقد يعود من رحلته اليومية متخما ولكن من غير فائدة بل وبخسارة في احيان كثيرة. تخمة في القشور والمظاهر والملذات, اما روحانيات رمضان فهي غائبة عند البعض الكثير, فهذا البعض يصلي, يصوم قد يتصدق ولكنه يؤدي مجرد عادة لا يشعر بتلك الطمأنينة بل بدوامة تدور به, يحاول ان يهدأ الا ان ايقاع الحياة لا يسمح له بذلك, فيذهب الشهر الفضيل, كما بدأ سريعا, يدعونا الى الفضيلة, ويعرض علينا كل الخير, لكننا لا نأخذ منه, نحن البعض الكثير الا تخمة البطن واهواء النفس الجائعة للهو والمظاهر.. لا نأخذ منه إلا القشور.

تعليقات

تعليقات